ع ع ع

علي درويش | نينار خليفة | صالح ملص | نور الدين رمضان

بدأت المناطق الخاضعة لسيطرة “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا تدخل بتعقيدات، مع ضغط تركي تصاعد مؤخرًا ضدها، ووجود محاولات دولية لمنع عملية عسكرية جديدة لتركيا شرق الفرات.

وتكمن المشكلة الأساسية في التصعيد التركي وما يقابله من تأييد في إقليم كردستان العراق، بوجود حزب “العمال الكردستاني” (PKK) شرق الفرات، وتحكّمه بمفاصل عمل “الإدارة الذاتية” وجناحيها العسكري “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والسياسي “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، علمًا أن “وحدات حماية الشعب” (الكردية) الجناح العسكري لـ”الاتحاد الديمقراطي الكردستاني” عماد “قسد”.

وتعود هيكلية “الإدارة الذاتية” لما أفرزه إعلان حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردستاني”، في 21 من كانون الثاني 2013، بتشكيلها، إذ أُسس “الاتحاد الديمقراطي” كفرع لحزب “العمال الكردستاني” في سوريا عام 2003، ويدعو إلى الحكم الذاتي الديمقراطي.

ويصنف حزب “العمال الكردستاني” على قوائم الإرهاب في تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيران وأستراليا وعدد من الدول العربية.

تبحث عنب بلدي في هذا الملف، الخيارات أمام “الإدارة الذاتية”، وبشكل خاص جناحها العسكري “قسد”، في التعامل مع “العمال الكردستاني” وسط ضغط من الدول المجاورة، والتطورات العسكرية في عين عيسى شمالي الرقة، و دور الأطراف الدولية الفاعلة في رسم مستقبل شمال شرقي سوريا، وأثر سياسة “قسد” على العشائر في المنطقة.

ارتباط عضوي بين “العمال الكردستاني” و”الاتحاد الديمقراطي”

خيارات وعواقب لفك الارتباط

تجمع “العمال الكردستاني” و”الاتحاد الديمقراطي” علاقة معقدة جدًا، وأكبر من الصورة المبسطة التي تحاول أن تخرج للإعلام، فالعلاقة إدارية تنظيمية بين الطرفين، وليست قائمة فقط على المصلحة أو بسبب الوجود على جغرافيا واحدة.

ولذلك، فإن عملية إجراء فك ارتباط بين الطرفين لن يكون بالأمر السهل، حتى إن حاولا إظهار ذلك على العلن، وأنهما فكا الارتباط نتيجة الضغوط الأمريكية التي تُمارس عليهما، حسب حديث الباحث في مركز “الشرق للدراسات” سعد الشارع، إلى عنب بلدي.

واستبعد الباحث سعد الشارع أن يكون فك الارتباط من الناحية العملية منطقيًا، معللًا ذلك بأن من يقود “تقريبًا” منطقة شرق الفرات هم من يسمون بـ”الكادرو” أي كوادر حزب “العمال الكردستاني”.

ووصل “الكادرو” إلى المنطقة من جبال قنديل الواقعة أقصى شمال العراق، وهم المتحكمون الأساسيون في قرار “الاتحاد الديمقراطي” و”الإدارة الذاتية” و”قسد” وحتى قوات “الأسايش” (قوات الأمن الداخلي)، “فلا قرار لأي سوري إذا كان هناك (كادرو) موجود في مؤسسة من مؤسسات الإدارة الذاتية”، قال الباحث.

ونتيجة الضغوط الأمريكية الصريحة في الفترة الأخيرة لإحداث تغيير في المنطقة، تحاول “الإدارة الذاتية” و”قسد” إجراء مناقشات مع حزب “العمال الكردستاني” للوصول إلى فك ارتباط وإخراج الأخير من منطقة شرق الفرات، حسب الباحث سعد الشارع.

ويتمثل ذلك بشكل أساسي بتهديدات “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا بشن هجوم على مدينة عين عيسى.

لكن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، جويل ريبورن، قال خلال مؤتمر صحفي افتراضي حضرته عنب بلدي، في 3 من كانون الأول الحالي، “لم نرَ تصعيدات كبيرة تدل على ترك اتفاق وقف إطلاق النار في شمال شرقي سوريا، أو أنه سيكون هناك تكرار لهجوم تشرين الأول من عام 2019”.

وبحسب سعد الشارع، لا يزال “العمال الكردستاني” يظهر تعنتًا، لأنه يريد ضمانات أكثر لفك الارتباط، ويعتقد أن وجوده في منطقة شرق الفرات هو مكتسب لا يجب أن يضيع نتيجة ضغوط أمريكية أو غيرها.

صورة تضم، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ورئيس حزب “الإرادة الشعبية” قدري جميل، والرئيس المشترك لـ”مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، إلهام أحمد، 31 آب 2020 (صفحة الخارجية الأمريكي في تويتر)

“قسد” أمام خيارات صعبة

في 10 من تشرين الثاني الماضي، أعلن قائد “قسد”، مظلوم عبدي، عن استعداده لإجراء محادثات سلام مع تركيا دون أي شروط مسبقة، مشيرًا إلى أنه قد يفكر في التوسط بين تركيا وحزب “العمال الكردستاني”، بعد حل المشاكل مع تركيا.

وفي حال كان تصريح عبدي مدفوعًا بقناعة ناتجة عما يتسبب به وجود عناصر حزب “العمال الكردستاني”، وبالأخص غير السوريين، للمنطقة من توتر ونقل الحرب بين الحزب وتركيا إلى سوريا، فيمكن له أن يمثل نافذة للتحاور بين تركيا و”قسد” عبر الطرف الأمريكي، وهو ما حدث سابقًا، وربما نقله إلى تحاور مباشر في مرحلة متقدمة، بحسب حديث الخبير في شرق الفرات والشؤون الكردية بدر ملا رشيد، إلى عنب بلدي، في 13 من كانون الأول الحالي.

ويرى سعد الشارع أن “قسد” أمام خيارات صعبة، فقبولها ببقاء “العمال الكردستاني” في مناطق نفوذها يعني أن العمليات العسكرية لن تتوقف، وربما ستستكمل على كامل الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا.

ومن ناحية أخرى، لا تملك “قسد” سلطة كبيرة في أمر كوادر  الحزب (العمال الكردستاني) لإبعاده عن سوريا، وهي مجبرة على الموازنة بين رغبتها بخروجه وبين عدم قدرتها على إخراجه ، وفي نهاية المطاف، ربما تنجح بمساعدة أمريكية، عبر الاستعانة بشخصيات موجودة خارج سوريا بإقناع “العمال الكردستاني” بتخفيف حدة نشاطاته الإعلامية في المنطقة، وإيقاف بعض الشعارات التي تستفز الأتراك وتدفعهم لشن عمليات عسكرية.

وكان عبدي أقر بوجود مقاتلين تابعين لحزب “العمال الكردستاني” في سوريا، في مقابلة أجراها مع منظمة “مجموعة الأزمات الدولية”، منتصف أيلول الماضي.

وتحدث عبدي في المقابلة عن وجود دور لشخصيات غير سورية مدربة من قبل حزب “العمال الكردستاني” في شمال شرقي سوريا بشكل واضح، واضعًا إياها بشكل مباشر في سياق الضرورات الميدانية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وذكر عبدي، في مقابلة نشرها تلفزيون “روناهي”، في 4 من كانون الأول الحالي، أن أربعة آلاف مقاتل من “PKK” قُتلوا في سوريا، خلال مشاركتهم في المعارك، مشيرًا إلى أن طلب الدعم من “PKK” أمر طبيعي، ويمكن طلبه مستقبلًا في حال تعرضهم لهجوم من أي قوة.

وأشار سعد الشارع إلى أن انتخابات “الإدارة الذاتية” المقبلة اعتيادية وشبه دورية، تحاول فيها “الإدارة” امتصاص غضب المكونات العربية، معتبرًا أن “الانتخابات لا تؤثر شيئًا في وضع منطقة شرق الفرات، كونها انتخابات داخلية”.

وشهدت مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” مظاهرات في ريف محافظة دير الزور الشرقي خلال الأيام الماضية، رفضًا لقرار فرض التجنيد الإجباري على المعلمين والعاملين في قطاعي الصحة والبلديات.

كما تتكرر المظاهرات الرافضة لسياسات “الإدارة” و”قسد” في المنطقة، في ظل سوء الخدمات وتردي الوضع المعيشي.

آليات عسكرية روسية في قافلة من بلدة تل تمر إلى مطار القامشلي شمال شرقي سوريا- 9 من آذار 2020 (فرانس برس)

أيديولوجيا جديدة في “العمال الكردستاني”

يعتقد الباحث في مركز “جسور للدراسات” عبد الوهاب عاصي، في حديثه إلى عنب بلدي، أنّ حزب “العمال الكردستاني” تعرّض لانقسام جديد في صفوفه، إذ نشأ تيار ضمن “الاتحاد الديمقراطي” وأجهزته، يحمل توجهات محلية سورية فرضتها ظروف النزاع، يدعو إلى الحفاظ على امتيازات القوة والثروة بعيدًا عن احتكار كوادر “العمال الكردستاني” لها على مدار سنوات.

وأضاف الباحث أن التعاون الميداني الذي نشأ بين “قسد” والولايات المتحدة الأمريكية فرض تغييرًا قسريًا على الأيديولوجيا التي تتبناها قيادة “الاتحاد الديمقراطي”، وكانت تقوم على النموذج الاشتراكي الشيوعي، بينما صار الخطاب أكثر مرونة، والسلوك يستجيب إلى النموذج الديمقراطي والرأسمالي للحفاظ على البقاء.

وقد يبدو عسيرًا حصول خلاف عميق بين “قسد” و”العمال الكردستاني” في المدى المنظور، لكن على أقل تقدير “يُمكن الاعتقاد أن الأخير سيضطر خلال العام 2021 للتعامل مع قسد على نحو أكثر استقلالية من ذي قبل، لا سيما في حال نجحت المباحثات الكردية- الكردية أو حققت اختراقًا كبيرًا”، حسب عبد الوهاب عاصي.

ولا تعني العلاقة العضوية بين “العمال الكردستاني” و”الاتحاد الديمقراطي”، عدم حصول خلاف على القرار، لا سيما بعد أن لجأت الولايات المتحدة إلى التعامل مع قادة محليين بدل التواصل مع كوادر الحزب، بحسب الباحث.

كما أن تعامل أمريكا مع القواعد المحلية ليس مؤشرًا كافيًا للقول إن هناك رغبة لدى “الاتحاد الديمقراطي” بتبني سياسات مستقلة على نحو نهائي عن “العمال الكردستاني”، لكن الأخير قد يواجه صعوبة في تقييد صعود القوة المحلية على مراكز صنع القرار في “الإدارة الذاتية”، لا سيما في حال تنفيذ شروط الاتفاق الكردي- الكردي.

عين عيسى..

تطورات ميدانية تستهدف قلب “قسد”

بعد سيطرته على قريتين في مدخل بلدة عين عيسى شمالي الرقة، يجهز “الجيش الوطني” لإطلاق عملية عسكرية تركية.

مقاتل من فصيل “الفيلق الأول” التابع لـ”الجيش الوطني” على جبهات عين عيسى يدعى وسام المنيفي، وصف لعنب بلدي الوضع بـ”الهادئ نوعًا ما”، لافتًا إلى أن الاستعدادات على الأرض مستمرة، إذ جرى توزيع ذخيرة وتجهيزات لوجستية، وتجهيز الأسلحة الثقيلة لأعمال مرتقبة.

وكان “الجيش الوطني” وصل إلى مشارف عين عيسى عام 2019، قبل أن تتوقف العملية العسكرية “نبع السلام” شرق الفرات، باتفاق روسي- تركي قضى بتسيير دوريات مشتركة، ووقف إطلاق النار، وانسحاب “قسد” من الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، إلا أن كامل الشروط لم تنفذ بعد، ما دفع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى إطلاق تهديدات متقطعة خلال الأشهر الأخيرة.

وتتمركز من الجهة الشرقية لعين عيسى قوات روسية في قاعدة مستقلة، بينما تتوزع قوات للنظام السوري على طول خطوط التماس مع “الجيش الوطني”، وما زال معظم أهالي عين عيسى فيها، وأخرج بعضهم أهم الحاجيات تحسبًا لتعرض البلدة لعمل عسكري.

وقال المحلل السياسي العقيد فايز الأسمر، في حديث إلى عنب بلدي، إن مناطق عين عيسى وشرق الفرات، وخاصة قرب طريق “M4″، هي ساحة صراع ساخنة ومضطربة بين أصحاب النفوذ، وكل يسعى لزيادة سيطرته فيها على حساب “قسد”.

ويرى العقيد أن البلدة أصبحت ساحة مساومة، تستخدم فيها روسيا التهديدات التركية “بعبعًا” ضد “قسد” لكسب البلدة لمصلحة النظام، لتلقى مصير مدينة عفرين التي سيطر عليها “الجيش الوطني” بدعم تركي في 2018.

وظهرت خلال الأشهر الماضية مؤشرات على عملية عسكرية ضد “قسد” في عين عيسى، أولها توعد الرئيس التركي بمواصلة العمليات العسكرية في سوريا إذا لم تحصل تركيا على الوعود المقدمة لها، وقال، في 3 من تشرين الأول الماضي، “سنذهب بأنفسنا لتطهير أوكار الإرهاب بسوريا إن لم يتم الوفاء بالوعود المقدمة لنا”.

أما الثاني فكان عبر تعليق “قسد” على القصف، إذ قالت إن “الجيش الوطني” وتركيا كثفا قصفهما على عين عيسى، وإن “الجيش الوطني” يجهز قواعد بالقرب من الطريق الدولي “M4” وسط استعداداته لشن هجمات.

مؤشر آخر جاء في تصريحات قيادي لعنب بلدي، تحفظ على ذكر اسمه، بأن القصف الحالي هو تمهيد لعملية عسكرية تشمل عين عيسى ومناطق على طريق “M4” الدولي، وأن عملية مماثلة قد تكون في مدينة عين العرب (كوباني).

ويستغل أيضًا تنظيم “الدولة الإسلامية” شرق الفرات الظروف لتقوية نفسه، إذ وصلت عملياته إلى شمالي دير الزور، بعد أن كانت تقتصر على عمليات متقطعة في البادية السورية، معظمها في ريف دير الزور الشرقي.

وأوضح العقيد فايز الأسمر، أن التنظيم يغير أسلوب عملياته، ويعتمد على تكتيك الاستنزافات الشبه اليومية لخصومه، ويتكيّف مع طرق قتال يجيدها تمامًا، وهي حرب العصابات والإغارات السريعة والخاطفة الليلية والنهارية والكمائن الناجحة على طرق الإمداد، وأعمال التفخيخ بمجموعات صغيرة تقتل وتأسر وتغتنم وتنسحب قبل أن تقع تحت ضربات الطيران إن كان الروسي أو طيران التحالف الدولي.

وبحسب الأسمر، فإن هذا التكتيك “يؤرق أعتى الجيوش، لأنه يقاتل أشباحًا تظهر وتضرب وتختفي ولا مكان معيّنًا لها”.

خريطة توضح موقع عين عيسى على طريق “m4 “والجهات المسيطرة شمالي سوريا

عين عيسى عقدة المواصلات الأهم شرق الفرات

تخضع عين عيسى لسيطرة “قسد”، وتبعد نحو 55 كيلومترًا عن مدينة الرقة، وتتبع إداريًا لمحافظة الرقة، منطقة تل أبيض، ومركزها بلدة عين عيسى، وتمتلك عقدة مواصلات مهمة، تربط بين محافظتي حلب والحسكة عبر الطريق الدولي “M4” الذي يمر من منتصفها، كما أنها تتميز بطرق محلية تربطها بمدينة تل أبيض على الحدود التركية، ومدينة الرقة.

سيطرت عليها “قسد” بدعم من التحالف الدولي، منتصف 2015، بعد معارك ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي حاول عدة مرات إعادتها إلى سيطرته لكنه فشل.

أسست فيها القوات الأمريكية، التي تقود التحالف، قاعدة عسكرية مطلع عام 2016، ما جعلها تتحول إلى منطقة استراتيجية، دفعت “الإدارة الذاتية” إلى تأسيس عدد كبير من المؤسسات والمجالس التابعة لها فيها، ثم انسحبت منها القوات الأمريكية، ما دفع بالروس وقوات النظام لتغطية الفراغ فيها.

تحوّلت عين عيسى إلى شبه عاصمة لـ”الإدارة الذاتية” في الشمال بإيعاز أمريكي، حسب حديث سابق لصحفي يعمل ضمن وسائل الإعلام المحلية إلى عنب بلدي، مشيرًا إلى أنها كانت مهملة والخدمات فيها سيئة قبل إنشاء القاعدة الأمريكية.

وأكد الصحفي أن عين عيسى شهدت الكثير من الاجتماعات المهمة بين مسؤولي “الإدارة الذاتية” ومسؤولين في التحالف الدولي، إضافة إلى مسؤولين غربيين.

وتشهد البلدة اجتماعات دورية لمؤسسات “الإدارة الذاتية”، مثل “هيئة الداخلية” و”هيئة الصحة” و”مجلس المرأة” و”المجالس التنفيذية”، وجميع هذه المؤسسات تعقد كل شهر تقريبًا اجتماعاتها الدورية في عين عيسى.

وتريد “قسد” الاحتفاظ بالبلدة للربط بين مناطق سيطرتها، حيث تقع على امتداد شبكة طرق مهمة، وتمتلك عقدة المواصلات التي تربط مناطق عين العرب وتل أبيض وصولًا إلى الجنوب في منبج، حسب حديث سابق للناطق باسم “الجيش الوطني”، يوسف حمود، إلى عنب بلدي.

وسمحت “قسد” لقوات النظام وروسيا بالدخول إلى المنطقة على خلفية العملية العسكرية “نبع السلام” التي أُطلقت في 9 من تشرين الثاني 2019.

وتتقاسم “قسد” وقوات النظام السوري في عين عيسى (55 كيلومترًا شمالي الرقة) نقاط التماس الأولى مقابل “الجيش الوطني”، بينما تنتشر القوات الروسية في الخطوط الخلفية.

الأطراف الدولية ترسم مستقبل شمال شرقي سوريا

تشهد مناطق شمال شرقي سوريا تحولات وضغوطًا خارجية إضافة إلى التحولات والضغوط الداخلية، وتجاذبات سياسية إقليمية ودولية، ترخي بظلالها على المشهد المعقد، لتزيد من إشارات الاستفهام حول مستقبل المنطقة، ولمن ستكون الغلبة فيها، وسط تباين المصالح بين الدول الفاعلة، والمتمثلة بشكل خاص بالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وتركيا وكردستان العراق، فكل يغني على ليلاه، ولكل حساباته الاستراتيجية التي تدفع به للسعي نحو دفع الأوضاع في سياق يخدم مصالحه، بالوسائل الدبلوماسية حينًا وبالضغط العسكري أحيانًا أخرى.

وصار التنافس الدولي والإقليمي والمحلي مؤخرًا على المنطقة سيد المشهد، فكيف ستدار التوازنات الحالية، ومن سينجح بتثبيت نفوذه، وما مستقبل خارطة الفاعلين الذي سيسهم في إعادة رسم ملامح المنطقة من جديد، وتحديد معادلاتها السياسية والأمنية؟

مخاوف على الوجود ومطامع اقتصادية

يرى الباحث والأكاديمي السوري الدكتور عبد القادر نعناع، أن منطقة شرقي سوريا هي واحدة من أكثر المناطق إشكالية في المشهد السوري، حيث تتنوّع مصالح الفاعلين المُتدخّلين وتتناقض.

وتبدو تركيا الأكثر قلقًا تجاه المنطقة، وتراقبها بحذر خشية نجاح النزعة الانفصالية الكردية المدعومة من قوى خارجية (الولايات المتحدة وبعض دول الخليج)، وفق ما أشار إليه نعناع في حديثه إلى عنب بلدي.

فالقوى الكردية التي تدير المنطقة هي امتداد لـ”العمل الكردستاني” من جهة، كما أنها تشكل جوارًا لامتداد كردي في تركيا ذي نزعة انفصالية خامدة حاليًا، وهو الأمر الذي يجعل من المنطقة “منطقة أولية أمنية عليا” بالنسبة للحكومة التركية التي تسعى لتكون حاضرة في رسم مستقبلها، عبر تفاهمات مبنية على تبادل المصالح مع القوى الأخرى، حرصًا على منع وقوع سيناريو انفصالي.

وفي المقابل، يمكن القول إن هناك تيارين رئيسين في كردستان العراق، أحدهما يمثل الصقور، الذين يشتغلون على توفير دعم لانفصاليي شرقي سوريا، أو تشكيل كيان حكم ذاتي على الأقل شبيه بتجربة كردستان العراق، لكن يوازنه تيار أكثر اعتدالًا يخشى من نتائج سلبية لتمدد “العمال الكردستاني”، ويسعى لبناء تسويات تحفظ للأقلية الكردية حقوقها دون الدفع نحو الانفصال.

أمّا المحور الآخر المتمثل بروسيا ومعها نظام الأسد وحتى إيران، فتبدو تطلعاته قائمة على عدة ركائز، وفقًا للدكتور نعناع، أولاها محاولة فرض سلطة النظام، الاسمية على الأقل، على أكبر مساحة جغرافية ممكنة من سوريا، لما في ذلك من تثقيل للدور الروسي، وتقديم نموذج من عملها يمكن عرضه على الأنظمة التي تخشى الاضطرابات داخل بلدانها.

كما أن روسيا تأمل في أن يمتدّ نفوذها سواء بشكل مباشر أو عبر النظام إلى تلك المنطقة، بغية تضييق مساحة الوجود الأمريكي، وربما تتطلّع إلى إنهاء دوره وإخراجه نهائيًا من سوريا، فإن استطاعت إزاحة الأمريكيين عنها، ستزداد فرص توسيع استثماراتها النفطية في تلك المنطقة، عدا عن أنها تحاول استخدام المخاوف التركية التي تحدثنا عنها أعلاه، لإحداث مصالح متبادلة مع تركيا في مناطق شمال غربي سوريا، فمجمل هذه الركائز تصبّ بتعزيز مكانة روسيا الدولية، وهي أحد أهم أهداف رئيسها الحالي، فلاديمير بوتين.

وعن الدور الأمريكي في المنطقة، يعتبر الدكتور نعناع أن سياسات الولايات المتحدة تجاه سوريا لا تزال حتى الآن سياسات “ترامبية” تسعى لعدم التورط عسكريًا والحفاظ على وجود محدود للغاية، لكنه ذو ثقل استراتيجي، على مفترق الطرق في قلب المنطقة، بما يقطع على تنظيم “الدولة” وإيران وتركيا وروسيا الامتداد في تلك المناطق، ويشكل امتدادًا للوجود الأمريكي وسط وغرب العراق، عدا عن المنافع النفطية، ومنع القوى الأخرى من إحداث تسويات عبر تلك المنطقة لا تتوافق مع المصالح الأمريكية، وبالتالي الحفاظ على الوضع الراهن إلى حين تبلور مشروع أمريكي جديد تجاه المنطقة.

وإلى جانب القوى السابقة، تضم خارطة المصالح فاعلين غير مباشرين، “فالمنطقة هي أيضًا منطقة نفوذ سعودي- إماراتي ناعم، عبر العلاقات السياسية والمالية مع (قسد)، فهذان الطرفان يأملان في تعزيز النزعة الانفصالية لدى (قسد) بهدف تشكيل تهديد أمني لتركيا، يُقلّص من حضورها في المنطقة العربية، ويدفعها للانشغال أمنيًا”، ويرى الدكتور نعناع أنه ورغم أنهما لم تُحرِزا كثير إنجاز فيها، لا تزالان تشتغلان على ذلك، وتموّلان جزءًا من تكاليف الوجود الأمريكي شرقي سوريا.

ويؤكد الكاتب شورش درويش، من جانبه، تخبّط المنطقة وتأرجحها بيد قوى متنازعة، مبرزًا الأهداف التي تضعها الدول الفاعلة على أجندتها ساعية لتنفيذها.

فللولايات المتحدة الأمريكية مصالح تتعدى الإجهاز على تنظيم “الدولة” أو تعقّب خلاياه النائمة، بحسب ما لفت درويش في حديثه إلى عنب بلدي، إذ إن إعلان واشنطن عن وجوب تضييق النفوذ الإيراني يمر بكامل المنطقة الحدودية الشرقية مع العراق، ومن ضمن ذلك شمال شرقي سوريا، إلى جانب ضمان تنفيذ برنامج العقوبات الاقتصادية وقانون “قيصر”، عبر منع النظام السوري من الاستفادة من الموارد الثمينة في مناطق سيطرة “قسد”.

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية واسعة ومشددة (كما وصفتها) على النظام السوري بموجب قانون “قيصر”، في 17 من حزيران الماضي، وينص القانون على تجميد مساعدات إعادة الإعمار، وفرض عقوبات على النظام السوري وشركات متعاونة معه ما لم يحاكم مرتكبو الانتهاكات، كما يستهدف أيضًا كيانات روسية وإيرانية تدعم أو تتعاون مع النظام السوري.

بدورها، تسعى روسيا من خلال السيطرة على الطرق الرئيسة للإمساك بورقة التجارة الداخلية بين شمال شرقي سوريا ومناطق سيطرة النظام السوري، مستفيدة من الحصار المطبق على شرق الفرات، والتوترات الأمنية الحدودية، بينما لا يغيب عن أذهان موسكو أهمية المنطقة من الناحية الاقتصادية.

فالبقاء في سوريا يستوجب تأمين موارد مالية ومصالح اقتصادية لا تتوفّر إلا في الشمال الشرقي، وإضافة إلى ذلك، هناك دور روسي يعتمد على تحريض تركيا وإفساح المجال لها للاشتباك مع “قسد”، الأمر الذي يربكها والولايات المتحدة على حد سواء، ويُدخل المنطقة في حالة عدم استقرار، وفقًا لدرويش.

وعلى الأرض، تبدو تركيا أكثر استعجالًا من بقية الأطراف لبسط المزيد من السيطرة وتوسيع مناطقها، خاصة على طريق التجارة الدولي اللاذقية- حلب (4M)، وعزل مناطق عين العرب وعين عيسى عن محافظة الحسكة، بحسب درويش.

وبالإضافة إلى توجيه ضربات لـ”قسد” في عين عيسى وريف رأس العين الغربي والجنوبي، تسعى تركيا إلى تفكيك “قسد”، وهو الأمر الذي يصطدم بالرؤية الأمريكية التي تريد الحفاظ على قوة “قسد” وتماسكها، “باعتبارها القوة الوحيدة التي تتمتع بمركزية القرار والكفاءة المطلوبة في مكافحة تنظيم (الدولة)”، ويشير درويش إلى أن الحكومة التركية لا تبدو مرتاحة لوصول إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، إلى السلطة، التي لا ترى مبررًا لمنح تركيا كل ما تريده في شمال شرقي سوريا، “والغالب على الظن أن واشنطن ستدعو أنقرة إلى قبول التنازلات المتبادلة مع (قسد) بدل سياسة (كل شيء) التركية”.

عناصر من القوات الخاصة الروسية بجانب أطفال في دير الزور – (Getty Images)

كردستان العراق.. مصالح متصلة بالأمن القومي

أما كردستان العراق فلديها مصالح متصلة بأمنها القومي، إذ إن وجود قوات كردية على الضفة الغربية لنهر “دجلة” في سوريا، يعني إراحة الإقليم من التهديدات التي قد يتسبب بها وصول جماعات أخرى لحكم المنطقة، كما أن مصلحة الإقليم تتجسد بمنع تمدد حليفتها تركيا بمناطق شمال شرقي سوريا، إذ إن من شأن تمدد كهذا أن ينقل خطوط التجارة إلى العراق عبر كردستان العراق (معبر إبراهيم الخليل) إلى سوريا، أي المنطقة التي تطمح تركيا بالسيطرة عليها.

في مقابل ذلك، هناك تصعيد بين حكومة إقليم كردستان العراق وحزب “العمال الكردستاني” من شأنه أن يضعف العلاقة بين أربيل والقامشلي، على اعتبار أن قيادة الإقليم ترى في “الإدارة الذاتية” داعمًا لـ”العمال الكردستاني”، ومع ذلك، هناك رغبة لدى الولايات المتحدة في وقف التوتر الكردي لكي لا يصل بالأمور إلى مرحلة القطيعة واصطفاف أربيل إلى جانب أنقرة، ما سيؤدي إلى استقطاب أكبر.

بدأ الحوار الكردي- الكردي بمبادرة أطلقها قائد “قسد”، مظلوم عبدي، بعد العملية العسكرية للمعارضة السورية المدعومة تركيًا “نبع السلام” شرق الفرات، في تشرين الأول 2019، وإعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قرار انسحاب بلاده من بعض قواعدها في سوريا.

قطبا الحوار الرئيسان هما حزب “الاتحاد الديمقراطي” الذي يشكل نواة “الإدارة الذاتية”، والمدعوم أمريكيًا، و”المجلس الوطني الكردي” المقرب من أنقرة وكردستان العراق، وأعلن الطرفان عبر بيان مشترك، في17 من حزيران الماضي، أن المرحلة الأولى من الحوار، الذي أطلق عليه شعار “وحدة الصف الكردي”، انتهت، وأوضحا أن اتفاقية “دهوك” عام 2014 حول “الحكم والشراكة في الإدارة والحماية والدفاع”، تعد أساسًا لمواصلة الحوار، بهدف الوصول إلى التوقيع على اتفاقية شاملة في المستقبل القريب.

وتأتي هذه الاجتماعات بدفع من أطراف دولية، أبرزها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وسط حذر تركي وترقب من المعارضة والنظام السوري.

ماذا ينتظر المنطقة

يرى الكاتب شورش درويش أن الأمور لن تذهب إلى منحى تصادمي، فالأولوية هي خفض التوترات بمناطق شمال شرقي سوريا، والوصول إلى صيغة أوسع للاتفاق بين موسكو وواشنطن تؤدي إلى إيجاد حل في عموم سوريا، قد تنطلق من هذه المنطقة.

وتبقى المسألة الأساسية لدى واشنطن هي كيفية إقناع أنقرة بالتخلي عن خيار التصعيد ووقف الأعمال القتالية والقبول بحلول أقل حدة، ويعتبر درويش أن من مصلحة تركيا في ظل وصول إدارة بايدن إلى الحكم الإصغاء لنصائح واشنطن، ومن مصلحة موسكو أن تعود إلى سياسة التنسيق التي كانت موجودة بين روسيا وأمريكا في فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، ويتوقع درويش أن ترسم الولايات المتحدة في الفترة المقبلة سياسة علنية على عكس الضبابية التي غلّفت أداء إدارة الرئيس دونالد ترامب في سوريا، وخاصة في مناطق شمال شرقي سوريا، “أما مصالح إقليم كردستان العراق و(قسد) وسكان المنطقة فتأتي بالمرتبة الثانية في سلم اهتمام الدول النافذة”.

الباحث عبد القادر نعناع، يتفق مع درويش في طبيعة التوازنات التي قد تحكم المنطقة، وهو يرى أن مستقبل المنطقة الشرقية يبقى مرهونًا بمستقبل سوريا عمومًا، وبالتسويات المتعثرة بين القوى الرئيسة المتحكمة في المشهد السوري، ويعتبر أن أي تسويات سيتم التوصل إليها، ستحفظ لثلاث قوى حدودًا دنيا من المصالح في سوريا، والمقصود الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، عدا عن تأثير محدود للقوى الخليجية الثلاث في تلك التسويات، السعودية والإمارات وقطر.

العشائر.. بوابة الجهات المتنازعة لفرض النفوذ شرقي سوريا

تكمن أهمية منطقة شرق الفرات في الجانب السوري باتساعها الجغرافي، ولما تحتويه من ثروات نفطية تمنح الجهة المسيطرة عليها قوة تفاوضية في سياق أي حل سياسي نهائي للملف السوري.

وبالتزامن مع تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين والمحليين في المنطقة، فإن هيمنة طرف من تلك الأطراف عليها يعني إقصاء بقية الأطراف وإضعاف أدوارهم في صياغة الحل السياسي.

وفي شرق الفرات لا يمكن الاعتماد فقط على السيطرة العسكرية على المنطقة من أجل إضفاء أي شرعية سياسية للجهة المسيطرة، إذ لا تزال العشائرية تمثل شكلًا مهمًا من هوية المنطقة، ولها شكل مؤثر من أشكال التعبئة الاجتماعية والعسكرية، الأمر الذي تعيه أي جهة سياسية مهما كانت نواياها لفرض قوتها على المنطقة، لذلك تسعى هذه الجهات لكسب المجتمع العشائري إلى صفها.

وخلال السنوات القليلة الماضية، انقسمت العشيرة المتماسكة في السابق بشيخ وزعيم واحد إلى عشيرة توزع ولاء أبنائها بين أكثر من جهة، بحسب المناطق التي يقطنون فيها سواء للنظام السوري أو المعارضة أو “الإدارة الذاتية”، بمعنى أن البنية الهرمية للعشائر كانت غائبة ومشتتة بين عدة أطراف.

مؤتمر عشائر سورية في عين عيسى بريف الرقة - 3 من أيار 2019 (عنب بلدي)

مؤتمر عشائر سورية في عين عيسى بريف الرقة – 3 من أيار 2019 (عنب بلدي)

“قسد” تكرر أسلوب النظام في التعاطي مع العشائر

في آذار 2019، انتهت سيطرة تنظيم “الدولة” على آخر  المدن والقرى السورية في الباغوز شرقي دير الزور، على يد “قسد” بدعم التحالف الدولي.

وبعد شهرين من هذا الإعلان، عقد “مسد” مؤتمرًا للعشائر العربية في منطقة عين عيسى بريف الرقة الشمالي تحت عنوان “العشائر السورية تحمي المجتمع السوري وتصون عقده الاجتماعي“، وحضره مشايخ عشائر من المنطقة الشرقية، والرئيس السابق لحزب “الاتحاد الديمقراطي”، صالح مسلم، إلى جانب مسؤولين في “مسد” على رأسهم إلهام أحمد.

وأكدت العشائر في البيان الختامي أن أحد أهم العوائق والتحديات في إنهاء الصراع والأزمة السورية سببه استبعاد وتغييب قوى الحل الفاعلة وممثلي مشروع الحل النهضوي، المتمثل بجانب كبير منه بـ”الإدارة الذاتية”.

لكن هناك إشكاليات في تعامل “الإدارة الذاتية”مع أبناء العشائر، أبرزها تلك التي تتعلق بتوجه “الإدارة الذاتية” السياسي كنتيجة لهيمنة “الاتحاد الديمقراطي” عليها، وفق ما يراه المحلل السياسي ماجد العلوش، في حديث سابق إلى عنب بلدي، إذ تتعامل “الإدارة الذاتية” مع أبناء المنطقة وفق مرجعياتها الفكرية الخاصة والبعيدة عن ثقافة المنطقة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مكوّن العشائر العربية في المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الإدارة، وبالتالي التشكيك في تمثيلها لهم أو في تعبيرها عن تطلعاتهم.

كما أن “الإدارة الذاتية” لا تختلف في تعاملها مع أبناء العشائر العربية عن تعامل النظام معهم، وفق ما قاله الباحث أنس شواخ، من حيث التهميش والسيطرة الأمنية، وبذلك، فإن هذه الإدارة “وقعت بنفس خطأ النظام في التعامل مع وجهاء وشيوخ عشائر موالين لها ومنتفعين من سيطرتها، عوضًا عن أن تقوم بعملية تنمية شاملة وحقيقية في مناطق هذه العشائر”.

وأكد تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، صدر في 31 من آذار الماضي، ذلك التصور، لأن أغلبية العشائر العربية لديها آراء سلبية مرتبطة بـ”قسد” والمؤسسات المدنية المرتبطة بها.

وبسبب تلك الآراء السلبية، تعمل وزارة الدفاع الأمريكية على تقليص دور “قسد” في المنطقة، وتوجيهها نحو القتال ضد تنظيم “الدولة”، الذي لا يزال يحافظ على “مستوى منخفض” من عملياته داخل المنطقة الشرقية في سوريا، وقدرته على اتخاذ إجراءات دفاعية محدودة من حيث النطاق والمدة وعدد المقاتلين، وفق ما ذكره التقرير.

وتتخوف وزارة الدفاع الأمريكية من تطور التوترات الأمنية وفشل إدارة المنطقة الشرقية بسبب الخلافات الثقافية والقومية، وهي نفس الظروف التي سمحت بظهور تنظيم “”الدولة”، وتكرارها يعطي مجالًا للظهور مجددًا.

كيف تعامل النظام مع العشائر

بحسب ورقة بحثية نشرها مركز “حرمون للدراسات المعاصرة” ضمن مشروع يهدف لتوفير الخرائط القبلية الأكثر شمولًا لمحافظة دير الزور شمال شرقي سوريا، سعى حزب “البعث” في سوريا لتقويض استقلال عشائر البلاد، من خلال تخويفها والتسلل إليها واعتمادها عليه.

واستمرت السياسة العدائية تجاه المجتمع العشائري في سوريا تحت حكم كل من الأسد الأب والابن، وفق الورقة البحثية، وتفاقمت عبر فترات طويلة من الركود الاقتصادي والانهيار الشبه الكامل للاقتصاد الريفي في مناطق شرق الفرات بين عامي 2003 و2010، بسبب الجفاف وسوء استغلال الموارد المائية وسوء إدارة الأراضي الزراعية.

وفي الوقت الذي اندلعت فيه الاحتجاجات المدنية ضد النظام السوري عام 2011، فقد كثير من قادة العشائر مصادر نفوذهم، خصوصًا المال، لمصلحة أفراد من العشائر تدعمهم حكومة النظام، وسمحت سلطات النظام لإيران “بالتبشير في قرى قرب مدينة دير الزور، وخصوصًا في قرى البصيرة وحتلا وجديد بقّارة، لإنشاء حزام اجتماعي- اقتصادي من دير الزور حتى محافظة الرقة”، وفق الورقة البحثية.

هذه السياسة التي تعامل النظام من خلالها مع المجتمع العشائري، أضعفت الأسس الاجتماعية للعشائر، ليصنع زعامات وشيوخ عشائر كسب ولاءهم وتحولوا إلى أدوات وظيفية في خدمة السلطة، بحسب ما قاله المتحدث باسم “مجلس القبائل والعشائر السورية”، مضر الأسعد، لعنب بلدي، ولكن لا يتمتعون بأي تأثير اجتماعي أو سياسي يُذكر.

وبعد 2011، زاد انشقاق ضباط في قوات النظام السوري من أبناء العشائر، ليصبحوا ضمن صفوف المعارضة المسلحة، وفق الأسعد، حتى وإن كان زعماء هذه العشائر موالين للنظام، ما أسهم في زعزعة سلطة قادة العشائر، الأمر الذي كان محلًا لاستغلال تنظيم “الدولة” تلك الانقسامات عسكريًا واجتماعيًا فيما بعد.

وهمشت حكومة النظام بشكل واضح  القبائل والعشائر العربية، محاولة بشكل دائم تفكيكها وإفراغها من قيمها الأصيلة، كي لا تكون عائقًا أو منافسًا لمؤسساته وسيطرته الأمنية والاجتماعية على المنطقة، بحسب ما قاله الباحث السوري في مركز “جسور للدراسات” أنس شواخ، في حديثه إلى عنب بلدي.

كما كان ارتباط النظام بالعشائر العربية مقتصرًا على بعض المنتفعين من وجهاء وشيوخ بعض هذه العشائر ممن يضمن ولاءهم المطلق وتأييدهم له.

سوء معاملة من النظام.. استغلال من تنظيم “الدولة”

بسبب إهمال النظام حل المشاكل الأمنية في مناطق العشائر، سيطر تنظيم “الدولة” على مناطق انتشار العشائر العربية في شمال شرقي سوريا، بحسب ما يراه شواخ، ولكن القوة العسكرية والأمنية الضاربة التي تعامل فيها التنظيم مع أبناء العشائر كان لها الدور الأكبر في تعزيز سيطرته على تلك المناطق.

ومن ضمن اهتمامات تنظيم “الدولة” في منطقة شرق الفرات، أن يُنظر إليه بوصفه قوة قاسية بحكمه، ومنذ عام 2014، استقطب التنظيم بعض أبناء عشائر المنطقة الشرقية في سوريا للقتال ضمن صفوفه، ولكن وجود مقاتلين من هذه العشائر ضمن التنظيم، لا يعني أن العشائر، بوصفها كيانًا، تدعم التنظيم الذي سيطر عليها بشكل تام في عام 2014.

وفي آب 2014، دخل أبناء عشيرة “الشعيطات” في نزاع ضد التنظيم رافضين سيطرته على المنطقة الشرقية، انتهى بمقتل 700 من أبناء العشيرة، وبسيطرة التنظيم على بلدات غرانيج والكشكية وأبو حمام، التي يسكنها أفراد العشيرة شرقي مدينة دير الزور.

English version of the article

مقالات متعلقة