ع ع ع

ديانا رحيمة | صالح ملص | نور الدين رمضان

“نحن في حالة من الضياع والخوف وكأننا في السجن، محرومون من الجوازات والإقامات وحتى من السفر خارج الدنمارك”، بهذه الكلمات وصف اللاجئ السوري رضوان برتاوي (43 عامًا) وضعه، متسائلًا، في حديث إلى عنب بلدي، “كيف يصفون دمشق بالآمنة؟ كيف يمكنني العودة وأنا مطلوب مع عائلتي للنظام؟ الاعتقالات التعسفية والخطف والقتل والاختفاء بالسجون ممارسات موجودة على نطاق واسع، وما زال النظام موجودًا وهو السبب الرئيس لخروجنا وهروبنا من سوريا!”.

هرب رضوان برتاوي من منزله الذي قُصف في ريف دمشق، بعدما هُدّد أمنيًا من الأجهزة الأمنية السورية، ليصل إلى الدنمارك في تموز عام 2014، ويحصل على إقامة لجوء إنساني.

لم يكن رضوان حينها يكترث لنوع الإقامة التي حصل عليها، كونها تُجدّد كل خمس سنوات، بل كان همه الوحيد جلب عائلته من سوريا، التي وصلت بعد خمسة أشهر إلى الدنمارك.

بعد مضي السنوات الخمس، طُلب رضوان لمقابلة التحقيق والاندماج، وكان قد تعلم وأجاد اللغة الدنماركية مع أولاده، وصاروا فعالين في المجتمع الدنماركي وغير متلقين لأي نوع من المساعدات الحكومية أو الإنسانية، بحسب ما قاله لعنب بلدي، ليعيش تسع ساعات من الضغط والتوتر في أثناء المقابلة، التي شعر فيها أن المحقق الذي قابله، كان متخذًا قرار ترحيله منذ لحظة دخوله للمقابلة.

تتسابق عدة دول أوروبية للتخلص من فائض حصتها من اللاجئين السوريين الذين تدفقوا إلى أوروبا، في ظاهرة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتحاول بعض الدول الالتفاف على بعض القوانين المتعلقة باللجوء لتبرير الترحيل.

وتباينت مواقف هذه الدول في اتخاذ قراراتها بين سحب حق الإقامة المشروعة في البلد المضيف، كهولندا والدنمارك، وبين قرارات تقر بأمر الترحيل لأصحاب الجرائم كألمانيا.

ويعود ذلك لإقرار هذه الدول بجرائم النظام السوري وانتهاكاته، فلا تستطيع إرسال اللاجئين إلى سوريا، في وقت تريد تشديد الإجراءات على الحق في الإقامة الشرعية فيها، لتتحول بلدان اللجوء في نظر لاجئين سوريين إلى زنزانات صغيرة ترجعهم إلى حالة الشتات التي شعروا فيها في بلدهم الأم.

في هذا الملف، تناقش عنب بلدي قضية ترحيل اللاجئين السوريين في بلدان اللجوء، من حيث الواقع الذي يعيشه اللاجئون، وتباين مواقف الدول التي تتبع هذا النهج، بالتواصل مع لاجئين سُحب منهم حق اللجوء، ومع مسؤولين في الدول التي تتصدر القضية، وقادة في الاتحاد الأوروبي.

ثلاث دول تناقش الترحيل بسياقات مختلفة

بعد مرور سنة وتسعة أشهر من القلق والتفكير من أجل تجديد إقامة رضوان برتاوي، صدر أمر الترحيل بحق رضوان وعائلته، بحجة أن دمشق أصبحت آمنة، وعليه يجب أن تغادر زوجته وأولاده الدنمارك، كونهم أتوا عبر قرار لم الشمل برضوان، ليجري بعدها إيقاف أولاده عن العمل والدراسة وكأنهم “مجرمون”، على حد قوله.

لدى رضوان ابنان في المدرسة الثانوية وفتاة جامعية تدرس الهندسة، إضافة إلى طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات ولد في الدنمارك، وبعد توكيل محامٍ ما زالت عائلة رضوان تنتظر قرار المحكمة بحقهم منذ عامين.

ويتهم المحققون رضوان وعائلته بعدم الانتماء للدنمارك، على الرغم من إجادته اللغة الدنماركية هو وأولاده الثلاثة، واكتفائه ماديًا بعدم طلب المساعدات، واحترامه قوانين الدنمارك، فـ”إذا لم يكن كل هذا انتماء واندماجًا، فما هو إذًا؟”، يتساءل رضوان.

لاجؤون سوريون يغادرون مخيم “هيومنسورد” المؤقت في هولندا- 13 من نيسان 2016 (AFP)

الدنمارك تستبدل “الأصل غير الغربي” بـ”الغيتو”

قال وزير الهجرة والاندماج الدنماركي، ماتياس تيسفاي، في حزيران 2020، إنه يجب على دائرة الهجرة البدء بمراجعة تصاريح الإقامة الممنوحة في الدنمارك للاجئين السوريين القادمين من دمشق، بحسب ما ذكره موقع الهجرة والاندماج الدنماركي.

وأوضح، “نحن مستعدون بحقيبة كبيرة من أموال السفر ذهابًا وإيابًا، لأولئك الذين يتعيّن عليهم العودة وإعادة بناء حياتهم في سوريا”.

كما أعلنت الدنمارك، في 17 من آذار الماضي، عن خطط ستتبعها في اتخاذ مزيد من الإجراءات الصارمة في الأحياء الفقيرة من خلال تقليل عدد السكان “غير الغربيين”، وإلغاء مصطلح “الغيتو” المثير للجدل في تشريعاتها المقترحة.

و”الغيتو” يشير إلى منطقة تعيش فيها، طوعًا أو كرهًا، مجموعة من السكان المنتمين في أغلبيتهم إلى خلفية عرقية معيّنة أو لثقافة أو لدين محدد.

واقترحت وزارة الداخلية أن تكون حصة السكان من أصل “غير غربي” في كل حي بحد أقصى 30% في غضون عشر سنوات.

واتبعت الدنمارك واحدة من أكثر سياسات الهجرة تقييدًا في أوروبا، والتي واصلتها رئيسة الوزراء الدنماركية من الحزب “الاشتراكي الديمقراطي”، ميت فريدريكسن، منذ وصولها إلى السلطة في حزيران 2019.

قالت رئيسة الوزراء فريدريكسن، في كانون الثاني الماضي، للبرلمان، إنها لا تريد أن يأتي أي طالب لجوء على الإطلاق إلى الدنمارك.

وتابعت، “لا يمكننا أن نعد بعدم وجود أي طالب لجوء، لكن يمكننا وضع هذه الرؤية، كما فعلنا قبل الانتخابات (…) نريد نظام لجوء جديد وسنفعل ما في وسعنا لتقديمه”.

وتصنَّف الدنمارك من بين الدول الموقعة على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تمنع ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين إذا تعرضوا لخطر التعذيب أو الاضطهاد في بلدانهم الأصلية.

هولندا تتحرك بشأن من يزور سوريا

انتحر شاب سوري (14 عامًا) في أحد مراكز اللاجئين في بلدة جليز بهولندا، في شباط 2020، بسبب رفض منحه حق اللجوء بعد سنوات من السفر بين إسبانيا وهولندا، بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، وقالت عائلته إنه لم يعد قادرًا على تحمل العيش من دون منزل مستقر بعد تسعة أعوام.

في الوقت ذاته، أعلنت الحكومة الهولندية أنها تستعد لتقديم شكوى قانونية ضد النظام السوري في أيلول 2020، لتحميله “مسؤولية ارتكاب انتهاكات ضد حقوق الإنسان”، بينما رد النظام السوري، بأن “هولندا هي آخر من يحق له التحدث عن حقوق الإنسان”، وعليه ناقشت عنب بلدي الخارجية الهولندية في قضية سحب الإقامة من لاجئين سوريين رغم إدراكها الانتهاكات في سوريا.

وأجابت الخارجية الهولندية على استفسارات عنب بلدي، في مراسلة إلكترونية، بأن منح الإقامة من قبل دائرة الهجرة والتجنيس الهولندية يجري ضمن شروط محددة، وهي أن اللاجئ سيواجه خطر التعرض لأذى جسيم، في حال عودته إلى بلده، على النحو المنصوص عليه في “المادة 3” من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والذي يثبت أنه يواجه خطرًا مفترضًا، وبوجود أسباب حقيقية للخوف من المعاملة اللاإنسانية التي سيتعرض لها.

ولكن يوجد استثناء لسحب تصريح الإقامة من اللاجئين في حالتين: الأولى للأفراد التابعين لحكومة النظام السوري، والثانية للسوريين الذين عادوا إلى سوريا دون مواجهة أي مخاطر عند عودتهم، فإذا انطبق أحد الشرطين على اللاجئ، فلا ينطبق عليه خطر المعاملة اللاإنسانية، ولن يمنَح تصريح الإقامة.

وتقيَّم الحالات التي تندرج تحت هذين الشرطين، وتعالَج بشكل منفرد عن غيرها من طلبات اللجوء.

على الرغم من عدم تحديد عنب بلدي أسئلتها عن حالات خاصة للاجئين سُحبت إقامتهم، قالت الخارجية (على سبيل المثال)، إن دائرة الهجرة لم تسحب تصاريح الإقامة من29 فردًا في تموز 2020.

وكانت قضية هؤلاء السوريين أُثيرت بعد تحقيق من منظمة “IND”، المعنية باللجوء في هولندا، بسبب تقديمهم معلومات غير صحيحة خلال مقابلة الحصول على الإقامة، من بينهم شخص “ضالع في جرائم حرب”.

لا إعادة قسرية

إذا لم تكن لدى طالبي اللجوء من أي بلد أسباب للخوف من الاضطهاد أو المعاملة اللاإنسانية، فقد يرفض طلب اللجوء. وجميع الرعايا الأجانب الذين لا يُسمح لهم بالبقاء في هولندا هم مسؤولون بشكل شخصي عن مغادرة البلاد والعودة إلى بلدهم الأصلي، بحسب الخارجية الهولندية.

ولا تنفذ هولندا عمليات إعادة قسرية إلى سوريا، أما الأشخاص الذين يرغبون في العودة طواعية، فسوف يتلقون الدعم من خدمة الإعادة إلى الوطن والمغادرة إلى بلادهم خلال هذه العملية.

وقال السفير الهولندي السابق في سوريا، نيكولاوس فان دام، في حديث إلى عنب بلدي، إن بعض الأحزاب السياسية تجادل بأنه يمكن إعادة اللاجئين السوريين، ولكن موقفهم غير واقعي تمامًا، لأنه سيكون من الخطر على جميع السوريين تقريبًا أن يعودوا.

لا يُسمح بإعادة اللاجئين إذا ثبت أنهم سيتعرضون لاحقًا لخطر الملاحقة القضائية من قبل النظام السوري، وينطبق الشيء نفسه عندما يكون من الواضح أن أشخاصًا معينين قد تصرفوا بطرق قد تجذب الانتباه السلبي لبلدهم الأصلي، وذلك يحدث ضمن “معايير محددة”، “لسوء الحظ، لا يزال الطريق طويلًا أمام إنهاء الصراع”.

ألمانيا.. شروط لترحيل “الخطرين أمنيًا”

قررت وزارة الداخلية الألمانية، في 11 من كانون الأول 2020، عدم تجديد قرار الحظر المفروض على عمليات الترحيل إلى سوريا، وعليه، يمكن للمحاكم أن تقرر لكل حالة على حدة ما إذا كانت سترحل سوريين مدانين بجرائم في ألمانيا اعتبارًا من أول يوم من عام 2021.

وأشار وزير داخلية ساكسونيا السفلى، بوريس بيستوريوس، إلى أن عمليات الترحيل، تقنيًا وعمليًا، ما زالت غير ممكنة بسبب العنف المستمر في سوريا.

ويقود النائب في البرلمان الألماني ثورستن فراي حملة لترحيل المجرمين والأشخاص الخطرين إلى شمالي سوريا، حتى إنه اقترح التحقق مما إذا كانت المناطق التي يوجد فيها الجيش التركي شمالي سوريا مكانًا مناسبًا لترحيل مرتكبي الجرائم من اللاجئين.

وأوضح وزير الداخلية المحلي لولاية بادن- فورتمبرغ، توماس شتروبل، في 22 من كانون الثاني الماضي، الشروط اللازمة لتنفيذ قرار الترحيل إلى سوريا لمن تثبت خطورته على أمن ألمانيا.

ويرى شتروبل عقبات كبيرة أمام ترحيل لاجئين مرفوضين إلى سوريا تحول دون بدء الترحيل، على الرغم من رفع الحظر عن القرار.

وحدد شتروبل أن ولايته بإمكانها ترحيل نحو عشرة من “الجناة أو الخطرين أمنيًا” إلى سوريا، إذا أصدرت “الهيئة الاتحادية لشؤون الهجرة واللاجئين” قرارًا بإلغاء حظر الترحيل عن هؤلاء الأشخاص، مع مراجعة ومراعاة الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في كل حالة على حدة.

ويجب أيضًا أن تتوفر عمليًا إمكانية إعادة أي شخص، ما يعني أنه يجب أن تكون هناك مناطق آمنة سورية يمكن الترحيل إليها.

ونقل موقع “DW” تصريحات للوزير لوكالة الأنباء الألمانية (DPA)، تفيد بأن “المصنفين على أنهم خطرون أمنيًا في بلدنا لم يعد بإمكانهم الاعتماد على حظر الترحيل”.

وصُنّف 89 سوريًا “جهاديًا” على أنهم “خطرون أمنيًا” في ألمانيا، وفقًا لوزارة الداخلية الاتحادية، و”الخطرون أمنيًا” هم الأشخاص الذين لا تستبعد سلطات الأمن في ألمانيا ارتكابهم جرائم جسيمة ذات دوافع سياسية.

قارب عند شواطئ جزيرة ليسبوس اليونانية بعد مغادرة اللاجئين- 8 من تشرين الأول 2015 (AFP)

أين يقف الاتحاد الأوروبي رسميًا من الترحيل

في مقابلة إلكترونية للممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية، جوزيب بوريل، في 30 من آذار الماضي مع عنب بلدي، قال إن “موقف الاتحاد الأوروبي فيما يخص العودة لم يتغير”، وإن “الاتحاد يتفهم ويدعم تطلعات بعض السوريين للعودة الطوعية إلى ديارهم، ولكن الظروف اللازمة للعودة على نطاق واسع لم تتوفر بعد”.

وأكد بوريل أن المعايير التي وضعتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، توضح تمامًا أن الظروف داخل سوريا لا تسمح في الوقت الحاضر بتعزيز عمليات العودة على نطاق واسع في ظروف آمنة وكريمة بما يتماشى مع القانون الدولي.

واستشهد بحالات العودة المحدودة التي حدثت، والعقبات والتهديدات العديدة التي لا تزال تواجه النازحين داخليًا واللاجئين العائدين، وبصفة خاصة التجنيد الإجباري، والاحتجاز العشوائي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والعنف البدني والجنسي، والتمييز في الحصول على السكن والأرض والممتلكات، فضلًا عن الخدمات الأساسية السيئة أو غير الموجودة.

 

احتجاز دون ترحيل

مدير حقوق اللاجئين بمنظمة العفو الدولية في بريطانيا، ستيف فالديز سيموندز، قال لعنب بلدي، إن المنظمة لا تعتقد أنه جرى ترحيل لاجئين سوريين من أي دولة أوروبية إلى سوريا، لكن الدنمارك ألغت وضع الحماية لبعض اللاجئين، وتحتجزهم في مراكز معيّنة، مع تقييد حقهم في الحرية.

كما غيّرت ألمانيا سياستها، ونظريًا يمكن ترحيل السوريين المتهمين بجرائم خطيرة فقط.

وأضاف ستيف أن بعض هذه الإجراءات قاسية ومروعة بالنظر إلى الوضع في سوريا، خاصة أن بعضها يعتبر جزءًا من المواقف السياسية، بالنظر إلى عدم وجود اتفاقيات مع حكومة النظام السورية لتنفيذ عمليات الترحيل.

وفي آذار 2019، قالت مجلة “Foreign Policy” الأمريكية، إن الاتحاد الأوروبي يسعى لإثبات أن دوله على قلب رجل واحد، لكن قضية إعمار سوريا كشفت مدى تباين وجهات النظر بين الدول الأعضاء في الاتحاد.

وبحسب المجلة الأمريكية، فإنه على الرغم من أن الاتحاد متحد وراء سياسة العقوبات ضد النظام السوري، فإن دولًا منفردة تتساءل إذا كان ينبغي الإبقاء على هذا الموقف المتشدد، فبينما تريد فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة الإبقاء على موقف صارم معادٍ للأسد، هناك دول أخرى جنوبي وشرقي أوروبا، لا سيما تلك الدول ذات الحكومات الشعبوية، ترغب في تخفيف هذا الموقف.

والخبر الجيد أن هذه الدول لم يصل إليها اللاجئون السوريون بأعداد كبيرة، لكن يُخشى من تأثير سياساتها على جيرانها الآخرين.

 

 القانون الدولي بالمرصاد

تتبنى عدة أحزاب يمينية في بلدان الاتحاد الأوروبي سياسة عدم الترحيب باللاجئين، واتهامهم بمنافسة السكان المحليين على فرص العمل والدراسة والخدمات، ما يُخالف بذلك مبادئ القانون الدولي الخاصة بوضع اللاجئين.

أورد قانون اللاجئين الدولي المبادئ الرئيسة التي تستند إليها الحماية الدولية للاجئين، والوثائق الأساسية هي اتفاقية عام 1951، التي تعتبر حجر الزاوية للحماية الدولية للاجئين، وبروتوكول 1967، وتتضمن أحكامها حظر إعادة اللاجئين وطالبي اللجوء إلى خطر الاضطهاد ضمن مبدأ “عدم الإبعاد“، وشرط معاملة جميع اللاجئين بشكل غير تمييزي.

لا يوجد تشكيك في القانون الدولي بحق أي دولة ذات سيادة في أن تتخذ إجراءات طرد الأجانب عندما يبدو لها أن حضورهم يعرض أمنها للخطر، وأن يكون الطرد نتيجة منطقية وضرورية لسيادتها واستقلالها، وهذا ما تؤكده اجتهادات هيئات التحكيم الدولي، كحق أصيل وطبيعي ملازم لمبدأ السيادة الإقليمية للدولة، وناشئ عن مركز الدولة ذاتها باعتبارها كيانًا قانونيًا ذا سيادة يتمتع بكامل الولاية على إقليمه.

وعلى الرغم من أن هذا الحق راسخ في القانون الدولي، فإنه غير مطلق، بل لا بد وأن يمارَس ضمن احترام للقواعد الأساسية للقانون الدولي الخاصة من خلال احترام الكرامة الإنسانية.

“حرية الطرد ليست مطلقة، وترد عليها قيود”، وفق التقرير الثالث عن “طرد الأجانب” الصادر عن الأمم المتحدة عام 2007.

وبالتالي فإن ممارسة حق الطرد تخضع لقيود معيّنة، منها أن “الطرد يجب أن يتم بكل ما تتطلبه الإنسانية واحترام الحقوق المكتسبة من اعتبار”، وبالتالي فإن الدولة في استخدامها لحق الطرد لا بد أن تحرص على التوفيق بين واجبها في ضمان الأمن على إقليمها وضرورة “احترام قوانين الإنسانية والحقوق الملازمة لشخص كل فرد”، وفق تقرير الأمم المتحدة.

يرتبط حق الطرد بطبيعة النظام القانوني الدولي التي تربط كل قاعدة أو مبدأ للقانون الدولي بشرط التوافق مع المبادئ الأساسية لهذا النظام القانوني، وبالتالي فإن سيادة الدولة في القانون الدولي لا يمكن أن تُفهم بشكل مطلق، وإن سلطة الطرد ليست تعسفية بل تقديرية، ولا يمكن للدولة أن تسيء استعمال السلطة التقديرية المعترف لها بها في هذا الموضوع.

ومن ضمن المبادئ الدولية العامة المسلَّم بأنها تسري في مجال طرد الأجانب، مبدأ عدم جواز طرد اللاجئين، ومبدأ حظر الطرد التعسفي.

ويشمل مبدأ عدم جواز طرد اللاجئين، عدم عودتهم بأي شكل من الأشكال إلى بلدان أو أقاليم تكون فيها حياتهم أو حريتهم مهددة، بسبب عرقهم أو ديانتهم أو جنسيتهم أو انتمائهم إلى فئة اجتماعية معيّنة أو رأيهم السياسي.

وتعتبر القرارات المتعلقة بسحب حق اللجوء في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي “لا تتوافق ولا تنسجم تمامًا مع البنود والبروتوكولات الإضافية المتعلقة بتأمين الحماية الكاملة للاجئين القادمين من مناطق النزاع المسلح”، وفق ما يراه المحامي السوري والحقوقي في قضايا اللجوء هشام مسالمة، في حديث إلى عنب بلدي.

وبذلك، فإن أي قرار صادر في الوقت الحالي بحق أي لاجئ سوري اكتسب الحماية بموجب اتفاقية 1951، هو قرار “ليس شرعيًا وليس قانونيًا، ويخالف المبادئ والبنود الواردة في هذه الاتفاقية”، لأن سوريا تعتبر دولة غير آمنة بكل نقاط توزعها الجغرافي، وهي “بلد من أخطر الأماكن للعيش إلى الآن”، وفق تعبير المحامي مسالمة.

واللاجئ الذي مُنح اللجوء هو بسبب تعرضه لاضطهاد حقيقي يهدد حياته، وبالتالي أي قرار للعودة غير الطوعية هو “محل اعتراض وطعن به أمام محكمة العدل الأوروبية، لمخالفته الصريحة لبنود هذه الاتفاقية”، بحسب مسالمة.

تنص المادة رقم “33” من اتفاقية 1951 على عدم المس بالحقوق الأساسية للاجئ، “لا يجوز لأي دولة متعاقدة أن تطرد لاجئًا أو أن تعيده قسرًا بأي صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معيّنة أو بسبب آرائه السياسية”.

ولا يزال عشرات الآلاف من المدنيين الذين اعتُقلوا تعسفيًا في سوريا مختفين قسرًا، بينما تعرض آلاف آخرون للتعذيب، بما في ذلك العنف الجنسي، أو الموت رهن الاحتجاز، وفقًا لتقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، المنشور في 1 من آذار الماضي.

ما مفهوم “المنطقة الآمنة” في سياق عودة اللاجئين؟

في شباط الماضي، اقترح أحد الأحزاب الدنماركية المعارضة إيجاد طريقة للتعاون مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد، على إعادة اللاجئين السوريين الذين رُفضت طلبات لجوئهم أو سُحبت، وذلك على اعتبار أن مدينة دمشق “منطقة آمنة للعودة إليها”.

إلا أنه لا يوجد تعريف دقيق لمفهوم “المنطقة الآمنة” في القوانين الدولية، بحسب ما قاله المحامي هشام مسالمة، الذي يعمل في قضايا اللجوء منذ عام 2005.

ويُعتمد على اتفاقية 1951 باعتبارها أول اتفاقية دولية حقيقية تتناول النواحي الجوهرية من حياة اللاجئ، لكن هذه الاتفاقية لم تنص على مفهوم “المناطق الآمنة”، بحسب المحامي مسالمة، ولكن عند كثرة اللجوء من مناطق النزاع المسلح، تبذل الدول جهودًا في البحث عن حلول بديلة بسبب كثرة عدد طالبي اللجوء من مكان معيّن.

وفي بعض الأوقات، تُفرض بعض الحلول للنزاعات الداخلية التي تستهدف المدنيين بإيجاد مناطق منزوعة السلاح بإشراف دولي لحماية المدنيين دون اضطرارهم إلى اللجوء خارج الدولة التي تعاني من النزاع المسلح، وهذه تعتبر اجتهادات بعض الدول فقط، ولكن في سياق النزاع السوري، “لا يوجد أي منطقة آمنة، وبالتالي لا يمكن اعتبار سوريا بكل جغرافيتها آمنة، نهائيًا”، وفق المحامي مسالمة.

ويستطيع اللاجئ السوري، الذي صدر بحقه قرار سحب حق اللجوء، الطعن أمام محكمة محلية أو الشكوى أمام جهة وزارية إدارية، أو طلب الطعن أمام المحاكم العليا التي تكون قراراتها ملزمة للدولة كونها تخرق اتفاقية دولية.

“لستُ خائفًا على مصير اللاجئين السوريين، طبعًا يتعرضون للضغوط من الأحزاب اليمينية الموجودة على امتداد القارة الأوروبية، ولكن أوروبا يحكمها قانون وليس السياسيين”، قال المحامي مسالمة.

وبحسب  مشروع بحثي لمركز “عمران للدراسات”، فإن هناك عوامل تؤثر على قرار عودة اللاجئ السوري، أولها توفر “البيئة الآمنة”، الذي يعد، بحسب البحث، من أهم العوامل الحاكمة والمؤثرة في قرار العودة.

و”البيئة الآمنة في هذا السياق، تعني الوقف الفعال للأعمال القتالية، وتقييد سلطة الأجهزة الأمنية في الحياة العامة للمواطنين أو التعدي عليهم من قبل هذه الأجهزة، أو من قبل الميليشيات والفصائل العسكرية المنتشرة في طول البلاد وعرضها”، وفق عيّنة الاستطلاع في المشروع البحثي لمركز “عمران”.

لاجئون في اليونان قطعوا البحر للوصول إلى أوروبا- 2016 (Getty)

اللاجئ:

هو شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معيّنة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف أو لا يريد أن يستظل بحماية ذلك البلد أو العودة إليه خشية التعرض للاضطهاد.

أفراد أسرة اللاجئ: الزوج والأطفال القاصرون وأفراد الأسرة الآخرون الذين يعولهم اللاجئ.

ملتمس اللجوء: طلب يقدمه أجنبي بغرض الاعتراف له بصفة لاجئ وفقًا لاتفاقية “جنيف” الخاصة بوضع اللاجئين، والاستفادة بمقتضى هذه الصفة بحق الإقامة. والمرشح للجوء لا يسعى من وراء طلبه إلا إلى أن تمنحه الدولة الإقليمية حمايتها بالسماح له بالإقامة فوق أراضيها.

الحماية: تصدر الحكومة القوانين لحماية مواطنيها وفقًا لهذه الأحكام، وعندما تكون الحكومات عاجزة أو غير مستعدة للقيام بذلك، يفر أشخاص كثر من أوطانهم، خاصة في  أثناء النزاعات المسلحة، غالبًا إلى بلدان أخرى، حيث يتم تصنيفهم لاجئين، ونظرًا إلى أنهم لم يعودوا يتمتعون بحماية حكوماتهم، فإن المجتمع الدولي يختص بهذا الدور.

المصدر: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واتفاقية “شينغن”

هل ترحّل أوروبا اللاجئين إذا طبّعت علاقاتها مع النظام؟

قد يكون من المبكر الحديث عن تطبيع دول الاتحاد الأوروبي علاقاتها مع النظام السوري، خاصة أنها تشترط تغيير النظام لسلوكه والانصياع للحل السياسي، وفق القرار الأممي “2254“، وهو ما أكده المجتمعون في مؤتمر “بروكسل” للمانحين حول سوريا، في 30 من آذار الماضي، ويرفض النظام الانخراط فيه.

ويخشى اللاجئون عمومًا من تطبيع حكومات أوروبية علاقاتها مع النظام السوري، مع ارتفاع أصوات بعض الأحزاب اليمينية التي لا تتبع سياسة مشابهة للسياسات الحالية في قبول اللاجئين ودعمهم.

وعبر اللاجئ مهدي رمضان المقيم في ألمانيا (22 عامًا) عن خشيته من مستقبل مجهول خاصة أنه يحمل صفة لجوء مؤقت، وقال لعنب بلدي، “نخاف من تغيير الحكومات سياساتها وتحولها للتعامل مع النظام السوري إلى حد يصل إلى إعادة لاجئين، مدفوعة بظروف سياسية واقتصادية داخلية وخارجية”.

اصطياد بالماء العكر

عضو البرلمان الألماني السابق جمال قارصلي، طمأن اللاجئين السوريين بشأن الترحيل، لأن الأحزاب المتطرفة بعيدة عن تسلّم الحكومات، وهي موجودة في كل الدول، وفي حال استطاعت التأثير على الحكومات، فإن المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني لن يترك هذه الأحزاب تمارس تطرفها ضد اللاجئين.

وأضاف قارصلي لعنب بلدي، أن الأحزاب اليمينية تحاول الاصطياد بالماء العكر، وارتفعت أسهمها ودخلت البرلمانات الأوروبية على ظهر اللاجئين، وهي الآن تعتبر اللاجئين ورقة للمساومة، ولا سيما مع النظام السوري المخنوق من المقاطعة والعقوبات، وهو ما فشل عندما زارحزب ألماني مدنًا سورية في محاولة لإظهار بأن سوريا بلد آمن.

وضمن زيارة استمرت سبعة أيام، روّج وفد ألماني في دمشق، عام 2018، لفكرة انتهاء مظاهر الحرب وعيش المواطنين بسلام، ونشر، حينها، كريستيان بليكس، رئيس الوفد والعضو في البرلماني الألماني، مجموعة صور التقطها خلال جولته في شوارع دمشق، قال فيها إن الأحياء خالية من مظاهر “العسكرة”.

وأشار قارصلي إلى أن أي لاجئ سوري يلتزم بالقوانين ويحاول الاندماج في مجتمعه لن يرحّل، وبالمقابل المهددون بالترحيل هم داعمو النظام، وآخرون يريدون العودة طوعيًا مقابل مبالغ مادية، مشددًا على أنه حتى هذا اليوم لم يرحل أي لاجئ من ألمانيا.

 التطبيع بعيد

اعتبر مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبد الله، المحاكمات التي تحدث في الاتحاد الأوروبي ضد مرتكبي “جرائم حرب”، في الوقت الحالي، حاجزًا يمنع أي محاولة سياسية من قبل أي سلطة أوروبية لتطبيع علاقاتها مع حكومة النظام السوري كما كانت عليه قبل عام 2011.

وقال العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، إن هذه المحاكمات “ستعكر العلاقة بين البلدان الأوروبية والنظام السوري، في حال حاولت الحكومات الأوروبية التطبيع معه”.

لكن في حال وُجدت رغبة سياسية حقيقية لدى أي دولة أوروبية في المستقبل لإعادة علاقتها مع النظام في دمشق أو حتى على المستوى التجاري، فلا يعتبر ملف حقوق الإنسان الخاص بسوريا عائقًا للقيام بذلك، وفقًا لما قاله العبد الله، إذ بإمكان التسويات السياسية الالتفاف على المحاسبة القضائية لتحقيق العدالة، مع وضع الدولة التي ترغب في ذلك بموقف حرج أمام بعض البلدان الأوروبية الأخرى التي تتبنى ملف حقوق الإنسان.

والتصور بأن تقوم بعض البلدان الأوروبية بالتطبيع مع النظام السوري باختلاف مستوى هذا التطبيع على الرغم من وجود دعاوى قضائية أمام محاكمها الوطنية هو تصور ممكن في السياسة، وفق العبد الله، خصوصًا أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا لأصوات بعض الأحزاب اليمينية في بلدان أوروبية، مثل النمسا والدنمارك.

وفي حال بدأت صفقات التطبيع بين بلدان الاتحاد الأوروبي والنظام، فليس لدى الأخير مشكلة بتصفية الأشخاص المطلوبين للمحاكمة من قبل القضاء في أوروبا وإخراجهم من السلطة، بحسب العبد الله، طالما أن تلك الدعاوى القضائية مرفوعة ضد أشخاص معيّنين، مقابل عودة علاقاته السياسية والاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لن يكون ملف حقوق الإنسان العائق الأكبر لحدوث ذلك، لأن الدول تضع مصلحتها السياسية والأمنية فوق قضايا وأخلاقيات حقوق الإنسان.

بالمحصلة، يمكن الاستنتاج أن الحديث عن تطبيع علاقات دول أوروبية مع النظام في حال كان قادمًا مستقبلًا فهو بعيد، وذلك من خلال عدة مؤشرات، منها تصريحات المسؤولين الأوروبيين حول عدم قبول النظام السوري في المجتمع الدولي، والعقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على النظام.

لاجؤون سوريون تحت خطر الترحيل في مدينة كوبنهاغن بالدنمارك- تشرين الثاني 2015 (Simon Læssøe / Ritzau Scanpix)

مصير اللاجئين في حال عودتهم

مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، قال، في حديث إلى عنب بلدي، إن الشعبوية والتضخيم الحاصل فيما يتم تداوله عن ترحيل اللاجئين مبالغ فيه، لالتزام الدول الأوروبية بالقانون الدولي فيما يخص إعادة اللاجئين.

وبحسب عبد الغني، “سوريا كلها ليست آمنة”، وتوصي “الشبكة السورية” الدول الأوروبية بعدم إعادة اللاجئين، والعمل على إعادة توطينهم بسبب استمرارية وجود جوهر الأزمة السورية المتمثل بالأجهزة الأمنية والنظام السوري.

ويرى عبد الغني أن عمليات لم شمل عائلات اللاجئين السوريين ما زالت مستمرة إلى بلدان أوروبية مثل هولندا، على الرغم من إيقاف السفر حاليًا في العديد من الدول بسبب جائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، ما يدل على احترام هذه الدول اتفاقية اللجوء الدولية.

ويتزامن نقاش قرارات ترحيل لاجئين مع إصدار محققي الأمم المتحدة تقريرًا جاء فيه أن عشرات الآلاف من السوريين المحتجزين تعسفيًا منذ بدء النزاع، لا يزالون مختفين قسرًا، وتعرض الآلاف منهم للعنف الجنسي والموت في أثناء الاحتجاز، وكذلك للمعاملة اللاإنسانية والتعذيب.

English version of the article

مقالات متعلقة