ع ع ع

صالح ملص | ديانا رحيمة | جنى العيسى

بإعلان مجلس الشعب السوري فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، وتحديد موعدها في خارج سوريا يوم الخميس 20 من أيار المقبل، وفي داخلها يوم الأربعاء 26 من الشهر نفسه، وبإبلاغ رئيس النظام السوري، بشار الأسد، المحكمة الدستورية العليا بترشحه لولاية رئاسية ثانية دستوريًا وثالثة فعليًا، ستشهد المدن الخاضعة لسيطرة النظام مظاهر تعليق صور “تجديد العهد للأبد”، لينسف النظام التزاماته بالقرارات الأممية التي تربط الانتخابات بانتقال سياسي شامل، “مرضٍ لجميع السوريين”.

في نفس الوقت، ترفض المعارضة السورية ودول غربية الاعتراف بشرعية الانتخابات، لعدم ارتباطها بمعايير تحفظ استقلاليتها ونزاهتها تحت إشراف الأمم المتحدة، ما يُنذر بإطالة أمد النزاع في سوريا، باستخدام نفس الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي يعاني منها الشعب السوري.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف مع باحثين وسياسيين سوريين مدى شرعية الانتخابات العامة في سوريا قانونيًا على الصعيد المحلي والدولي، بالإضافة إلى أثرها سياسيًا على مستقبل المشهد السوري.

 

غربلة قانونية

خلال مقابلته مع قناة “روسيا اليوم” في تشرين الثاني عام 2019، قال رئيس النظام السوري، بشار الأسد، إن “أي سوري يمكن أن يكون رئيسًا للبلاد، هناك العديد من السوريين المؤهلين لهذا المنصب، لا يمكن ربط البلد بأسره بشخص واحد فقط وبشكل دائم”.

ولكن لا يمكن أن يخرج المرشحون لرئاسة الجمهورية في سوريا عن نطاق ما تريده السلطة، ليس فقط سياسيًا أو أمنيًا، وإنما من خلال الأطر التشريعية للدستور والقوانين الناظمة لعملية الانتخابات الرئاسية، إذ تجب الموافقة عليهم بطريقة تمر بغربلة قانونية تخدم سياسة النظام السوري.

سيدة سورية تدلي بصوتها في مركز اقتراع بالعاصمة السورية دمشق أثناء انتخابات مجلس الشعب- 19 من تموز 2020 (AFP)

يستند النظام السوري في الانتخابات إلى الدستور الذي أُقر عام 2012، الأمر الذي تعتبره المعارضة “غير شرعي”، بسبب الظروف التي أُقر بها، والتي لا تتناسب مع الوضع السوري، وخاصة إجراءات الاستفتاء عليه وطريقة وضعه وتفصيله بالقياس مع متطلبات رئاسة النظام الحالية.

وذكر الباب الأول من الدستور ضمن مبادئه الأساسية في المادة الثالثة منه، أن يكون دين رئيس الجمهورية هو الإسلام، وشملت الشروط عدم جواز الترشح لمن يحمل جنسية ثانية، بالإضافة إلى الجنسية السورية، وتبلغ مدة ولاية رئيس الجمهورية سبع سنوات، ولا يمكنه الترشح سوى لولاية ثانية.

ويجب أن يكون المرشح متمًا 40 عامًا ومتمتعًا بالجنسية العربية السورية بالولادة، من أبوين متمتعين بالجنسية العربية السورية بالولادة، وأن يكون متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية، وغير محكوم بجرم شائن ولو رد إليه اعتباره، وغير متزوج من غير سورية، ومقيمًا في الجمهورية العربية السورية لمدة لا تقل عن عشر سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشح.

وبموجب المادة رقم “85/3” من الدستور، يُشترط حصول المرشح لرئاسة الجمهورية على تأييد خطي لترشيحه من قبل 35 عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس الشعب، ما يعتبر شرطًا يعرقل حصول أي معارض على الموافقة على ترشحه، في ظل وجود “أغلبية متزايدة لحزب البعث” الحاكم حاليًا داخل المجلس، وفق مشروع بحثي مطوّل أعده الباحثان زياد عواد وأغنيس فافييه عن معهد “الجامعة الأوروبية” عام 2020.

إذ ارتفع عدد أعضاء حزب “البعث” في مجلس الشعب من 136 مقعدًا في الانتخابات التشريعية عام 2007، إلى 166 مقعدًا من أصل 250 خلال الدورة التشريعية الثانية (2016- 2020)، وفق موقع مجلس الشعب السوري الرسمي، بنسبة 66.4% من المقاعد في المجلس، كما تملك بقية أحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية” 17 مقعدًا بنسبة 6.8%، أما المستقلون فيملكون 67 مقعدًا بنسبة 26.8%

وبحسب ورقة بحثية أعدها الباحث محسن المصطفى عن مركز “عمران للدراسات”، فقد زاد تمثيل حزب “البعث” على مدار الأدوار التشريعية السابقة بشكل مطّرد منذ تسلم رئيس النظام السوري، بشار الأسد، السلطة عام 2000، وذلك على حساب بقية أحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية” والمستقلين.

ونص قانون الانتخابات العامة الصادر عام 2014 في مادته رقم “8/أ” على تشكيل لجنة قضائية تسمى “اللجنة القضائية العليا للانتخابات” مقرها دمشق، ومن مهام هذه اللجنة تنظيم إدارة الانتخابات والاستفتاء، بما في ذلك الإشراف الكامل على انتخابات عضوية مجلس الشعب.

ونصت الفقرة “د” من نفس المادة على أن “تمارس اللجنة مهامها واختصاصاتها باستقلال تام وحيادية وشفافية، ويحظر على أي جهة التدخل في شؤونها ومهامها أو الحد من صلاحياتها”.

إلا أن اللجنة فعليًا ليست مستقلة، لأن السلطة القضائية في سوريا يرأسها رئيس الجمهورية نفسه بموجب المادة رقم “65” من قانون السلطة القضائية السوري، كما يرأس “مجلس القضاء الأعلى” الذي يتحكم بشؤون القضاة تعيينًا وترفيعًا وإقالة، بموجب المادة رقم “133” من الدستور السوري.

كما أعطت المادة رقم “34” من قانون الانتخابات العامة الاختصاص للمحكمة الدستورية العليا في الإشراف على انتخابات رئاسة الجمهورية والطعن فيها وإعلان نتائجها، من خلال دراسة قانونية طلبات الترشح والبت فيها خلال الخمسة أيام التالية لانتهاء مدة تقديمها على الأكثر، في الوقت الذي يُعيّن فيه أعضاء هذه المحكمة وتتم تسميتهم من قبل رئيس الجمهورية نفسه عبر مرسوم قبل أن يقسموا اليمين أمامه بموجب المادة رقم “141” من الدستور السوري.

وبالتالي، بموجب تلك المواد الدستورية والقانونية، فقدت المحكمة الناظمة لعملية الانتخابات الرئاسية استقلاليتها القضائية بتبعيتها بشكل مباشر لرئيس الجمهورية.

وهذا يعني أنه من المستحيل حصول مرشح لرئاسة الجمهورية في سوريا على موافقة 35 عضوًا في مجلس الشعب والمحكمة الدستورية العليا من دون موافقة النظام السوري، ما يمنح النظام التحكم بعملية الانتخابات الرئاسية ونتائجها بالتزامن مع عدم وجود جهة محايدة تُشرف على هذه العملية.

مرشحون بلا وزن

يستخدم النظام السوري أشخاصًا ليس لديهم وزن سياسي أو شعبي حقيقي، لخوض انتخابات خارج مضمون القرار رقم “2254”.

فالمرشحون الذين طلبوا حقهم بالترشح حتى الآن، عدا بشار الأسد، هم أشخاص “غير معروفين وليست لهم أي قاعدة جماهيرية يمكن أن يعوّل عليها لخوض انتخابات على مستوى البلديات أو المحافظات”، وفق تعبير المستشار الأول في مركز الأبحاث البريطاني “تشاتم هاوس” حايد حايد، في حديث إلى عنب بلدي، وبالتالي فإن نتيجة الانتخابات “معروفة حتى قبل انطلاقها”، مشيرًا إلى أن الهدف من السماح لـ“دمى”، وفق وصفه، بالترشح إلى الانتخابات الرئاسية، هو فقط لضمان “نجاح الأسد بالانتخابات لكن بمظهر أكثر ديمقراطية”.

وليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها حكومة النظام السوري أفرادًا لا يملكون ثقلًا جماهيريًا للترشح لرئاسة الجمهورية كاستثمار سياسي،ففي الانتخابات التي جرت عام 2014، ترشح شخصان للانتخابات حينها، هما حسان النوري وهو وزير سوري سابق، وماهر حجار وهو عضو في مجلس الشعب خلال دورته التشريعية عام 2012.

حاولت عنب بلدي من خلال رصدها معرفة ما آلت إليه حال حسان النوري وماهر حجار بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية عام 2014، لكن لم تحصل على أي معلومة تفيد باستمرار عملهما السياسي أو في مجال قضايا الرأي العام، أو أي معلومة عامة بشأنهم.

وفي عام 2007، فاز الأسد بنسبة 97% بسهولة بالانتخابات الرئاسية التي كان المرشح الوحيد فيها، وفق صحيفة “واشنطن بوست“، حينها اُحتفل بالنتيجة وسط مئات الآلاف من السوريين الذين ارتدوا قبعات وقمصانًا بيضاء تحمل صورة الأسد بالطبل والزمر، بينما كانت “المعارضة الصغيرة في البلاد” (أعضاء ربيع دمشق)، بحسب تعبير الصحيفة، تطالب بتعديل الدستور للسماح بانتخابات أكثر حرية، لأن مثل هذه الانتخابات تعتبر “اعتداء سافرًا على عقول وكرامة وسمعة الشعب السوري”.

ولا يزال النظام وحلفاؤه يعملون على تغيير موقف بعض الدول العربية والأوروبية تجاه ما يحصل في سوريا، ضمن هذه الجهود، ويعمل النظام في هذه المرة أيضًا على تقديم الانتخابات الرئاسية الحالية بحلة “ديمقراطية” من خلال السماح لأشخاص آخرين بالترشح للانتخابات، وفق ما قاله حايد.

وعلى الرغم من “وضوح هذه اللعبة” لجميع المراقبين للوضع السوري، فإن النظام يكرر أدواته لإثبات أن الانتخابات “ديمقراطية”، وهذه “البروباغندا” سيتم أيضًا استخدامها من قبل الدول العربية والغربية التي تسعى جاهدة لإعادة التطبيع مع حكومة النظام السوري، وفق ما يراه حايد.

ملصق لصورة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، مكتوب عليها “معك” (تعلن التضامن معه) خارج أحد محلات العاصمة السورية دمشق- 16 من نيسان 2021 (رامي البستان)

استطلاع رأي

بحسب استطلاع أجرته عنب بلدي عبر “إنستجرام” شارك فيه 538 مستخدمًا، أجمعت أغلبية المصوتين على أن المرشحين في الانتخابات الرئاسية هذا العام في سوريا ليس لديهم أي فرص لمنافسة رئيس النظام السوري، إذ يعتقد 442 مصوتًا بأن المنافسة معدومة في انتخابات بهذه المعايير، بينما يعتقد 76 من المصوتين بأن هناك احتمالية بوجود منافسة ضد النظام السوري.

انتخابات خارج القرار “2254”

نتائج لن يُعترف بها دوليًا

تعتبر الأمم المتحدة ودول غربية والمعارضة السورية القرار رقم “2254” الصادر عن مجلس الأمن في كانون الأول عام 2015، المرجعية الأساسية من أجل التوصل إلى حل سياسي في سوريا.

وينص القرار، المؤلف من 16 مادة، في مادته الرابعة، على دعم عملية سياسية بقيادة سورية، تيسرها الأمم المتحدة، وتقيم في غضون ستة أشهر حكمًا ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية.

ويحدد جدولًا زمنيًا لعملية صياغة دستور جديد، ويدعم انتخابات حرة ونزيهة تجرى، عملًا بالدستور الجديد، في غضون 18 شهرًا تحت إشراف الأمم المتحدة.

ومنذ بداية العام الحالي، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي عدم اعترافهما بإقامة انتخابات رئاسية في سوريا، وتوعدا النظام بالمحاسبة على ارتكابه انتهاكات لحقوق الإنسان.

وقال الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية، جوزيب بوريل، في مقابلة إلكترونية مع عنب بلدي، “إذا كنا نريد انتخابات تسهم في تسوية الصراع، يجب أن تعقد وفقًا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (2254)، تحت إشراف الأمم المتحدة، وتسعى إلى تلبية أعلى المعايير الدولية”.

وأضاف، “يجب أن تكون حرة ونزيهة، ويجب أن يسمح لجميع المرشحين بالترشح وإجراء الحملات الانتخابية بحرية، وهناك حاجة إلى الشفافية والمساءلة، وأخيرًا وليس آخرًا، يجب أن يكون بإمكان جميع السوريين، بمن فيهم مَن في الشتات، المشاركة”.

وأكد بوريل أنه “لا يمكن لانتخابات النظام في وقت لاحق من العام الحالي أن تفي بهذه المعايير، وبالتالي لا يمكن أن تؤدي إلى تطبيع دولي مع دمشق”.

كما حذرت الولايات المتحدة، في آذار الماضي، الأسد من أن إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، لن تعترف بنتيجة الانتخابات الرئاسية ما لم يكن التصويت حرًا ونزيهًا وتحت إشراف الأمم المتحدة وممثلًا للمجتمع السوري بأكمله.

ولم تعترف تركيا بالانتخابات الرئاسية السورية، وتعتبرها “فاقدة للشرعية”، لاعتقادها بأن إجراء أي انتخابات في سوريا، يجب أن يكون مقترنًا بوجوب التوصل إلى حل سياسي حتى تكتسب صفة الشرعية.

وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في 20 من نيسان الحالي، “لا شرعية للانتخابات التي ينظمها النظام وحده في سوريا، ولا أحد يعترف بها”.

وأكد جاويش أوغلو أن أنقرة لن تعترف بهذه الانتخابات، مضيفًا، “دعم انتخابات غير شرعية يتعارض مع مبادئنا”.

ولفت الوزير التركي إلى ضرورة أن يدرك النظام السوري استحالة وجود حل عسكري في البلاد، وهو الأمر الذي يحتّم عليه التركيز على المسار السياسي وإيلائه أهمية، معتبرًا في الوقت نفسه أن النظام لا يرغب في الحل السياسي.

كما أعلنت الأمم المتحدة أنها غير منخرطة في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في سوريا، مؤكدة أهمية التوصل إلى حل سياسي وفقًا لقرار مجلس الأمن “2254”.

وخلال مؤتمر صحفي عقده المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، في 21 من نيسان الحالي، علّق على إجراء الانتخابات الرئاسية في سوريا بأنها ليست جزءًا من العملية السياسية التي ينص عليها القرار الأممي.

وحول موقف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من الإعلان عن إجراء هذه الانتخابات وترشح بشار الأسد إليها، قال دوجاريك، “نرى أن هذه الانتخابات ستجري في ظل الدستور الحالي، وهي ليست جزءًا من العملية السياسية، لسنا طرفًا منخرطًا في هذه الانتخابات، ولا يوجد تفويض لنا بذلك”.

 

“استعراضات تفاوضية”

ما أثر عدم الاعتراف بالانتخابات

لا يعتقد الباحث السوري في مركز “عمران للدراسات” معن طلاع، في حديث إلى عنب بلدي، أن استنكار الدول الغربية والمنظمات الدولية للانتخابات العامة في سوريا سيسهم في تسريع عملية الانتقال السياسي، لعدة أسباب تتعلق بجوهر العملية السياسية، أي منطق إدارة الأزمة وهي أقرب لـ“استعراضات تفاوضية” إلى هذه اللحظة، ولم تثمر نتائجها بعد، وبالتالي فالمسار بحد ذاته يعاني من عوامل تعطيل.

ويرى طلاع أن عدم تعاطي النظام السوري سابقًا وحاليًا وربما لاحقًا مع سير العملية السياسية “يدخل من باب قبول الأشياء بإطار شكلي، ومن ثم العمل على تمييعها والتهرب منها”، لأنها لا تجري ضمن القرار “2254”.

ولأن النظام السوري كان مرتبطًا باستحقاقه الرئاسي نفسه، لا يمكن أن يقوم من دونه لتعزيز أوراق تفاوضه مع المجتمع الدولي وتمثيل مصالحه السياسية، وفق الباحث، ولذلك فإن عملية الانتخابات لا تؤدي إلى حلحلة العملية السياسية، بل إلى استعصاء أكثر لهذه العملية، لأن الانتخابات تجري في “صيغة سيناريو التجميد أو ما يعرف بالتمركز الجغرافي”، لأنها تُقام في مناطق سيطرة النظام السوري، وتستثني مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية” والمعارضة في شمال شرقي وغربي سوريا.

التطبيع مرتبط بخارطة مصالح القوى الفاعلة

بحسب الباحث معن طلاع فإن الحديث عن التطبيع مع النظام لا يرتبط بموضوع الانتخابات أو عدمه، بل بتغيير خارطة مصالح القوى الدولية والقوى الفاعلة فيها كالفاعل الأمريكي والفاعل الروسي، فهما يتعاملان مع النظام بمنطق العقوبات التي تسهم بعدم شرعنته، بينما يحاول الطرف الروسي دعمه وشرعنته في العديد من المحافل الدولية، ولكسر هذه المعادلة بعنصر جديد يرتبط بتغيير أدوات أحد الطرفين في التعامل مع الملف السوري.

وجميع الجهات السياسية تدرك عدم شرعية الانتخابات الرئاسية في سوريا على جميع المستويات المحلية والدولية، ولكن الروس سيدفعون، برأي طلاع، بملف شرعنة الأسد للحديث عن ملفات تتعلق بإعادة الإعمار وإعادة اللاجئين، ما سيؤدي إلى ردود فعل للعديد من الدول بفرض المزيد من العقوبات التي تمنع التحاور مع النظام بأي نقطة تتعلق بإعادة الإعمار، ما يجعل تحديات ما بعد الحرب وجودية بالنسبة للنظام السوري.

والانتخابات التي تجري حاليًا في سوريا هي بمثابة “ديكور شكلي”، وفق تعبير طلاع، ضمن استحقاقات هذا المشهد، ولن تقدم أو تؤخر أي شيء في العملية السياسية ضمن سياق التطبيع مع النظام، لأن هذه الجزئية السياسية مرتبطة بسياقات خارج المشهد السوري، والتي هي خارطة الفاعلين وتقاطع مصالحهم.

عسكري سوري يدلي بصوته في مركز اقتراع أثناء انتخابات مجلس الشعب لدورته التشريعية الثالثة وفي الخلفية تظهر صورة لرئيس النظام السوري، بشار الأسد- 19 من تموز 2020 (سانا)

الانتخابات تتعارض مع مسار التفاوض

أين فعالية اللجنة الدستورية؟

تستند الانتخابات الرئاسية في سوريا سياسيًا إلى تجاهل مستمر لمفاوضات النظام السوري مع المعارضة منذ بدء عمل اللجنة الدستورية السورية عام 2019، التي يعتبر هدفها الأبرز هو صياغة دستور جديد للتمهيد لمرحلة الانتقال السياسي في سوريا.

وفشلت محاولات اللجنة الدستورية حتى الآن بتحقيق أي تقدم على الصعيد السياسي، إذ كان الهدف الرئيس من اجتماعاتها المتمثلة بثلاثة وفود (المعارضة والنظام والمجتمع المدني)، صياغة دستور جديد، وتشكيل حكم هيئة انتقالية، وتنتهي بانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، تلبي “أعلى المعايير الدولية” للشفافية والمساءلة، وأن يكون جميع السوريين بمن فيهم اللاجئون مؤهلين للمشاركة.

رئيس اللجنة المشتركة لوفد المعارضة في محادثات اللجنة الدستورية، هادي البحرة، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن الانتخابات المقبلة “لا شرعية”، وهي دليل واضح على أن النظام السوري لا يهتم لحل أزمات السوريين، ولا بتنفيذ قرارات مجلس الأمن.

وأضاف البحرة، “لقد رأى الشعب ما حدث في الانتخابات اللاشرعية السابقة في العام 2014، والجميع يعلم كيف كانت الأوضاع المعيشية والاقتصادية في سوريا حينها، وإلى أين وصلت اليوم”.

وبإجراء الانتخابات الرئاسية، اعتبر البحرة أن النظام يصرّ على المضي بتكرار نفس “الإجراءات الكارثية التي أوصلت سوريا إلى المراتب الأولى للدول التي تعاني من الفقر”.

ويرى البحرة أن هذه الانتخابات ستؤدي إلى تعقيد الأوضاع في سوريا، وأنها لن تلقى اعترافًا ودعمًا إلا من الدول الداعمة للنظام السورية، بحسب رأيه.

كما ربط شرعية الانتخابات بشكل مباشر بإطلاق سراح المعتقلين ومعرفة مصير المغيبين قسرًا في سوريا.

شروط يجب توفرها لدفع التفاوض إلى الأمام

يوجد تعويل على عمل اللجنة الدستورية كفرصة لبناء سياسي جديد في سوريا، من خلال تحقيق مهمتها المحددة بلائحة إجراءاتها المتوافق عليها بين الأطراف المعلنة في مجلس الأمن.

ويكمن تحقيق مهام اللجنة الدستورية من خلال تقديم تنازلات من قبل النظام السوري، وفق ما يعتقده الباحث السياسي في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، في حديث إلى عنب بلدي.

لذا فإن فاعلية اللجنة الدستورية لن تتحقق إلا بشرطين، بحسب علوان، الأول أن تغلب الإرادة الروسية على القرارات السيادية في سوريا على حساب التأثير الإيراني.

ويتجسد الشرط الثاني بأن يقدم المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، المكاسب التفاوضية لروسيا مقابل تنازلاتها للوصول إلى منتجات دستورية، وهذه المكاسب التي تريدها روسيا لا تتوقف على الملف السوري فقط.

فإذا لم يكن هناك أي توافق بين واشنطن وموسكو، فلن تكون هناك أي آفاق في مستقبل اللجنة الدستورية.

وكان المبعوث الأممي وصف الجولة الخامسة من أعمال اللجنة، التي انتهت في 29 من كانون الثاني الماضي، بأنها “فرصة ضائعة ومخيّبة للآمال”، مشيرًا إلى عدم وجود “أي خطة عمل مستقبلية من أجل سوريا حتى الآن”.

وأضاف، في إحاطته لمجلس الأمن بشأن الجولة، “استمر العمل كما في الجولات السابقة، والنهج لم يكن مجديًا، ولا يمكننا التقدم دون تغيير طريقة العمل”.

صورة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، مكتوب عليها عبارات التأييد لترشحه للانتخابات الرئاسية في سوريا عام 2014- (AFP)

بوابة لبناء دولة

كيف تُنظم الانتخابات ما بعد النزاع

تعتبر الانتخابات في مرحلة ما بعد النزاع بوابة لرسم انتقال الدولة من حالة الحرب إلى حالة السلم، باعتبارها حجز الأساس لقيام أي تجربة سياسية ديمقراطية.

وبحسب ورقة لمجلس “البحوث والتبادلات الدولية” (IREX) عن الانتخابات والإعلام في مرحلة ما بعد النزاعات، حصلت عنب بلدي على نسخة منها، تحدثت فيها عن آليات تنظيم الانتخابات في دولة تعاني من أزمات النزاع المسلح، فإن أولى خطوات إجراء الانتخابات في مرحلة ما بعد النزاع، هي تحديد مدى سرعة إجراء هذه الانتخابات، ومعرفة الوقت الأمثل لإجرائها.

وقد تكون الانتخابات بمثابة استراتيجية خروج، كما تُعد وسيلة نحو تحقيق غاية، ربما تكون منقوصة وفوضوية، ولكنها تبقى الطريقة الوحيدة لحل النزاعات المستمرة.

لجنة الانتخابات المستقلة

تُدار الانتخابات في بعض البلدان من قبل سلطة مستقلة تُعرف باسم “لجنة الانتخابات المستقلة”، بينما تُناط مسؤولية إدارة الانتخابات في بلدان أخرى بوزارة داخليتها، في الوقت الذي تنتهج فيه بعض البلدان مزيجًا من الاثنين، وعلى الهيئة التي تدير الانتخابات التأكد من توفر عدة أمور قبل إجراء الانتخابات، مسترشدة بالمعايير الدولية.

وتتألف الانتخابات من عدة مراحل، ومن المهم معرفة ما يحدث في كل مرحلة، وما دور وسائل الإعلام في كل مرحلة من هذه المراحل.

مسؤول انتخابي سوري ينتظر الناخبين في مركز اقتراع مع ملصقات رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وتمثال الأسد الأب خلال انتخابات مجلس الشعب في دمشق- نيسان 2016 (AP)

دور رقابي يلعبه الإعلام

وبحسب الورقة، تلعب وسائل الإعلام دور “الرقيب العتيد” من خلال التمحيص في العملية الانتخابية نفسها، بما في ذلك إدارة الانتخابات، من أجل تقييم مدى استقامة هذه العملية وكفاءتها ونزاهتها.

وتحتاج الانتخابات إلى إطار قانوني انتخابي ضابط، ويمكن لوسائل الإعلام معرفة ما إذا تم وضع الأحكام الدستورية والقوانين الحالية التي تؤثر على الانتخابات، من خلال التحقيق والتحليل فيما إذا كان نظام التمثيل وتصميم الدوائر عادلًا، ليشمل جميع الفئات بما فيها الأقليات.

ويجب على وسائل الإعلام التحقق مما إذا كانت الهيئة المنظمة للانتخابات مجهزة تجهيزًا كاملًا لأداء دورها على أكمل وجه من خلال التحقق من كيفية تعيين مسؤولي الانتخابات، وأن تسلّط الضوء على كيفية شراء المواد الانتخابية، أو إذا ما تم الشراء من خلال مناقصات شفافة؟

وفي البلدان التي مرت في حالة نزاع، عادة ما يتم وضع أحكام خاصة للنازحين في الداخل، للسماح لهم أيضًا بالتصويت، كما توضع أحكام للتصويت من خارج الدائرة الانتخابية، لتمكين اللاجئين من التصويت.

وتدعو بعض الدول مراقبين دوليين لمراقبة انتخاباتها، وتسمح للمراقبين المحليين بمراقبة الانتخابات، إلا أنهم لن يتمكنوا من القيام بذلك ما لم يكونوا معتمدين، ويقوم المراقبون بالرصد والإبلاغ عما يلاحظونه.

وإذا كان هناك مراقبون، فيجب السماح لهم بمراقبة العد بعد انتهاء عملية الفرز، وبمجرد انتهاء العد على مستوى محطة الاقتراع، يتم نقل صناديق الاقتراع إلى مركز تجميع، حيث تضاف نتائج جميع مراكز الاقتراع للحصول على النتيجة النهائية.

المشاركة المدنية

المشاركة المدنية تعني الانخراط في الشؤون المدنية، كما تعني الحصول على معلومات حول القضايا التي تواجه المجتمع، والمشاركة في خلق حياة أفضل للمجتمع بأكمله، وفق الورقة البحثية، والتي تتضمن المشاركة في الحياة المدنية وتولي الأدوار والحقوق والمسؤوليات المرتبطة بهذه المشاركة.

ويحسّن الانخراط في شؤون المجتمع من شأنه، لما ينطوي عليه من سعي حثيث لتحسين الأمور، كما تزيد المشاركة المدنية من المعارف وتجعل المواطنين أكثر وعيًا، وتشجع المشاركة المجتمعية الناس على النظر إلى أنفسهم كجزء من مجتمع أوسع.

بينما رفض المشاركة يعني أن الناس لن يكونوا قادرين أبدًا على تغيير الأمور، بل وتساعد المشاركة المدنية في تعريف الناس باحتياجات مجتمعهم وكيفية حل مشكلاته بهدف إحداث التغيير.