المحاكمات السورية والإيزيدية.. لماذا يريد محامو الضحايا إعادة النظر في تهم العنف الجنسي

الحائزة على جائزة نوبل للسلام نادية مراد، التي تقود حملة عالمية ضد العنف الجنسي وتقف مع أحد زعماء الطائفة الإيزيدية في آذار 2019 أثناء إخراج رفات مئات الإيزيدين الذين قتلوا على أيدي أفراد تنظيم "الدولة الإسلامية" في قرية كوتشو في محافظة سنجار شمالي العراق - (زيد العبيدي / AFP)

الحائزة على جائزة نوبل للسلام نادية مراد، التي تقود حملة عالمية ضد العنف الجنسي وتقف مع أحد زعماء الطائفة الإيزيدية في آذار 2019 أثناء إخراج رفات مئات الإيزيدين الذين قتلوا على أيدي أفراد تنظيم "الدولة الإسلامية" في قرية كوتشو في محافظة سنجار شمالي العراق - (زيد العبيدي / AFP)

ع ع ع

هنا الهتمي- ترجمة عنب بلدي عن موقع “Justice Info” في ألمانيا

في سابقة من نوعها، تعقد محاكمتان تاريخيتان في ألمانيا على خلفية تهم بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية، يُزعم أنها اُرتكبت في سوريا والعراق، إلا أن المحاكمتين أهملتا جانب العنف الجنسي والجنساني (العنف القائم على نوع الجنس) المنضويين في هذه التهم.

يحاول محامو أطراف الادعاء المدني في كل من محكمة مدينتي كوبلنز وفرانكفورت في ألمانيا العمل على تغيير هذا التجاهل، لتكتمل الصورة الحقيقية لما حدث للسجناء السوريين في معتقلات النظام السوري وللنساء الإيزيديات في شمالي العراق.

في قاعة المحكمة بمدينة كوبلنز، حيث كان هناك ضحايا تعذيب سوريون لتقديم شهاداتهم على مدى الأشهر التسعة الماضية، لم يجرِ الحديث عن العنف الجنسي المرتكَب بحق الضحايا بشكل كافٍ أو مطوّل. وقد أظهرت بعض إفادات الشهود أن العنف الجنسي كان يُستخدم بشكل ممنهج في سجون نظام الأسد مثله مثل التعذيب.

محامٍ مختص بحقوق الإنسان، تحدث عن نساء أجرين عمليات إجهاض بعد إطلاق سراحهن، ولم يستطعن إخبار أسرهن بما حدث لهن في أثناء فترة احتجازهن. ووصفت إحدى الناجيات ما كانت تتعرض له من تهديدات مستمرة بالاغتصاب في الفرع “251” بالعاصمة السورية دمشق. وتحدثت الناجية عن شريكة زنزانتها التي طلّقها زوجها بعد إطلاق سراحها، “لأنه في السجن، كل شيء وارد الحدوث” على حد تعبيره. كما خضع أحد الناجين الذكور لأسئلة مفصّلة من قبل القضاة حول كيفية اغتصابه بجسم غريب في أثناء استجوابه في الفرع “251”، الذي يُعرف أيضًا باسم فرع “الخطيب”، في آب 2011.

ويَمْثل ضابطان سابقان في النظام السوري أمام المحكمة التي سُمّيت بـ”محكمة الخطيب” نسبة إلى فرع “الخطيب” الذي تمت فيه الانتهاكات بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية شملت قتل وتعذيب المعتقلين.

أنور رسلان، الضابط الأعلى رتبة بين الضابطين المعنيين بالمحاكمة، تجري محاكمته بقضية اغتصاب وقضية اعتداء جنسي. ولكن خلافًا لتهم القتل (58 مرة) و4000 حالة تعذيب المتهم رسلان بارتكابها، فإن تهم الاغتصاب والاعتداء الجنسي يتم معاملتها في المحكمة باعتبارها جرائم فردية وليست جرائم ضد الإنسانية.

إلا أن هذا الأمر قد يتبدل، إذ قدم محامو الادعاء المدني في “كوبلنز”، في تشرين الثاني 2020، مذكرة اتهام تدعو القضاة إلى اعتبار جرائم العنف الجنسي من الجرائم ضد الإنسانية المحددة في لائحة الاتهامات.

حدثت المحكمة التهم الموجهة لأنور رسلان الخاصة بحوادث العنف الجنسي، باعتبارها جرائم ضد الإنسانية اُرتكبت كجزء من هجوم واسع النطاق أو ممنهج ضد السكان المدنيين في سوريا، وليس كما كان من قبل في سياق القضية، أي مجرد قضايا فردية بموجب القانون الجنائي الألماني.

وتعرّف “الجرائم ضد الإنسانية” بأنها استهداف واسع النطاق وممنهج ضد السكان المدنيين.

وانتقدت مجموعات الدفاع عن حقوق الضحايا وبعض الخبراء القانونيين تجاهل المحكمة للمنهجية المرتبطة بجرائم العنف الجنسي.

“أظهرت صور (قيصر) المسربة أن تعذيب المعتقلين هو الانتهاك السائد في المعتقلات السورية، إلا أن هذا لا ينفي حقيقة حدوث جرائم أخرى ضد أشخاص آخرين”، كما تقول ألكسندرا ليلي كاثر، المحامية والمستشارة القانونية في مجال العدالة الدولية، مضيفة أنه يجب توسيع التحقيقات لتشمل الجرائم المرتكبة ضد مختلف أعضاء المجتمع السوري.

بالنسبة لألكسندرا، لا تتوقف المسألة عند هذه القضية، إذ قالت “هذه المحاكمة قد تكون بمثابة نموذج لمحاكمات أخرى لعناصر من أجهزة الاستخبارات السورية”.

إساءة معاملة في السجون السورية يعقبها نبذ مجتمعي

ألكسندرا كاثر خبيرة في قضايا العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس، وعملت لمصلحة “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان” (ECCHR) الذي يدعم الشهود السوريين في محكمة “الخطيب”.

وفقًا للخبيرة القانونية فإن عدم اعتبار جرائم العنف الجنسي من ضمن الجرائم المنضوية تحت بند الجرائم ضد الإنسانية، واعتبارها جرائم من اختصاص القانون الجنائي الألماني، يجرد هذه الجرائم من السياق الذي وقعت فيه، وبالتالي يجردها من بعدها السياسي.

“العنف الجنسي هو الممارسة المنحرفة للسلطة على الآخرين، حيث يستخدم كأداة تهدف إلى إضعاف حركة المعارضة السياسية”، بحسب الخبيرة، التي أضافت أنه في حالة المجتمع السوري، كانت سلطة الأسرة والمجتمع هي ما حافظ على تماسك هذه الحركة، “الجرائم التي تتسبب بإقصاء أو وفاة أحد أعضاء المجتمع من الإناث، تستهدف وتضعف تلك الحركة”.

كما ذكر بعض الشهود، فإن ضحايا العنف الجنسي في المعتقلات السورية يتم التخلي عنهن في كثير من الأحيان من قبل عائلاتهن والمحيطين بهن، وقد لا يتمكنّ من الزواج، أو يُقتلن في أسوأ الحالات على يد أحد أفراد الأسرة.

إحدى الضحايا التي قدمت شهادتها في محكمة مدينة كوبلنز قالت، “العديد من النساء تعرضن للتحرش الجنسي أو الاغتصاب في السجون السورية، ومن بعدها تعرضن للنبذ من قبل المجتمع”، مضيفة أن العنف الجنسي كان يستخدم كأسلوب معتمد للتعذيب من قبل أجهزة الاستخبارات السورية ضد الرجال والنساء على حد سواء.

والتحقيق في مثل هذه الجرائم يصبح أكثر تعقيدًا مع امتناع الشهود عن ذكر ما حدث لهم. فهل يمكن أن يكون هذا السبب هو ما دفع الادعاء إلى عدم إدراج هذه الجرائم ضمن الجرائم ضد الإنسانية في لائحة الاتهامات؟

الرد الرسمي لهذا التساؤل اكتفى بالقول، إنه لم يكن هناك ما يكفي من الأدلة في ذلك الوقت لإدراج جرائم العنف الجنسي ضمن الجرائم ضد الإنسانية. وصرح الادعاء لموقع “Justice Info”، أنه “في لائحة الاتهامات، ذكر مكتب المدعي العام الاتحادي أن الانتهاكات الممنهجة والواسعة النطاق التي شنها النظام السوري ضد السكان المدنيين شملت جرائم عنف جنسي. غير أن التحقيقات لم تظهر أدلة كافية على وقوع جرائم عنف جنسي ممنهجة في الفرع (251)”.

وفي كانون الأول 2020، أصدر الادعاء العام في “كوبلنز” بيانًا أمام المحكمة يؤيد فيه مذكرة الاتهام المقدمة من الأطراف المدعية المدنية.

إلا أن ألكسندرا تعتقد بوجوب المزيد من العمل في هذا الشأن، إذ قالت، “يتعيّن علينا أن نخلق ظروفًا مناسبة يشعر فيها الناجون من الجرائم ذات الحساسية الخاصة بالدعم الكافي للتقدم بشهاداتهم”، مضيفة، “على الحكومة الألمانية تقديم الدعم القانوني والطبي والنفسي والاجتماعي لهؤلاء الضحايا”.

“من غير المنطقي تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية في حين أن تدابير الحماية المناسبة وآليات الدعم غير موجودة”، أضافت ألكسندرا.

نساء إيزيديات ضحية الاسترقاق والعنف الجنسي

على بعد أقل من 100 كيلومتر جنوب شرقي مدينة كوبلنز، تجري محاكمة مختلفة مع بعض أوجه التشابه في مدينة فرانكفورت بألمانيا حيث يمثل “طه ج.” (أول مقاتل سابق من تنظيم “الدولة الإسلامية” متهم بممارسة الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين في شمالي العراق). “طه” متهم بقتل طفلة إيزيدية سباها ووالدتها بعد أن قام بتقييد الطفلة إلى نافذة تحت أشعة الشمس الحارقة.

في هذه المحاكمة، قدم محامو أطراف الادعاء المدني، في كانون الأول 2020، مذكرة اتهام تطلب اعتبار الاضطهاد القائم على نوع الجنس جريمة ضد الإنسانية.

المحامية أمل كلوني قالت، إن “التهم الموجهة في هذه القضية البارزة ينبغي أن تعكس النطاق الكامل للسلوك الإجرامي المرتكب من جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية تستهدف النساء وتمارس ضدهن الاسترقاق والعنف الجنسي”.

يلتبس للبعض الفرق بين العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس، ولكن من الأهمية بمكان التفريق بين المفهومين، ففي حين يصف العنف الجنسي الجرائم التي تنطوي على طابع جنسي مثل الاغتصاب، والإكراه على البغاء، أو الاسترقاق الجنسي، فإن العنف القائم على نوع الجنس (العنف الجنساني) يشير إلى الجرائم التي ترتكب ضد فئة معيّنة بسبب جنسها، ويشمل الزواج القسري أو تعذيب واسترقاق النساء والفتيات.

وعندما هاجم مقاتلو تنظيم “الدولة الإسلامية” الطائفة الإيزيدية شمالي العراق، فصلوا الناس حسب جنسهم، وقاموا بسبي النساء والفتيات واستعبادهن.

كلتا المحكمتين في كوبلنز وفرانكفورت عُقدت بمذكرة اتهام مختلفة عن الأخرى، ولكن لهدف واحد، هو استخدام العدالة كوسيلة للتوصل إلى فهم كامل لما حدث لضحايا أشنع الجرائم المرتكبة في سوريا والعراق.

وقالت ألكسندرا، “يوجد اتجاه سائد للتركيز على مجموعة واحدة دون تبني منظور متعدد الجوانب لمراعاة الاعتبارات الجنسانية بحق من ارتُكبت ضده هذه الجرائم ولم اُرتكبت وما القصد التمييزي الكامن وراءها”.

وأضافت، “مع انعقاد أولى المحاكمات، من المهم لنا أن نتوصل إلى فهم صحيح لكل ما حدث”.



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة