بين نتنياهو وبشار الأسد

ع ع ع

إبراهيم العلوش

لا تختلف الحال كثيرًا بين تصرفات نتنياهو والأسد في المنطقة إلا بكون جرائم بشار الأسد موجهة ضد شعبه، بينما نتنياهو يقصف شعبًا آخر هو الشعب الفلسطيني، والاثنان هدفهما الإذلال والتدمير في سوريا وفي فلسطين!

التلاقي بين نتنياهو وبشار الأسد له أوجه متعددة، وهو ليس وليد المصادفة أو الخطأ العارض، فنتنياهو شارك في حماية الأسد من السقوط بحجة العلاقات الواضحة مع نظامه منذ سقوط الجولان بفضل الأسد الأب، وهو تلميذ إيلي كوهين الجاسوس الإسرائيلي الذي أوشك أن يكون أحد أعضاء القيادة القطرية لحزب “البعث” في الستينيات، لولا نباهة أحد ضباط المخابرات المصرية الذي أسهم بكشفه.

نتنياهو الذي تقصف طائراته الفلسطينيين وتدمر الأبراج السكنية ومكاتب الصحافة العالمية في غزة، يكرّر بروفة صغيرة مما نفذه بشار الأسد ومخابراته في المدن السورية، والاثنان يجهدان في تهجير الشعوب وقتلهم أو زجهم في سجون أبدية بأحسن الأحوال.

بشار الأسد يستمتع اليوم بالغطاء الإعلامي الذي توفره طائرات نتنياهو، ويستمر بمسرحيته الانتخابية ليبقي الشعب السوري رهينة لإرهاب جيشه الطائفي ولجيوش الاحتلال الأخرى، بينما يحاول نتنياهو استعادة منصبه كرئيس للوزراء، بحجة الصخب العسكري والقصف المتبادل مع قطاع غزة واستهداف المدنيين من قبل الطرفين.

طائرات إسرائيل المسيّرة “سيرشر 2” هي نفسها التي ساعدت الأسد في تدمير سوريا، كما قالت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في مقال لها في أيار الحالي، إذ استُعملت من قبل الروس على نطاق واسع في ملاحقة المعارضين السوريين وفي رصد وتدمير المستشفيات والمدارس وتصعيد أعمال التدمير الجماعي في سوريا، وقد قامت روسيا بإعادة تسمية الطائرة الإسرائيلية باسم “فوربوست”.

وعلى المستوى الشعاراتي، يدّعي كل من نتنياهو والأسد بأنهما يدمران البيوت والمدن من أجل محاربة الإرهاب، وكل من لا يوافقهما الرأي أو الأهداف فهو إرهابي، وعلى الطائرات المسيّرة والبراميل المتفجرة أن تستهدفه.

الأسد ونتنياهو يستعملان الأساليب النازية ضد المدنيين، بحجة الحفاظ على الدولة البعثية الحديثة عند الأول، والدولة الحضارية عند الثاني، رغم أن دولة البعث طائفية تستغل المشاعر الدينية الطائفية لتأليب قسم من السوريين ضد أقسام أخرى، وتشجع الغوغاء على رفع شعارات التهجير والإبادة الجماعية ليكسب منها بشار الأسد الخلاص والنجاة بجلده وبكرسيه ولو على حساب دماء مؤيديه ولقمتهم.

أما في حالة نتنياهو فإن إسرائيل التي تخاطب العالم بأنها دولة ديمقراطية وعلمانية في وسط عربي ديكتاتوري وديني، فإنها انتهت إلى أن تكون دولة دينية ترفع شعارات دينية يهودية ضد وجود الفلسطينيين (المسلمين والمسيحيين) فيها. ويتحالف نتنياهو مع اليمين المتطرف لحكم إسرائيل طوال السنين الماضية (فترة حكم نتنياهو تعادل 20% من عمر دولة إسرائيل الرسمية)، وذلك بعدما حاولت إسرائيل بناء سمعتها لدى الأوروبيين كملاذ إنساني للناجين من النازية، يحترم الآخرين المختلفين عنه ويمجد حقوق الإنسان ويحارب الديكتاتورية، إلا إذا كان الأمر يتعلق بالفلسطينيين كبشر، وبالأسد كديكتاتور!

لا يتورع نتنياهو عن ارتكاب أي عمل عسكري مهما كان جسيمًا في سبيل استمراره واستمرار نهجه المتطرف ضد الفلسطينيين، وليس من المستغرب أن تقوم إسرائيل بعملية عسكرية واسعة النطاق لإعادة احتلال قطاع غزة، تسمح لنفسها فيها باستعمال مختلف الأسلحة، وقد يكون من بينها بعض الأسلحة النووية التكتيكية اللازمة لاختراق الدروع والملاجئ.

عند إقامة إسرائيل كان الغرب يخطط لقيام دولة حضارية في الشرق الأوسط تكون قدوة لدوله ولشعوبه، مثلما كانت هونغ كونغ قدوة للصين وللشرق الأقصى ومحرضة للتطور، لكن إسرائيل اليوم صارت عبر نهجها العسكري المتفاقم نسخة عن كوريا الشمالية، التي توزع الأسلحة القاتلة، وتدعم الديكتاتوريات، وترسخ مبادئ التطرف والتمييز العنصري، مسترجعة تحالفها التاريخي مع دولة الفصل العنصري التي كانت قائمة في جنوب إفريقيا، وكانت إسرائيل من أخلص حلفائها، ولعلها لا تزال تحنّ إلى وجودها الذي كان يرسخ أوهام التفوق العنصري والاستكبار على شعوب المنطقة والاستمرار بوصمها كشعوب متخلفة!

نتنياهو وبشار الأسد علامتان تاريخيتان في المنطقة لا يمكن تجاهلهما، ويتشابهان مع قادة وحشيين مثل تيمورلنك وهتلر ونيرون… ولا بد من إنقاذ المنطقة من جرائم هذين النموذجين من الأنظمة التي تستهتر بالقيم الأخلاقية وبحقوق الإنسان، وتستقوي بالطائرات والصواريخ وبالمعتقلات التي تتعفن فيها أجساد الفلسطينيين والسوريين إلى ما لا نهاية!

ومثلما فعل بشار بالسوريين، فإن نتنياهو يستبيح الدماء الفلسطينية بطائراته وأسلحته بلا أي أفق إنساني أو حضاري، وهنا لا بد من تذكّر سخرية محمود درويش وهو يخاطب الإسرائيليين المدججين دائمًا بالسلاح: يتزوجون، يطلِّقون، يسافرون، ويولدون ويعملون ويقطعون العمر في دبَّابةٍ… أهلاً وسهلًا!



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة