ع ع ع

زينب مصري | صالح ملص | سكينة المهدي

لم يكن الواقع الاقتصادي في سوريا لعام 2020 مغايرًا لما كان عليه في العام الذي سبقه، وعدم تبدل المعطيات الاقتصادية وقرارات سلطات النظام السوري المالية، ينذران بأن ما خلفته السنوات السابقة من أزمات اقتصادية ستثقل كاهل السوريين في العام الجديد.

لا تغيير في سياسات حكومة النظام الاقتصادية والمالية، رغم استمرار وعودها بانفراج الأزمات منذ سنوات، التي “تخدر” بها المواطنين في مناطق سيطرتها.

في هذا الملف، تسرد عنب بلدي أزمات اقتصادية رافقت حياة السوريين المعيشية خلال عام 2020، ولا تزال مستمرة معهم في عامهم الجديد، وتناقش باحثين اقتصاديين احتمالية تفاقم تلك الأزمات في ظل القرارات الاقتصادية والمالية التي يتخذها النظام السوري.

وعود دون إيفاء

لا تحركات تقلص الفجوة بين الدخول والأسعار

مع رفض النظام السوري أي حلول سياسية مقترحة، وعدم التزامه بقرارات الأم المتحدة لإنهاء النزاع في سوريا، ضيّقت العقوبات الأمريكية والأوروبية، خلال السنوات السابقة، الخناق عليه، واستنزفت الاقتصاد الذي يديره.

صاحب العقوبات تفشي جائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) وما خلفته من آثار على الاقتصاد السوري، جراء الإجراءات الوقائية التي اتخذتها حكومة النظام السوري، والتي ما لبثت أن خففتها لإدارة عجلة الاقتصاد من جديد.

لكن ذلك تُرجم في حياة السوريين اليومية غلاء وارتفاعًا في أسعار المواد الأساسية، وصعوبة في تأمينها، وانخفاضًا في قيمة العملة الوطنية، وتدنيًا في قيمة الدخول والأجور والرواتب.

سوق السنجقدار أحد أسواق مدينة دمشق- 5 من كانون الأول 2020 (عدسة شاب دمشقي)

رواتب برسم الزيادة

على الرغم من مرور قرابة شهر على اعتماد الموازنة المالية العامة للعام الحالي، ونحو ثلاثة أشهر على وعود رئيس مجلس الوزراء السوري، حسين عرنوس، واقتراحات وزارة الاقتصاد في حكومة النظام السوري، بزيادة الرواتب والأجور، لم يصدر قرار حكومي بإقرار تلك الزيادة.

وكانت صحيفة “الوطن” المحلية، المقربة من حكومة النظام، قالت، في 13 من كانون الأول 2020، إن لجنة الموازنة والحسابات في مجلس الشعب أوصت، خلال جلسة لمناقشة تقريرها حول مشروع قانون الموازنة، بضرورة العمل على رفع الرواتب والأجور للعاملين في الدولة، خصوصًا أنه وردت في مشروع الموازنة زيادة في بند الرواتب والأجور بما يعادل 45%.

ورصدت الموازنة المالية العامة لسوريا للعام الحالي، التي أقرها مجلس الشعب واعتمدها رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في 23 من كانون الأول 2020، 1018 مليار ليرة سورية للرواتب والأجور والتعويضات، ومبلغ 3500 مليار ليرة سورية للدعم الاجتماعي، و50 مليار ليرة سورية للصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية.

إلا أن ضخامة تلك الأرقام لا تعكس مقدار تلبيتها لاحتياجات المواطنين، إذ إن قيمتها منخفضة وفق سعر صرف الدولار الأمريكي.

و يزيد من اتساع الفجوة بين مستويات الرواتب والأجور والتكاليف المعيشية، اعتماد النظام السوري تحصيل بدل الخدمة العسكرية وفق سعر الصرف في السوق السوداء، والسماح للتجار بالتحرك في إطاره لتسعير منتجاتهم، بينما يعتمد في تقديره لمستويات الرواتب على سعر الصرف الرسمي.

وبحسب تقارير مصرف سوريا المركزي الأسبوعية، يشهد سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي استقرارًا عند حاجز 1200 ليرة للدولار الواحد، بينما يغيب ذلك الاستقرار عن سعر الصرف في السوق السوداء، ويترنح ملامسًا حافة 3000 ليرة للدولار.

زيادة بأثر عكسي

تعد مخصصات الرواتب والأجور من المخصصات الإلزامية للدولة، التي لا يمكن تأخيرها في حال وجود أي صعوبات مالية، وترفع الزيادة من التزامات الدولة المالية على الأمد الطويل، بسبب صعوبة تخفيض الرواتب عند تراجع الإيرادات، وقد تضطر الدولة إلى السحب من احتياطياتها المالية، للتعامل مع الالتزامات المالية المستقبلية.

ويطالب الموظفون بزيادة رواتبهم لردم هوة ارتفاع الأسعار التي زادت بشكل متكرر منذ بداية 2020، لكن الزيادة إن تحققت ستجلب مزيدًا من الزيادة في الأسعار، وارتفاعًا غير مسبوق بمعدلات التضخم، وتدهورًا أكبر في قيمة العملة، وانخفاضًا في القدرة الشرائية، في ظل الظروف الراهنة، من شح الموارد وتعطل حركة الإنتاج، والعقوبات الاقتصادية على النظام السوري، وانتشار جائحة فيروس “كورونا”.

كما ستنعكس تلك الزيادة على الشرائح السكانية غير المستفيدة منها، من غير الموظفين وأصحاب الأعمال الحرة، ما يؤثر على عدالة توزيع الدخل، ويسبب خسارة لتلك الشرائح، خاصة لأصحاب الدخول المنخفضة وفئات العاطلين عن العمل.

ويبلغ الحد الأدنى من متوسط الأجور في سوريا 37 ألف ليرة سورية (قرابة 12 دولارًا أمريكيًا)، وفقًا لبيانات موقع “Salaryexplorer“، وتتصدر سوريا قائمة الدول الأكثر فقرًا بالعالم، بنسبة بلغت 90%، بحسب ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، أكجمال ماجتيموفا.

وتكمن الحلول في أن تبذل حكومة النظام جهودًا كبيرة لتغطية الاحتياجات الأساسية للسكان في مناطق سيطرتها، وتنفق على المواطنين ثلاثة أضعاف ما أنفقته في 2010، وتركز على الاحتياجات الفورية لسكانها من خلال البرامج الاجتماعية والإعانات، لمنع حدوث مجاعة، بحسب دراسة أعدها “المعهد الأطلسي”، في كانون الأول 2020، تتحدث عن عمق المشاكل في موازنة حكومة النظام السوري لعام 2021، بالإضافة إلى العمل على تثبيت أسعار المنتجات في السوق أو العمل على تخفيضها عوضًا عن زيادة المرتبات.

امرأة تبيع الخبز في منطقة المهاجرين في العاصمة السورية دمشق- تشرين الثاني 2020 (عدسة شاب دمشقي)

حاصرت السوريين في خبز يومهم

كميات القمح غير كافية في مناطق النظام

خلال الأشهر الماضية، تصدرت صور طوابير المواطنين أمام الأفران في مناطق سيطرة النظام السوري المشهد، للحصول على مادة الخبز، التي عمدت حكومة النظام إلى تحديد عدد الربطات المباعة منها بناء على عدد أفراد العائلة الواحدة.

وكانت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية خصصت ربطتي خبز كل يومين للأشخاص المخصص لهم ربطة واحدة يوميًا، كأحد حلول تخفيف الازدحام على طوابير الخبز، مبررة القرار بأنه في إطار مسعى الوزارة لتخفيف الازدحام على كوات (منافذ) التوزيع.

إذ تعاني مناطق سيطرة النظام السوري من صعوبة في تأمين مادة  الطحين، وكثر الحديث عن أزمة الخبز ودور حكومة النظام بتفاقمها، إلى جانب أزمات الليرة والوقود والنقل.

وبحسب الآلية الجديدة، تحصل العائلة المؤلفة من شخص أو شخصين على ربطة خبز واحدة، والعائلة المؤلفة من ثلاثة أو أربعة أشخاص تحصل على ربطتين، والعائلة المؤلفة من خمسة أو ستة أشخاص تحصل على ثلاث ربطات، ومن سبعة أشخاص وأكثر أربع ربطات، وتحتوي الربطة الواحدة على سبعة أرغفة.

ولا تسمح وزارة التجارة للمخابز ببيع الخبز خارج “البطاقة الذكية”، باستثناء كمية 5% من مبيعات أي مخبز تُخصص للحالات الخاصة التي لا تملك بطاقة بمعدل ربطة واحدة بشكل يومي، ومنها طلاب الجامعات أو الموظفون في محافظات أخرى غير محافظاتهم أو غيرهم، وفقًا لجداول تتضمن الاسم والرقم الوطني ورقم الهاتف.

“ولصعوبة توفير المواد الأساسية للمواطن وتسديد قيمتها وارتفاع تكاليفها، نتيجة العقوبات الغربية على النظام”، طرحت “المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب”  خلال عام 2020 عدة مناقصات لشراء القمح، لتأمين الطحين وصناعة الخبز.

وتؤمّن حكومة النظام القمح  من خلال شرائه من الفلاحين، أو استيراد القمح بعد توقيع عدد من العقود مع روسيا.

وتراجع إنتاج القمح من نحو أربعة ملايين طن إلى أقل من 1.5 مليون طن عام 2019 في عموم سوريا، وتقدر حصة النظام السوري بأقل من 400 ألف طن، والبقية موزعة بين مناطق المعارضة ومناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الحسكة، التي هي خزان الحبوب في البلاد، بحسب تقدير المحلل عدنان عبد الرزاق، في لقاء سابق مع عنب بلدي.

أزمات معيشية تفضح عجز الحكومة

المديرية العامة للمخابز في سوريا ربطت بين أزمة الخبز والطوابير على الأفران الحكومية ورداءة الخبز المقدم عبر الأفران الخاصة، وبرر المدير العام لـ”السورية للمخابز”، مطلع كانون الأول من عام 2020، الازدحام على الأفران العامة برداءة الخبز في المخابز الخاصة، وفق ما نقلته صحيفة “الوطن”.

وتتناقض التصريحات الحكومية مع ما تداوله ناشطون وما قالته الحكومة في بداية عام 2020، عن جودة الخبز المقدم عبر الأفران الحكومية.

وفي حين يؤكد مسؤولو النظام انتهاء المشكلات الاقتصادية التي ترهق المواطنين والسيطرة عليها، نفى الباحث الاقتصادي خالد تركاوي لعنب بلدي، أن يكون التخلص من الأزمات المعيشية من أولويات النظام السوري، بل على العكس تمامًا، إذ يعتقد تركاوي أن النظام يسعى لخلق هذه الأزمات عمدًا.

واعتبر الباحث أن ما يهم حكومة النظام السوري من إدارة اقتصاد البلاد، هو تأمين المستلزمات العسكرية، بالإضافة إلى كون الإدارة “قضية حوكمية”، لإثبات سيطرتها على الاقتصاد وتحكمها بالبلاد حتى مع استمرار الأزمات، لذلك لن تكون معالجة الأزمات المعيشية من أولوياتها، ولا يعتقد تركاوي أنها ستكون كذلك.

تخوفات من عودتها

مؤشرات تنفي رواية النظام بانتهاء أزمتي المحروقات والوقود

“انتهت أزمة البنزين الحالية. بدءًا من اليوم أكثر من أربعة ملايين ليتر بنزين وحوالي ستة ملايين ليتر مازوت لجميع المحافظات”، عنوان عريض لتقرير نشرته صحيفة “الوطن” المحلية، في 17 من كانون الثاني الحالي، تحدثت فيه عن بدء العمل على إنهاء أزمة البنزين التي عادت إلى الواجهة خلال الأيام القليلة الماضية، بعودة اصطفاف طوابير المركبات الآلية أمام محطات الوقود.

لكن صحيفة “الوطن” في تقريرها، نقلت عن مصادر لم تسمها، أن “صعوبات جمة فنية ولوجستية تعانيها وزارة النفط في تأمين المحروقات”، موضحة أن مصافي النفط تحتاج شهريًا إلى ثلاثة ملايين متر مكعب من النفط الخام، في حين أن ما يتم توفيره لا يتجاوز المليون متر مكعب، وأكدت أن ما تم توفيره منذ أيلول 2020 لم يتجاوز ستة  ملايين متر مكعب من النفط الخام فقط.

وما إن تحدثت وزارة النفط السورية، في 14 من كانون الثاني الحالي، عن بدء ضخ كميات إضافية من البنزين والمشتقات النفطية إلى المحافظات، إثر عودة مصفاة “بانياس” إلى العمل بعد وصول شحنات من النفط الخام، حتى رفعت وزارة التجارة الداخلية في حكومة النظام أسعار البنزين المدعوم وغير المدعوم، ليباع ليتر البنزين الممتاز “المدعوم”، بدءًا من 20 من كانون الثاني الحالي،  بـ475 ليرة سورية للمستهلك، والليتر “غير المدعوم” بـ675 ليرة.

“التجارة الداخلية” اعتبرت أن كلًا من وزارتي المالية والنقل وراء زيادة سعر مادة البنزين، وأوضح مدير الأسعار في الوزارة، علي ونوس، أن الزيادة ليست زيادة سعرية، وإنما هي تعديل لقيمة رسم سنوي يفرض على المركبات التي تعمل على مادة البنزين، حيث تم تعديل رسم تجديد الترسيم السنوي للسيارات التي تعمل على البنزين ليصبح 29 ليرة بدلًا من أربع ليرات، كما نصت عليه المادة الخاصة بذلك في المرسوم “75” لعام 2010.

لكن الزيادة جاءت بعد ساعات من انفجار صهريج تابع لـ”الشركة السورية لنقل النفط الخام”، بالقرب من “الشركة السورية لتوزيع الغاز” في محافظة حمص وسط سوريا، خلّف خسائر في سبعة صهاريج نفطية، وسط أزمة محروقات خانقة تعيشها مناطق سيطرة النظام السوري.

مؤشرات تنذر بالاستمرار

تعيش المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري منذ مطلع العام الحالي أزمة محروقات متجددة بعد أزمات مشابهة عاشها المواطنون في تلك المناطق عام 2020، نتيجة عجز النظام عن تأمين الحد الأدنى من المحروقات اللازمة للقطاعات الخدمية والاستهلاك اليومي للسكان.

ورصدت عنب بلدي، في 10 من كانون الثاني الحالي، انتظار السيارات في طوابير تمتد لعدة كيلومترات ولمدة أيام أمام محطات بيع الوقود في مدينة حلب شمالي سوريا، ما أنذر بأزمة محروقات جديدة قد تطال السكان في فصل الشتاء.

ولا تعتبر أزمة المحروقات التي تعاني منها مناطق النظام وليدة العام الحالي، وإنما هي نتيجة تراكم سنوات من العجز في تلبية متطلبات السوق السورية من هذه المادة منذ عام 2011.

ولأزمة المحروقات في سوريا جوانب سياسية، واقتصادية، وعسكرية، ترتفع وتنخفض حدتها بناء على هذه الجوانب.

وفي أول مؤشر على أزمة محروقات جديدة، قالت وزارة النفط والثروة المعدنية في حكومة النظام، إنها خفضت “بشكل مؤقت” كميات مادة البنزين الموزعة على المحافظات بنسبة 17%، وكميات مادة المازوت بنسبة 24%، وذلك “نتيجة تأخر وصول توريدات المشتقات النفطية المتعاقد عليها”، مضيفة أن هذه التخفيضات “ستستمر حتى وصول التوريدات الجديدة”.

وأرجعت الوزارة تخفيض كميات المحروقات إلى العقوبات الاقتصادية الأمريكية بموجب قانون “قيصر”، إلا أن الباحث الاقتصادي في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” محمد العبد الله، يرى في حديث إلى عنب بلدي، أن “عدم امتلاك النظام القدرة المالية التي تمكنه من سداد تكلفة تأمين المحروقات نقدًا” هو السبب المباشر لوقوعه المتكرر في هذه الأزمة.

ويفتقر النظام إلى القدرة على سداد قيمة مادة المحروقات النقدية سواء لإيران أو لشبكاته الداخلية، التي “عملت خلال السنوات الماضية على تأمين هذه المادة بما يضمن استمراريته”، وفق ما قاله العبد الله.

ولذلك، فإن الخناق يشتد على النظام السوري لإيجاد حلول مستدامة للتغلب على هذه الأزمة، بحسب العبد الله، وبالتالي فإن مؤشرات تفاقمها وتعطيل مقومات الحياة الاقتصادية والمعيشية صارت تتجلى بشكل واضح في عموم مناطق سيطرة النظام.

وتعاني حكومة النظام من نقص في مختلف المشتقات النفطية، أبرزها أزمة البنزين، التي عوّل النظام على حلها مع انتهاء أعمال صيانة مصفاة “بانياس” في أيلول عام 2020.

المؤشر الثاني على زيادة في أزمة المحروقات خلال العام الحالي، هو استمرار العقوبات الاقتصادية الغربية على النظام السوري التي أثرت على مخزون المشتقات النفطية طوال سنوات الحرب.

وكان الميزان النفطي لسوريا يميل إلى العجز حتى قبل 2011، رغم ما كان يصدّر من نفط، ثم أتت العقوبات الغربية لتجعل هذا العجز بين مليارين وأربعة مليارات دولار سنويًا رغم انخفاض الاستهلاك بشكل كبير.

كما أن العقوبات الغربية حالت دون استيراد المشتقات النفطية بشكل مباشر، إذ لا يمكن فتح اعتمادات شراء، ولا إجراء تأمين للسفن لنقلها، كنتيجة مباشرة أو ثانوية للعقوبات، وهو ما أدى إلى زيادة التبعية لإيران وروسيا، وبالتالي ازدياد حركة التهريب في شمال شرقي سوريا لسد الاحتياجات الأساسية من المحروقات.

ويعتقد العبد الله أن النظام سيحاول الاعتماد، ما أمكنه ذلك، على تفعيل دور شبكات رجال الأعمال والمستوردين من القطاع الخاص لإبرام عقود استيراد للمنتجات النفطية المكررة في محاولة منه للالتفاف على العقوبات المفروضة عليه.

لكن هذه الإجراءات هي بمثابة حلول مؤقتة تسمح بحل الأزمة لأشهر قليلة، وفق ما يرجحه الباحث الاقتصاي، ولن ينجح النظام بتأمين كميات مناسبة للمحروقات إلا إذا أعادت إيران الخط الائتماني مجددًا في محاولة منها لتدارك سقوط حليفها.

وكانت إيران تورد إلى سوريا ميلوني برميل نفط شهريًا، ووصلت الكمية إلى ثلاثة ملايين برميل يوميًا في بعض الأشهر، لكن في عام 2019، توقف الخط الائتماني الإيراني، وفق اتفاق لم يصرح عن آليته وآجاله وطريقة سداد المليارات المترتبة عليه حتى اليوم، ولم تصل إلى سوريا أي ناقلة نفط من طهران منذ ذلك الوقت.

وما يفاقم هذه الأزمة الحالية، بحسب العبد الله، هو “تراجع نسبة كبيرة من رجال الأعمال المحسوبين على النظام، والتخلي عن مهمة تأمين المشتقات النفطية لمصلحته”.

كما يلعب ازدياد حدة التنافس الإيراني- الروسي في سوريا، الذي بدأ يفرض نفسه بشكل كبير مؤخرًا، دورًا في تفاقم هذه الأزمة خلال تصارع كل من الدولتين على فرض أجنداتها الاقتصادية على النظام والرضوخ لمتطلباتها، وفق العبد الله.

المؤشر الثالث على أزمة المحروقات، هو زيادة استهداف تنظيم “الدولة” صهاريج نفط لشركة “القاطرجي” التي تمد مناطق سيطرة النظام بالنفط الخام.

وقال التنظيم، عبر وكالة “أعماق” التابعة له، في 5 من كانون الثاني الحالي، إن مقاتليه “دمّروا عشرة صهاريج لنقل النفط، وقتلوا وأصابوا عشرة عناصر من ميليشيا موالية للجيش السوري، في كمين نصبوه لهم ببادية حماة”.

وتنقل صهاريج تابعة لرجل الأعمال السوري حسام القاطرجي، النفط من مناطق شمال شرقي سوريا إلى مناطق النظام السوري.

رجل كبير في السن يبيع في أحد أزقة دمشق – 17 تشرين الثاني 2019 (عدسة شاب دمشقي)

هل تجدي نفعًا؟

سياسات اتبعها النظام للتحايل على الأزمات الاقتصادية

تسببت سياسات النظام ونهجه الأمني وإدارته للاقتصاد بخسائر اقتصادية كبيرة على المستوى العام، ما حوّل سوريا إلى بلد مستورد بعد أن كان اقتصادها متنوعًا نسبيًا، وقادرًا على إنتاج احتياجاته الأساسية.

ويعتقد الباحث الاقتصادي خالد تركاوي أن الأعمال العسكرية للنظام، هي السبب الرئيس الذي خرب البنى التحتية بدرجة رئيسة واستهلك موارد البلد.

ووجه النظام موارد الدولة لخدمة الآلة العسكرية محاولًا استعادة المناطق التي خرجت عن سيطرته، ما جعل من النفقات العسكرية المكوّن الأكبر للإنفاق العام على حساب الجانب التنموي، وتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد نزاع.

ويمكن ملاحظة حجم الخسارة التي أُلحقت بقطاع التجارة الداخلية، والتي تعد الأعلى نسبة إلى القطاعات الأخرى بمعدل 20% من الخسارة الإجمالية مع نهاية عام 2019، ويرجع ذلك إلى تشرذم السيطرة على البلاد، وهي إحدى نتائج اقتصاد العنف الذي يظهر في انتشار الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام السوري والفصائل الأخرى، بحسب دراسة أجراها “المركز العربي للأبحاث والدراسات”.

محاولات للاستدراك

شدد النظام السوري الإجراءات الأمنية ضد المتعاملين بغير الليرة السورية، ما أظهر “فلسفته” الأمنية وطريقة تعاطيه مع المشاكل الاقتصادية التي تتعرض لها البلد، إذ وصلت عقوبة المخالفين إلى الاعتقال والسجن سبع سنوات، وفرض مبالغ تصل إلى خمسة ملايين ليرة سورية، بحسب المرسومين “3” و”4″ الصادرين عن رئيس النظام، بشارالأسد.

وكان رئيس النظام السوري أصدر، مطلع العام 2020، المرسوم رقم “3” القاضي بمعاقبة كل من يتعامل بغير الليرة السورية بالسجن مع الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن سبع سنوات، ودفع غرامة مالية، بما يعادل مثلي قيمة المدفوعات أو المبلغ المتعامل به أو المسدد أو الخدمات أو السلع المعروضة، إضافة إلى مصادرة المدفوعات أو المبالغ المتعامل بها أو المعادن الثمينة لمصلحة مصرف سوريا المركزي.

كما أصدر المرسوم رقم “4” القاضي بفرض عقوبة الاعتقال المؤقت، وغرامة مالية تتراح بين مليون وخمسة ملايين ليرة سورية، “لكل من أذاع أو نشر أو أعاد نشر وقائع ملفقة أو مزاعم كاذبة أو وهمية بإحدى الوسائل، لإحداث التدني أو عدم الاستقرار في أوراق النقد الوطنية أو أسعار صرفها المحددة بالنشرات الرسمية، ولزعزعة الثقة في متانة نقد الدولة وسنداتها”.

وتشير قرارات كهذه إلى عجز البنك المركزي عن استخدام أدوات السياسة النقدية، كالتدخل بضخ دولار في الأسواق، ورفع معدل الفائدة، لكبح جماح التضخم وحماية الليرة، لكن على الرغم من هذه الإجراءات المشددة استمرت الليرة بالهبوط، بحسب دراسة أجراها مركز “عمران للدراسات”، في حزيران 2020، حملت عنوان: “الاقتصاد في مناطق النظام (…) سيناريوهات الهبوط خلال 2020”.

ويصب تشديد القبضة الأمنية على شركات الصرافة في مصلحة الحكومة، إذ تقع موارد القطع الأجنبي في يد السلطات المسؤولة، وكانت هذه أولوية النظام باتخاذ تلك القرارات.

أما أسعار المواد الأساسية والسلع فهي مرتبطة بتغير سعر صرف الدولار والتضخم، ولم تكن من أولويات النظام أن يشجع على تأمينها بل حصرها بيده من خلال “المؤسسسة السورية للتجارة”، وهي الجهة الرئيسة لتوزيع السلع، وفقًا لما قاله الباحث خالد تركاوي.

كما حاول النظام الاستنجاد بحليفيه، إيران وروسيا، لمواجهة المشاكل الاقتصادية الطارئة، لكن هذه الدول لديها مصالحها الخاصة وليست “جمعيات خيرية”، بحسب تعبير الباحث، فهي تأخذ من النظام ما ينفع مصالحها، ولم يعد لدى النظام ما يعطيه بعد الآن، لذلك لم يكن لجوء النظام إليها مجديًا كما أراد خلال الفترة الماضية.

ما الحل؟

الاستقرار السياسي هو من الضرورات للتخلص من الأزمات، إلى جانب الاستقرار الأمني، وسيكونان معًا حجر الأساس الأول والعمود لبناء هيكل الاقتصاد السوري مرة أخرى، لدوران العجلة الاقتصادية والتنمية والإنعاش، والحديث عن أي خطوة اقتصادية في مسار تنموي تراكمي.

وبالتالي، عند الحديث عن حل جذري علينا أن نتحدث الآن عن حل سياسي وتوافق كل أطراف النزاع على بدء عملية تنموية وعكسها على الاقتصاد السوري، وأي حلول غير هذا الحل هي مؤقتة ومن الصعب تطبيقها من الناحية العملية، كما يرى الباحث الاقتصادي خالد تركاوي.

وتحدثت دراسة اقتصادية صادرة عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، عن سيناريوهات محتملة تنتظر الاقتصاد السوري، بعد تدهور قيمة الليرة السورية خلال السنة الماضية.

السيناريو الأول هو الاستجابة للضغوط، وإبداء النظام بعض المرونة في قضايا الحل السياسي والتعامل مع ملف المعتقلين والمخطوفين، استجابة للشروط التي يتطلبها قانون “قيصر”.

أما السيناريو الثاني فهو اتباع “سياسات الصمود”، ومنها تخفيض تكاليف الإنتاج لتشجيع النمو في القطاع الزراعي وزيادة المحاصيل الزراعية، وإعادة إقلاع خطوط الإنتاج في عدد من الصناعات لتلبية حاجة السوق المحلية، وإلغاء تصدير العديد من المواد.

السيناريو الثالث والأخير يتمثل باتباع “سياسة التعنت”، التي تقوم على استمرار النظام بأسلوبه القمعي ونهجه الأمني في التعامل مع الملفات السياسية والاقتصادية، وتعليق فشله على قانون “قيصر” والعقوبات الدولية.

طابور على دور الخبز أمام فرن الشيخ سعد بدمشق 18 من تشرين الأول 2020 (فيس بوك)

English version of the article

مقالات متعلقة