إجراءات على الحكومة السورية اتخاذها قبل دعوة اللاجئين للعودة

ع ع ع

جلال الحمد

تكاد حكومة دمشق لا تفوّت فرصة محلية أو إقليمية أو دولية، تنظّمها أو يتسنّى لها المشاركة فيها، لإثارة قضيّة اللاجئين السوريين، ساعية لطرح نفسها طرفًا وشريكًا قادرًا على الانخراط في إيجاد حلول لأزمة اللجوء على المستوى العالمي، خاصة في ظل تزايد أعداد اللاجئين، وتصاعد الخطابات الرافضة لاستقبال المزيد منهم في عديد البلدان منها دول في الاتحاد الأوربي، وفي كل مرّة تطرح حكومات ووكالات دولية ومنظمات مجتمع مدني على حكومة النظام السوري سؤالين: الأول حول العودة الطوعية والآمنة، والثاني حول ممتلكات اللاجئين التي تشكّل إعادتها لهم خطوة أساسيّة لتسهيل عودتهم الآمنة.

تتجاهل السلطات السورية تمامًا تقديم أجوبة كافية، وتجترّ روايتها القائمة على أن المسبب الوحيد لاضطرار ملايين السوريين للجوء والنزوح هي “المجموعات الإرهابيّة المسلّحة”، رافضة الاعتراف بأي مسؤوليّة نهائيًا حتى لكونها حكومة البلاد المعترف بها المسؤولة عن حياة وأمن المواطنين، مؤكدة على الاستمرار في نهجها العسكري والأمني، ورفض العقوبات، وتجاهل القرارات الدوليّة، خاصة قرار مجلس الأمن “2254 في حديثها عن الحل السياسي، غير آبهة بالدعوات الدولية خلال السنوات العشر الماضية، التي لم تتّخذ خلالها أي خطوات تشريعية أو إدارية أو قضائية جدية للتعامل بموضوعية مع حقوق اللاجئين والنازحين، خاصة ما يتعلق بعودتهم الآمنة والطوعية واسترداد ممتلكاتهم، واضعة اللاجئين أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا العودة وفق شروطها وتحمل جميع التبعات، وإما البقاء بعيدًا وخسارة كل شيء. 

هذا السلوك أعاد تأكيده مؤتمر “عودة اللاجئين السوريين” الذي عُقد بدمشق في 11 و12 من تشرين الثاني الماضي، وما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) من مطالبات وفد النظام السوري من اللجنة الدستورية باعتماد موضوع عودة اللاجئين “كمبدأ وطني جامع”.

في البيان الختامي لمؤتمر “عودة اللاجئين السوريين” الذي تلاه معاون وزير الخارجية والمغتربين، أيمن سوسان، دعا إلى إعادة الإعمار، وقدم حكومته كشريك راعٍ لهذه الجهود، مؤكدًا على ضرورة دعمها دون أن يُقدّم أي جملة حول الانتهاكات المرتكبة بخصوص أملاك السوريين اللاجئين والنازحين، التي تتطلب على أقل تقدير إبطال ما تم سنّه من تشريعات وقوانين تتيح الاستيلاء على أملاكهم، وإقرار إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية شفافة ومستقلة كافية لإعادتها لهم أو تعويضهم عنها في حال تعذرت إعادتها.

لم يكترث المؤتمر والمشاركون فيه والمرحبون ببيانه الختامي بأن حالات النزوح واللجوء الجماعي للسوريين مستمرة لأسباب اقتصادية وأمنية، وأن الإجراءات الرسمية وغير الرسمية في الاستيلاء على ممتلكاتهم متواصلة دون توقف، وهي ترفض الاعتراف بحق استرداد الملكيات كحقّ مستقلّ بذاته لا تنتقص منه عودة اللاجئين والمشردين من عدمها.

شدّدت مبادئ “بنهيرو حول رد المساكن والممتلكات في سياق عودة اللاجئين والمشردين داخليًا على أن الحق في استرداد الملكية، هو حقّ مستقل بذاته، ولا يجب ربطه بعودة اللاجئين أو المشردين داخليًا، التي يجب أن تكون آمنة وطوعيّة وبناء على قرار حرّ وفردي، وأن من حقّهم استعادة ممتلكاتهم العقارية أو الحصول على تعويض عادل، وقيّدت ذلك بصعوبة استرداد الملكيّة عمليًا، وأن يكون ذلك عن طريق محكمة مستقلّة، كما حظرت الإخلاء القسري، ومصادرة الأراضي والاستيلاء عليها تعسفًا، وأوجبت على الدول اتّخاذ كل الإجراءات الضرورية على مختلف المستويات التشريعية والإدارية والقضائيّة لتسهيل رد الممتلكات، ورغم منح المبادئ للدول استعمال الممتلكات للمصلحة العامة، أوجبت أن يقتصر معنى ذلك على التدخل في حدود ضيّقة ومؤقتة.

حكومة النظام السوري مطالبة في كل وقت، وهذا ما يجب أن تعمل عليه الأطراف الفاعلة كافة بالشأن السوري ومنظمات المجتمع المدني، بإلغاء جميع القوانين والتشريعات المنتهكة لحق الملكية وإبطال آثارها، وتأمين عودة اللاجئين والنازحين بشكل طوعي وآمن، ومنح الضمانات اللازمة لسلامة حياتهم وممتلكاتهم، وعليها أن تسهّل استرداد أصحاب الملك ملكياتهم سواء كانوا نازحين أو لاجئين، وبغض النظر عن قرارهم بالعودة، الذي لا بد من التأكيد على أن يكون حرًا وفرديًا وطوعيًا، وهذا الأخير لا بد من التقيّد به ليس من حكومة النظام السوري فحسب، بل أيضًا من قبل بلدان اللجوء. 

إن تعهدات النظام السوري بالعودة الآمنة وحماية حقوق اللاجئين والنازحين لا بد أن تنعكس على شكل آليات وإجراءات عادلة وشفّافة، دون أي تمييز على أساس العرق أو الجنس أو الرأي السياسي، وأن تخصّص مؤسسات لرد الممتلكات لأصحابها. وعلى الوكالات الدولية أن تساعد في ذلك، خاصة في ظل أزمة الثقة بين أطراف الصراع السوري، وذلك بدعم محاكم متنقلة، كما أنه من الضروري إتاحة طلبات الاسترداد عن طريق البريد، ووقف العرقلة الأمنية لمحاولات الاسترداد، وأن يمنح طالبو الاسترداد الوقت الكافي لإيصال مطالبهم، وأن تتساعد مؤسسات الدولة السورية في تأمين الوثائق المفقودة نتيجة الحرب.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة