بالبرادات.. هكذا تنقل وتدفن جثث المعتقلين في سجون النظام السوري

المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز بألمانيا حيث يحاكم إثنان من ضباط الأمن السابقين في النظام السوري في نيسان 2020 - (AA)

المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز بألمانيا حيث يحاكم إثنان من ضباط الأمن السابقين في النظام السوري في نيسان 2020 - (AA)

ع ع ع

الرائحة التي حملها معه طيلة اليوم، ليست في الثياب فحسب بل في الرأس أيضًا.

رائحة الجثث، مئات الجثث وأحيانًا الآلاف، توجب عليه نقلها يوميًا إلى المقابر الجماعية.

هكذا ينقل مسؤول دفن الموتى في سجون المخابرات السورية انطباعاته عن عمله، خلال شهادته أمام محكمة كوبلنز العليا جنوبي ألمانيا.

شهادة مجهول في كوبلنز

في يومي 30 و31 من محاكمة أنور رسلان وإياد الغريب استدعت محكمة كوبلنز العليا جنوبي ألمانيا شاهدًا التزمت بإبقاء هويته سرية، بسبب خوفه على عائلته في سوريا، إذ ضمن له مجلس المستشارين في المحكمة عدم الإفصاح عن اسمه ليحافظ على حياة وحرية عائلته.

في هذه الجلسة من محاكمة رسلان والغريب، كانت الإجراءات بمثابة “عمليات المحاكمات بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا”، بالنسبة لكثير من السوريات والسوريين، بحسب ما ترجمته عنب بلدي عن موقع “tagesschau“.

وسرد الشاهد الذي كان يعمل كمدني لدى مكتب الجنائز في دمشق، بحسب قوله، كيف تم تطويعه من قبل الضباط لتشكيل مجموعة تتراوح بين عشرة إلى 15 شخصًا لنقل الجثث أربعة مرات أسبوعيًا إلى المقابر الجماعية، وفق “tagesschau”.

ولذلك زُود الشاهد بسيارة “فان” من دون نمرة تسجيل، وزُينت السيارة على جميع جهاتها بصور رئيس النظام السوري، بشار الأسد، كي يتمكنوا من التنقل من خلال حواجز التفتيش من دون مساءلة، بحسب “tagesschau”.

وتتكون القافلة المكونة في أغلب الأحيان من ثلاث برادات نقل، تحتوي نحو 300 جثة تسلك الطريق من مستشفى “تشرين العسكري” في حرستا بريف دمشق الشرقي، إلى مقبرتين جماعيتين كبيرتين في القطيفة شمال دمشق وفي نجها جنوب العاصمة.

وحين تأتي شاحنة التبريد التي تنقل الجثث، يتسلق رجال الشاحنة، ينتشلون الجثث، ثم يقومون برميها فوق بعضها في القبر بواسطة جراف، وفق ما قاله الشاهد في المحكمة.

ويكون القبر بعمق ستة أمتار ويمتد مسافة 100 متر، أي يأنه تسع للعديد من الدفعات من الجثث، إذ تنقل الدفعة الأولى ثم الثانية وهكذا، ووفق الشاهد، وفي بعض الأوقات يحتاج القبر إلى 50 دفعة حتى يمتلئ.

اقرأ ملف: معتقلو سوريا خارج حسابات المشرّع

من دون أسماء.. فقط أرقام

وبين عامي 2011 و2017 كان هذا عمل الشاهد، بحسب إفادته داخل المحكمة، ثم انتقل ليعمل مرافقًا في مكتب ضابط لم يسمه، لتنظيم قوائم الموتى.

لكن لا تحمل الجثث بالإضافة إلى اسم الفرع القادمة منه (الخطيب مثلًا) أي اسم آخر، بل تحمل فقط أرقامًا، وعددها مسجل في سجلات محفوظة في خزانة.

وعندما تفتح أبواب شاحنة النقل تندفع رائحة يمكن استنشاقها من 100 متر، كان الشاهد يحاول الابتعاد عنها قدر الإمكان، بحسب ما نشره موقع “tagesschau”.

وكان المسؤولون عن عملية دفن الجثث، يقومون بتفريغ الجثث من سيارة التبريد بأيدٍ عارية، وفق ما نشره “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان”، وغالبًا دون معدات حماية، وبعضهم يعاني من مرض خطير بمجرد ملء جزء من حفرة القبر العميقة.

وأضاف الشاهد، “الجثث جاءت من سجون مختلفة من مختلف الأجهزة السرية، بما في ذلك سجن الخطيب التابع لجهاز المخابرات العامة وسجن صيدنايا العسكري”.

اقرأ أيضًا: في جلسات محاكمة رسلان والغريب خلال أيار.. فرصة لسماع صراخ المعتقلين

الجثث كانت مشوهة

يصف الشاهد ما كانت عليه حال الجثث، “علامات زرقاء كانت موجودة على كامل الجثث العارية”، كما شاهد أسنان مخلوعة وأظافر، ولدى أحد الموتى كان جهازه التناسلي مقطوع.

“كانت الوجوه كلها مشوهة، وكأنها سقيت بسائل حمضي لكي لا تعرف”، قال الشاهد.

وتتوافق إفادة الشاهد مع ما نشرته منظمة “العفو الدولية” في تقريرها التي شبهت فيه سجون النظام  بـ”مسلخ بشري” يُذبح البشر فيه بهدوء.

وبحسب ما نشره موقع “tagesschau”، فإن الشاهد كان يتكلم من دون توقف، أقواله ليست دائمًا واضحة ومفهومة، وبعض الأرقام غير منطقية، ولكن “كيفية وصف عمله لا تدع للحاضرين في قاعة المحكمة مجالًا للشك بصحتها”.

هذه المحاكمة غير متعلقة بالدولة الألمانية، لكن وبحسب قوانين حقوق الإنسان المطبقة في ألمانيا، يمكن إثبات انتهاك حقوق الإنسان من خلال الأدلة والشهود، لهذا لا تهدف هذه المحاكمة فقط لإدانة المتهمين، ولكن لإدانة النظام السوري بأكمله.

وتتميز هذه الجلسة عن بقية الجلسات، بأنها كانت مترجمة إلى اللغة العربية، بامتثال محكمة كوبلنز لقرار المحكمة الدستورية الاتحادية في 18 من آب الماضي، وبحضور صحفيين سوريين معتمدين داخل قاعة المحكمة، وفق ما نشره “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان”.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة