ع ع ع

صالح ملص – زينب مصري

تتكرر مشكلة السكن المؤقت في مخيمات التهجير والنزوح، لتشمل تجارب سوريين، أحلامهم لا تتخطى حدود مسكنهم “المؤقت” في الشمال السوري، راغبين في البحث عن استقرار ذاتي وسط غياب الاستقرار السياسي أو الأمني، من خلال بيوت أسمنتية يطوف حول أهلها مطلب جماعي موحد، هو حق العودة إلى مدنهم ومنازلهم الأصلية، باختلاف ظروفها ومواقعها.

في الشمال السوري، وعلى طول الشريط الحدودي مع تركيا، يتوزع أكثر من ألف مخيم تختلف في بنيتها التكوينية، تحولت بعضها إلى عشوائيات في مساحات جغرافية ضيقة، تُنذر بخلق مشكلة عقارية، إذا استمرت بالتمدد دون ضوابط وآليات تنظيمية.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف، مع مسؤولين من السلطات المحلية في الشمال السوري وقانونيين سوريين، آليات اختيار الأراضي لبناء مخيمات أسمنتية، وقانونية بناء تلك المخيمات في المناطق الحدودية، واحتمالية أن تعيش سوريا مشكلة عشوائيات جديدة بسبب بناء تلك المخيمات، بمساعدة منظمات وجمعيات أجنبية، يغيب عنها التنظيم القانوني والهندسي.

في إدلب.. نازحون ضمن أراضٍ زراعية

لحاجته إلى المال، عرض محمود حلبي وهو من أهالي قرية كفرعروق بريف إدلب الشمالي الغربي، أرضه الواقعة على الطريق العام الواصل بين قريتي كفرعروق وكفردريان للبيع، فاشترتها مجموعة من السكان النازحين إلى القرية، لإشادة مخيم والإقامة فيه.

باع محمد دونمات أرضه الستة بمبلغ 1200 دولار أمريكي للدونم الواحد، ولامتلاكه سند تمليك، أو ما يُسمى عرفًا بـ”الطابو الأخضر”، وثق البيع في السجلات العقارية بمدينة حارم، و”فرغها للمشترين بشكل نظامي”، بحسب ما قاله لعنب بلدي.

“مجموعة من الأهالي اشتركوا واشتروا الأرض وبنوا عليها مخيمهم، أخبروني قبل عملية البيع بنيتهم بناء مخيم، كنت فقط أريد البيع”، أوضح محمود علمه المسبق بنية المشترين بناء مخيم على أرضه، مشيرًا إلى أنه لم يستغلها لأغراض استثمارية لكونها أرضًا صخرية غير صالحة للزراعة.

وعلى خلاف أرض محمود، يمتلك علي عوض من أهالي القرية نفسها أرضًا زراعية تبلغ مساحتها قرابة ثمانية دونمات، وتقع بين قريتي كفرعروق وكفردريان.

واستأجرت مجموعة من النازحين، عام 2019، أرض محمود بمبلغ 500 دولار أمريكي في السنة، وأشادت عليها أبنية سكنية أسمنتية عوضًا عن الخيام، ما تسبب بضرر الأرض التي كان يجني علي منها محاصيل زراعية سابقًا، بحسب ما قاله لعنب بلدي.

في مناطق الشمال الغربي

جمعيات تبني منازل أسمنتية وفق عقود تخصيص

في 22 من أيلول الماضي، أعلنت منظمة الإغاثة وحريات الإنسان التركية (İHH) إكمالها المرحلة الأولى من بناء “قرية السلام”، بمنطقة الزوف في ريف إدلب الغربي، بإتمام بناء 50 بيتًا أسمنتيًا، وتسليم البيوت المكتملة لأسر الأيتام في المنطقة.

وكانت المنظمة، بحسب موقعها الرسمي، بدأت بناء القرية على مرحلتين، لبناء 100 بيت أسمنتي بمنطقة الزوف، أنهت المرحلة الأولى منها، وتعمل على إتمام بناء منازل المرحلة الثانية من القرية، التي تضم 50 منزلًا آخر.

ونقل الموقع عن المسؤول الإعلامي لأنشطة المنظمة في سوريا، سليم طوسون، قوله إن القرية مبنية في موقع قريب من الحدود التركية- السورية، وتبلغ مساحة المنزل الواحد فيها 40 مترًا مربعًا، يتضمن غرفتين، ومطبخًا، وحمامًا، ودورة مياه، وحديقة صغيرة تحيط به، مشيرًا إلى أن المنظمة تخطط لبناء مدرسة ومسجد في القرية.

“قرية السلام” واحدة من حوالي 30 مشروعًا سكنيًا تُشرف على بنائه هيئة الإغاثة التركية في مناطق الشمال السوري، كبديل للنازحين عن خيامهم، ولتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية لهم.

اكتمال المرحلة الأولى من مشروع “قرية السلام” الذي تشرف عليه منظمة “İHH” بمنطقة الزوف، بريف إدلب الغربي-22 من أيلول 2020 (İHH)

من يبني المخيمات الأسمنتية؟

ظهرت المشاريع السكنية والكتل والمنازل الأسمنتية كبدائل عن الخيام التي أرهقت ساكنيها من النازحين إلى محافظة إدلب، وريف حلب الشمالي، وازداد عددها في الآونة الأخيرة، ما طرح التساؤل عن الجهات التي تعمل على إنشائها.

عنب بلدي بحثت في آلية إنشاء تلك المخيمات والجهات التي تشرف عليها، وتوصلت، بالاستناد إلى معلومات من مدنيين و جمعيات وسلطات محلية عاملة في الشمال، إلى أن العديد من الجمعيات الدولية والعربية والمحلية تعمل، بالتفاهم مع المجالس والسلطات المحلية العاملة في مناطق الشمال الغربي من سوريا، على بناء تلك المخيمات.

كما يشتري نازحون أراضي من أصحابها أو يستأجرونها، أو يوقف مالك أرض في تلك المناطق أرضه لمصلحة جمعية، لإقامة منازل وكتل أسمنتية عليها للنازحين، دون الأخذ بعين الاعتبار في كل الحالات طبيعة الأرض، وما إذا كانت معدة للبناء أم لا.

لا بيوع وإنما تخصيص

رئيس دائرة أملاك الدولة في حكومة “الإنقاذ” العاملة بإدلب، عدنان القاسم، قال إن الحكومة لا تمنح أراضي أملاك الدولة للجمعيات، وإنما تُخصص أملاك الدولة لوزارة التنمية والشؤون الإنسانية، لمصلحة منظمة أو جمعية بهدف إقامة مخيم، سواء كان كتلًا أسمنتية أم خيامًا.

وأكد القاسم أنه لا علاقة للجمعية أو المنظمة بالأرض، وإنما يُخصص الانتفاع لوزارة التنمية، مضيفًا أن منح الأرض للجمعية ليس بيعًا أو تأجيرًا أو هبة، بل تخصيصًا، ما يعني أن “رقبة العقار” تبقى أملاك دولة، والتخصيص فقط للانتفاع من العقار، وذلك ضمن شروط.

وتُحدد الغاية من التخصيص والمدة وبقية التفاصيل في “منطوق” قرار التخصيص.

وأشار القاسم إلى أن أغلب الأراضي التي تُخصص من أملاك الدولة هي جبال وأراضٍ صخرية، ولا توجد أراضٍ زراعية، ومع ذلك تكشف لجنة من دائرة أملاك الدولة ووزارة التنمية على الأرض قبل تخصيصها.

كما تكشف لجنة من وزارة الزراعة، التي تتبع لحكومة “الإنقاذ”، على الأراضي الزراعية الخاصة، لإعطاء الموافقة أو عدم إعطائها، وفق طبيعة الأرض.

وأما بالنسبة لمصير الأبنية التي خُصصت كمخيمات، فلا تدخل ضمن المخطط، وتُعنى “إدارة المهجرين” في مديرية الخدمات التابعة للحكومة بالشؤون الخدمية للمخيم، من طرق ومياه وصرف صحي، سواء كان المخيم بناء أم خيامًا.

“الشؤون الإنسانية” تشرف على تخديم المخيمات

تشرف دائرة الشؤون الإنسانية في وزارة التنمية والشؤون الإنسانية التابعة لحكومة “الإنقاذ” على إنشاء المنظمات الإنسانية “كتلًا فنية” في مخيمات المدينة، وتعمل الوزارة على إنشاء كتل سكنية وتجهيز مخيمات مخدمة بالكتل السكنية والأراضي المفروشة، بحسب ما تنشره عبر معرفاتها الرسمية في شبكة الإنترنت.

وتزداد مشكلة المخيمات العشوائية تعقيدًا في فترات النزوح الكبير، بحسب مدير مديرية شؤون المخيمات في حكومة “الإنقاذ”،  أحمد الحسن.

وقال الحسن لعنب بلدي، إن الحكومة حدت من تجاوزات المنظمات لأبنية غير منضبطة لإيواء النازحين، وما يجري الآن هو استبدال للخيام القديمة.

وبالنسبة للأراضي، فسابقًا كان النازحون يتواصلون مع صاحب الأرض مباشرة، ثم أصبحوا يراجعون المديرية لاحقًا لطلب خدمات للمخيم، فتطلب الأخيرة منهم أوراقًا، كموافقة صاحب الأرض، وعقد الإيجار معه.

وأضاف الحسن أنه أُعيد تنظيم طلب الخدمات بصيغة معتمدة لدى مديرية المخيمات، وفي حالات عدم توفر هذه الأوراق، يكون هناك بدل إيجار إلزامي لصاحب الأرض، آخذين بعين الاعتبار طبيعة الأرض استواء أو ميولًا أو انحدارًا .

وبيّن المدير أن أراضي أملاك الدولة لا تتبع لمديرية شؤون المخيمات، وإنما تتبع لدائرة أملاك الدولة في الحكومة، لافتًا إلى أن الأراضي الصخرية تُنتقى لإشادة المخيمات، وتترك الأراضي الصالحة للزراعة.

وأكد إحالة مخالفات ضُبطت إلى الجهات المعنية، لمتابعتها أصولًا، مشيرًا إلى تنظيم إيجارات الأراضي وفق معايير معتمدة لدى المديرية، كي لا تزداد الأعباء على النازحين، ولا يُبخس حق صاحب الأرض.

اعزاز.. المخيمات تابعة لـ”آفاد” التركية

من جهته، قال مدير المكتب الإعلامي في المجلس المحلي لمدينة اعزاز، شمال غربي حلب، سعيد عكاش، لعنب بلدي، إن مخيمًا واحدًا فقط يتبع للمجلس وهو مخيم “الإيواء”، المشاد على عقار ملكيته تتبع للمجلس، لأنه أملاك دولة.

وأضاف أن المخيم عبارة عن مركز مؤقت لاستقبال الوافدين الجدد من النازحين، مشيرًا إلى عدم امتلاكهم، كمجلس محلي، أي معلومات عن بقية المخيمات، لأنهم تابعون لإدارة رئاسة هيئة الطوارئ والكوارث الطبيعية (آفاد)، التابعة لرئاسة الوزراء التركية، نافيًا أي صلة للمجلس بهم.

مذكرات تفاهم

أما في الشمال الشرقي لمدينة حلب، وتحديدًا في مدينة الباب، فيوجد تجمع مخيمات بُني بدعم من منظمة “الهلال الأحمر القطري” على أراضي أملاك عامة، بحسب رئيس المجلس المحلي للمدينة، جمال عثمان.

رئيس المجلس قال لعنب بلدي، إن هذا المخيم عبارة عن تجمعين متجاورين، يتألف الأول من 119 شقة سكنية، أُنهي بناؤها، ولا يزال الثاني قيد الإنشاء.

وهو تجمع “نظامي”، أُقيم بعد موافقة المجلس المحلي على ذلك، ومعظم سكانه نازحون من اليتامى وذوي الإعاقة.

وأضاف رئيس المجلس أن معظم المخيمات الأخرى في المدينة موجودة على أراضي أملاك عامة، وهي عبارة عن تجمعات لخيام أقامتها مجموعة من النازحين، ومن ثم تابعها المجلس، ووثق أسماء النازحين فيها لتقديم الدعم والخدمات لها.

بالإضافة إلى تجمع في قرية سوسيان التابعة لمدينة الباب، أُنشئ على أراضي أملاك عامة، بمبادرة من نازحين من أهالي الغوطة، وأُقيم مع مشروع “الهلال الأحمر القطري” بالتنسيق مع المجلس المحلي للمدينة، بموجب مذكرة تفاهم وموافقة ممنوحة من المجلس.

وتحدث رئيس المجلس عن مخيم “الشرقية”، الذي أُقيم من قبل نازحين قدموا من المناطق الشرقية، واستأجروا الأرض من صاحبها، ويقدم له المجلس جميع الخدمات من شبكات مياه وصرف صحي وكهرباء ومساعدات عينية، مشيرًا إلى أن المجلس يقدم جميع خدماته بشكل مجاني ولا يفرض أي إيجارات على النازحين.

معايير اختيار الأراضي

في مدينة جرابلس، شمال شرقي مدينة حلب، توجد عدة اعتبارات لاختيار الأراضي التي تُقام عليها المخيمات، أبرزها القرب من المدينة، لإمكانية توفير الخدمات الأساسية القريبة من أرض المخيم، على أن تكون المساحة مناسبة لبناء تلك المخيمات، بحسب رئيس المجلس المحلي للمدينة، عبد خليل.

وتحدث خليل لعنب بلدي عن آلية اختيار الأراضي للبناء، قائلًا إن البناء ينفذ في الدرجة الأولى على أراضٍ تابعة للدولة أو أراضي جمعيات فلاحية وما شابه.

وأضاف خليل أنه في الحالات التي لم تتوفر فيها أراضي الدولة، اشترت جمعيات محلية أراضي على نفقتها، وبنت قرى سكنية عليها.

وأشار إلى أنه بجانب الجمعيات المحلية التي تعمل في المدينة على بناء المخيمات، تعمل جمعيات عربية بدعم دولي، بالإضافة إلى منظمة “آفاد” التركية، على موضوع البناء، إذ بنت الأخيرة عدة مخيمات في المنطقة بالتنسيق مع المجلس، بموجب مذكرات تفاهم.

وتُوقّع تلك المذكرات بين المنظمة والمجلس، ويتم بموجبها اتخاذ قرار بتخصيص أراضي أملاك الدولة لمصلحة المنظمة من أجل إنشاء مخيم أو بناء قرية سكنية.

وأكد رئيس المجلس أن المنح ليس بيعًا وإنما تخصيص أرض للمنظمة، بموجب قرار ينص على “قرر المجلس المحلي لمدينة… تخصيص المساحة… من الأرض الواقعة في… لمصلحة المنظمة…  من أجل بناء قرية سكنية…”.

أما بالنسبة للأملاك الخاصة فقال خليل، إن الشراء يتم بشكل مباشر من قبل المنظمة أو الجمعية للأرض، ويتم بعد ذلك توقيع مذكرة تفاهم على إنشاء المخيم ومآل هذا المخيم وآلية الإسكان والتفاصيل الأخرى.

وعن آلية اختيار النازحين للسكن في المخيمات، ختم رئيس المجلس بأن اختيارهم يجري حسب الهدف من إنشاء المخيم،  مشيرًا إلى عدم حصول المجلس أو المنظمات على أي رسوم أو إيجارات تُدفع من قبل النازحين.

فإذا كان المخيم مخصصًا للأيتام والأرامل، فيُخصص لهؤلاء الأشخاص بغض النظر عن المحافظة أو المنطقة التي نزحوا منها، وإذا كان مخيمًا منشأ في أثناء “الأزمات”، مثل أزمة النزوح الأخيرة من ريفي إدلب وحلب الجنوبيين، فيسكن في المخيمات النازحون الجدد من تلك المناطق.

جانب من مشروع “قرية السلام” الذي تشرف عليه منظمة “İHH” بمنطقة الزوف، بريف إدلب الغربي-22 من أيلول 2020 (İHH)

عشوائيات جديدة تُنذر بمشكلة عقارية

إشكالية قانونية في العقود المبرمة

هناك كثير من المخيمات العشوائية في الشمال السوري، تتزايد مساحتها الجغرافية مع كل موجة نزوح جديدة، بحسب ما قاله مدير فريق “منسقو استجابة سوريا”، محمد حلاج، لعنب بلدي.

والمخيمات العشوائية لا تُبنى تحت إشراف المنظمات المتخصصة، وبموجب دراسة هندسية لمدى قابلية الأرض للبناء عليها، وفق ما ذكره حلاج.

ومن المتوقع أن تصبح المخيمات العشوائية هناك كالعشوائيات التي تحاصر العاصمة دمشق، “لأن الأبنية بدائية، ونتيجة الحاجات الماسة للسكن تتكاثر بشكل جنوني ومتناثر، بطريقة يستحيل تنظيمها”، ما يخلق مشكلة عقارية جديدة في سوريا لا تقل خطورة عن العشوائيات في مدن سورية عدة، وفق ما قاله المحامي أحمد صوان لعنب بلدي.

والحل في هذه الحالة، برأي المحامي، هو أن تأخذ البلديات والمجالس المحلية دورها، وأن تخصص مواقع معينه لبناء المخيمات وفق مخططات هندسية مدروسة.

كما يجب أن يستحصل أي بناء سكني مؤقت على الموافقة المسبقة من قبل السلطات المحلية المختصة، وأن تيسر المجالس المحلية منح هذه الموافقات دون أن ترهق الناس بمبالغ كبيرة، بحسب ما أوصى به المحامي، لأن الرسوم الباهظة تدفع الجميع للبناء العشوائي المخالف.

وتُعتبر حكومة النظام السوري أحد أكبر المتسببين بخلق مناطق العشوائيات، التي كانت تنشأ بسبب عدم منح الحكومة رخص البناء لأصحاب بعض الأراضي الداخلة في مناطق التنظيم أساسًا، أو من خلال منح بعض متنفذي السلطة في المناطق التي ينشطون فيها الأذونات لأصحاب الملكيات بالبناء في تلك المناطق، ومساعدتهم في غض طرف البلديات والمحافظات عن الملاحقة في أثناء عملية إعمار الأبنية.

وحذر صوان من أن هذا الأمر يمكن أن يحدث مرة أخرى في الشمال السوري، ولذلك يجب على السلطات المحلية هناك أن تتعاون مع المنظمات والجمعيات المختصة في بناء المخيمات الأسمنتية، وأن تسهل رخص البناء في حال كانت مطابقة للمعايير التنظيمية والهندسية.

“العقد شريعة المتعاقدين”

لا تطبق أعمال بيع وشراء أو استئجار الأراضي في المناطق الحدودية شمالي سوريا لبناء المخيمات الأسمنتية تحت مظلة سلطات تتمتع بشرعية قانونية معترف بها دوليًا، إنما بوجود سلطات محلية نتيجة الأمر الواقع هناك، وبالتالي فإن أي عقد مبرم بين طرفين لإحداث أثر قانوني على مساحة قطعة أرض يكون وفقًا لقاعدة “العقد شريعة المتعاقدين”.

ومآل المخيمات المبنية بكتل أسمنتية في الشمال يرتبط بماهية العلاقة التعاقدية بين مالك الأرض والجهة التي أقامت المخيمات، ومدى قانونيتها، بحسب ما ذكره المحامي السوري أحمد صوان لعنب بلدي.

ويجب أن تُوثق العقود في السجل العقاري، بموجب القاعدة القانونية العامة التي تنص على أن الحقوق العينية تنتقل ملكيتها بالتسجيل في السجل العقاري كون محل العقد (موضوعه) هو العقار في هذه الحالات، وفقًا لما قاله المحامي صوان.

وتقع على عاتق سلطات “الأمر الواقع” مسؤولية الإشراف على السجل العقاري، وتنظيم حفظ نقل الملكيات من خلاله.

ولكن يستطيع أطراف عقود بيع وشراء الأراضي الحصول على قرار حكم قضائي بذلك، لضمان حقوقهم والتزاماتهم المتبادلة المتفق عليها، أو أن يثبتوا واقعة البيع والشراء بموجب وكالة موثقة لدى كاتب العدل، بحسب ما أوصى به صوان.

وتكمن المشكلة في مثل هذه الوقائع، بأن عملية توثيق نقل الملكيات في السجل العقاري أو في المحاكم تحصل تحت إشراف سلطات غير شرعية قانونًا، وهناك احتمال وارد بألا يكون لهذه الوقائع المادية حجية الإثبات في المستقبل كي تضفي عليها الصفة القانونية.

ووفقًا لصوان، فإن مصير نقل ملكية عقارية بناء على عقود وتسجيلات تتم في مناطق خاضعة لسلطات أمر واقع يُترك لإرادة الجهات الحكومية عند أي تسوية سياسية يمكن أن تحصل في المستقبل.

وهناك آلاف الحالات الصعبة المماثلة ما زالت معلّقة في محافظة درعا جنوبي سوريا، بعد سيطرة قوات النظام السوري عليها في 2018، ولم يُبت بها بين النظام وأصحاب الحقوق وبين الضامن الروسي، إذ إن “المسألة معقّدة جدًا”، وفق ما عبر عنه صوان.

اكتمال المرحلة الأولى من مشروع “قرية السلام” الذي تشرف عليه منظمة “İHH” بمنطقة الزوف، بريف إدلب الغربي-22 من أيلول 2020 (İHH)

مهما طال الزمن.. الملكيات الموثقة ستعود لأصحابها

إذا باع المالك أرضه لجهة كي تبني على قطعة الأرض مخيمات أسمنتية، تصبح قطعة الأرض ملكًا خالصًا للجهة المشترية، وتتصرف بها في المستقبل كما تريد، وفقًا للمحامي صوان، أما إذا كان المالك قد أجّر أرضه لمدة طويلة فإنه يسترد أرضه في نهاية مدة العقد، كما سلّمها بالبداية خالية من الشواغل والشاغلين.

“من يستولي على قطعة أرض لا يحق له أن يؤجرها لأنه ليس مالكًا لها، وعقد الإيجار باطل”، وفقًا لما رآه صوان، والمالك في هذه الحالة، سواء كان شخصًا طبيعيًا أم شخصية اعتبارية، يستطيع استرداد ملكيته مهما طال الزمن، لأن الملكية المسجلة بالسجل العقاري تحت سلطة شرعية قانونيًا، لا تنتقل للغير مهما امتد الزمن على تسجيلها، ولو تغيرت السلطة السياسية في تلك المناطق.

والمخيمات المبنية على أملاك الدولة في الشمال السوري، ستعود بعد إزالة المخيمات إلى الجهة الحكومية التي تملكها، وللجهة الحكومية أو البلدية حق المطالبة بأجور المثل عن سنوات الإشغال من الجهة التي كانت تبني على تلك الأراضي، وفقًا لما قاله صوان.

شروط تملّك الأجانب لأراضٍ سورية

إذا رغب الشخص ببيع قطعة أرض يملكها لإحدى المنظمات الأجنبية لتخصيصها من أجل بناء مخيمات أسمنتية، فالقوانين السورية تسمح بتملّك الأجنبي للعقارات داخل الأراضي السورية وفق شروط محددة.

وسمح القانون رقم “11” لعام 2011، بتملّك غير السوريين للعقارات في سوريا، سواء كان الشخص طبيعيًا أم اعتباريًا، بموجب المادة الأولى، التي نصت على أنه “يحق لمجلس الوزراء إعطاء الاستثناءات من أحكام القانون بأن يمنح حق التملّك لغير السوري”، أي لا يجوز للمالك أن يبيع عقاره لأي جهة أجنبية دون الحصول على الموافقة من مجلس الوزراء، وفق ما شرحه المحامي صوان.

وفي حال كان هناك أي عقود مبرمة بين منظمات أجنبية لتبني المخيمات الأسمنتية وبين أصحاب بعض الأراضي، بحسب صوان، فإن هذا البيع مشروط بالحصول على الموافقة من مجلس الوزراء، ولا يمكن نقل الملكية دون وجود هذه الموافقة، فإن سجلتها تصبح المنظمة الأجنبية مالكة للأرض وإلا فتبقى هذه الأراضي تُستخدم كمخيمات طالما بقيت الحاجة إليها، فإن زالت المخيمات يبطل البيع وتعود الأرض لمالكها بعد أن يعيد الثمن الذي كان قد قبضه.

وفي المناطق الحدودية يخضع تملّك واستئجار الأجانب لشرط مسافة الابتعاد عن الحدود، التي تُحدد بقرار يصدر عن وزير الدفاع، ويبت في طلبات الترخيص المشترطة بموجب قانون تملّك الأجانب خلال 60 يومًا من وصول الطلب إلى الوزارة المعنية، ويعتبر القرار بعدم الموافقة على الترخيص قطعيًا لا يقبل طريقًا من طرق الطعن أو المراجعة.

مشاكل هندسية تنجم عن بناء المخيمات بشكل عشوائي

تنتشر كثير من مخيمات النازحين في مناطق شمال غربي سوريا بشكل عشوائي، بعضها عبارة عن خيام تفرش بأرضيات أسمنتية، وبعضها الآخر عبارة عن كتل أسمنتية جاهزة، أو غرف مبنية ذات أساسات.

ممثل نقابة المهندسين فرع حلب في “نقابة المهندسين السوريين الأحرار المركزية”، يحيى نعنان، قال لعنب بلدي إن البناء العشوائي للمخيمات يخرب النسيج العمراني للمدن ويشوه منظرها العام.

كما أنه “بؤرة خطيرة” على الصعد العمرانية والإنشائية والاقتصادية والاجتماعية، يصعب على السلطات السيطرة عليها، ولا يمكن معالجتها إلا بالهدم من خلال قوانين تضمن حق المالك والحق العام.

وأضاف المهندس أن المخيمات العشوائيات تربك السلطات كثيرًا من ناحية تقديم الخدمات والبنية التحتية، التي تبنى أساسًا “على الفوضى”، إذ تتم الخدمات تباعًا وبأساليب مختلفة، منها العمل الشعبي.

ويؤثر إهمال المجالس المحلية، وانعدام الرؤية وعدم اعتمادها على الكفاءات العلمية القادرة على تقديم مخططات توجيهية للبناء، على ضمان تسهيل تقديم الخدمات من مياه وصرف صحي وكهرباء وغيرها.

وذلك لأن المخيمات تبنى الآن “بشكل سلس وطبيعي” تحت أعين المجالس المحلية المسؤولة بشكل مباشر عنها، وتتم دون وجود أي من المعايير السليمة للبناء من الناحية المعمارية والإنشائية والصحية.

أما المخيمات النظامية هندسيًا أو المخيمات المنظمة، فتُشيّد بعد دراسة مخطط طبوغرافي ينشأ عنه مخطط تنظيمي، يراعي المعايير الهندسية من ناحية المساحات المبنية والخضراء والخدمات وطبيعة الأرض وميولها وأماكن المصب الرئيس للصرف الصحي وعدم الإضرار بالأراضي الزراعية، التي يشكل الإضرار بها الآن تهديدًا للأمن الغذائي في المنطقة الشمالية.

وأشار المهندس إلى أن البناء على الأرض الزراعية مكلف جدًا من الناحية الاقتصادية، لاستبدال التربة للتأسيس، وصرف مبالغ كبيرة تشكل في بعض الأحيان ربع تكلفة المتر المربع للبناء، ويتم ذلك بشكل عشوائي، دون دراسة إنشائية سليمة وتنفيذ صحيح، ما قد يسبب بتصدع المبنى وتهديده السلامة العامة.

كما أن البناء يلتهم الأراضي الزراعية، وخاصة سهول حلب وإدلب الشمالية، التي تعتبر من أخصب الأراضي الزراعية، وهو ما يشكل تهديدًا للأمن الغذائي.

ونصح المهندس بالبناء على الأراضي الجبلية والحرجية غير الصالحة للزراعة، التي يمكن إنشاء مدن عليها تستوعب جميع المخيمات العشوائية وبتكاليف قليلة.

كما نصح المجالس المحلية بالاعتماد على المهندسين المتخصصين وتمكينهم، وهذا كفيل بنقل هذه المخيمات إلى مدن منظمة منتجة، بحسب رأيه.

مشروع “ألف غرفة” لتأمين مأوى لألف عائلة نازحة من ادلب (فريق ملهم التطوعي)

English version of the article

مقالات متعلقة