“الجيش الوطني السوري” مسلوب الإرادة في ملفات سيادية

عناصر من "الجيش الوطني" في معسكر تدريب بريف حلب الشمالي (وكالة الأناضول)

ع ع ع

عنب بلدي- علي درويش

يسيطر “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا على أجزاء واسعة في ريف حلب ومدينتي رأس العين وتل أبيض شمالي سوريا، إلا أنه يعاني من ضعف وتقصير في إدارة بعض القضايا السورية البحتة، التي يُفترض أنها تقع تحت سيادته.

بعض هذه القضايا داخلية، كعدم التنسيق بين الفصائل، أو الاقتتالات الداخلية بينها، أو منع المهجرين السوريين من دخول مناطق سيطرة “الجيش الوطني”، بينما تتمتع أنقرة بصلاحيات أوسع لتحديد الموقف من هذه القضايا.

منع المهجرين.. أحدث القضايا

ووُجهت انتقادات شعبية لـ”الجيش الوطني” عقب منع دخول مهجري القنيطرة، في 20 من أيار الحالي، من قبل عناصر “فرقة السلطان مراد” التابعة لـ”الجيش الوطني”، وبقاء المهجرين عالقين بعد اجتيازهم حاجز قوات النظام المقابل لمعبر “أبو الزندين” في مدينة الباب، وسط حديث دار عن منع دخولهم من قبل الأتراك لدواعٍ أمنية.

وخرجت مظاهرات شعبية في الباب طالبت بدخول المهجرين، بينما أطلق عناصر من “فرقة السلطان مراد” النار على معتصمين عند معبر “أبو  الزندين”، ما دفع متظاهرين لوصف عناصر الفرقة بـ”الشبيحة”، وهو وصف يطلَق في سوريا على الميليشيات المسلحة التي كانت إحدى أذرع النظام في قمع السوريين.

قضية مهجري القنيطرة ليست الوحيدة، فهي إحدى القضايا التي يجب على “الجيش الوطني” التحكم بها بالكامل دون تدخل الداعم التركي، بحسب ما يراه ناشطون ومحللون سياسيون، كعمليات ملاحقة منفذي التفجيرات.

ما تأثير إدارة الأتراك لهذه الملفات على حساب “الجيش الوطني”

الباحث في مركز “جسور للدراسات” عبد الوهاب عاصي، قال لعنب بلدي، إن استمرار غياب القرار الوطني قد يؤدي إلى “انقسام في هيكل (الجيش الوطني) واصطفافات، ثم تصادم أو توتر مستمر بين الفصائل أو الكتل العسكرية على الموارد والقوة والخطاب”.

ويرى الباحث أن استمرار غياب الرغبة لدى الفصائل، يعوق أي محاولة للانتقال من التنافس إلى التعاون الوثيق، إضافة إلى غياب الجرأة من بعض الفصائل إزاء اتخاذ خطوات أو إجراءات تسهم في بلورة وصياغة قرار وطني، وذلك خشية التصادم مع الفصائل الأخرى.

وفسّر الخبير العسكري العقيد أديب عليوي، في حديث إلى عنب بلدي، الدور التركي في ملفات حساسة بأن الأتراك يعتبرون المنطقة مجالًا حيويًا لأمنهم القومي، موضحًا أن دخول أشخاص دون تنسيق أمني مع القيادة العسكرية لـ”الجيش الوطني” برفع قوائم الأسماء قبل وصول المهجرين، يمكن أن يحدث خرقًا أمنيًا بدخول أشخاص على ارتباط بالنظام.

واعتبر عليوي أن “الخطأ الكبير في قضية إيقاف أو منع المهجرين من الدخول هو إداري”.

ولا يخفى الدور التركي في عملية ملاحقة المطلوبين أمنيًا في المنطقة، وبشكل رئيس عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) أو تنظيم “الدولة الإسلامية”، إضافة إلى منفذي التفجيرات التي تضرب مناطق سيطرة “الجيش الوطني”، دون معرفة الفاعلين في معظم الأحيان.

وفي حال القبض على متهمين بالتفجيرات، لا يعلن “الجيش الوطني” عن سير عملية التحقيق وحتى المحاسبة.

وتصدّرت تركيا الموقف في بعض التفجيرات، كإعلان ولاية هاتاي التركية جنوبي البلاد، في حزيران 2020، القبض على سبعة أشخاص بتهمة تنفيذ 11 تفجيرًا في منطقة عفرين شمال غربي حلب الخاضعة لسيطرة “الجيش الوطني”.

سبقه بحوالي شهرين إعلان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، القبض على منفذي تفجير عفرين، الذي أدى إلى مقتل 42 شخصًا، وكانت جثث معظمهم متفحمة ولم يتم التعرف عليها، كما أُصيب 61 شخصًا، بحسب “الدفاع المدني السوري”.

وفي 24 من أيار الحالي، نفذت الشرطة العسكرية والمخابرات التركية حملة مداهمات في مدينتي الباب دون التنسيق مع القوى العسكرية الأخرى في “الجيش الوطني”.

ولم يصدر أي تصريح سوري أو تركي بشأن العملية، بينما اعتُقل خلال الحملة حوالي 30 شخصًا بتهمة الانتماء أو العمل لمصلحة تنظيم “الدولة الإسلامية”.

كما تعرض الناطق باسم “الجيش الوطني”، الرائد يوسف حمود، للاعتداء على أحد حواجز الشرطة المدنية في ريف عفرين، في 21 من أيار الحالي، وهو ما اعتبره حمود تصرفًا فرديًا لا يمثل جهاز الشرطة، حسب توضيح صدر لاحقًا من قبله، في أوضح الحوادث على عدم التنسيق الأمني داخل “الجيش”.

الانقسام يغيّب السيادة

أوضح الخبير العسكري العقيد أديب عليوي في حديثه إلى عنب بلدي، أن أسباب عدم تحكم “الجيش الوطني” بأمور سورية بحتة، هي “حالة الفصائلية والانقسام الموجودين وسيطرة كل فصيل على معبر، مع وجود معابر غير شرعية تتبع للفصائل”.

وتربط المعابر غير النظامية (معابر التهريب) بين مناطق سيطرة “الجيش الوطني” ومناطق سيطرة النظام و”قسد”.

وهو ما أكده الباحث عبد الوهاب عاصي بقوله، إن “عدم تحكّم (الجيش الوطني) بقرار كثير من القضايا السورية، مرتبط بغياب وجود مؤسسة عسكرية متماسكة أصلًا”.

ولا تزال الفيالق الثلاثة الرئيسة في “الجيش” قائمة على الفصائلية، أي أنّ القرار مرتبط ببعده المناطقي والأيديولوجي والاقتصادي وذلك على حساب الوطني، حسب عبد الوهاب عاصي.

وبرز ذلك في قضية مهجري القنيطرة، إذ منع فصيل “السلطان مراد” دخولهم، بينما تمكّن قسم منهم من البقاء في عفرين نتيجة وجود فصائل تريد إدخالهم، فيما انتقلت البقية إلى مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” في إدلب وجزء من ريف حلب الغربي.

وغياب القرار الوطني في المؤسسة العسكرية، حسب عبد الوهاب عاصي، مرتبط أيضًا بغياب الموارد الذاتية الكافية والمركزية، التي تُشجّع على صياغة خطاب وأحكام أكثر استقلالية، دون أن يؤثر ذلك على تقاطع المصالح اللازم مع القوى الدولية مثل تركيا.

والحل، بحسب العقيد أديب عليوي، هو وجود قوة مركزية من الفصائل كافة (يتم اختيار عناصرها من مختلف الفصائل)، ولا تتبع لأي فصيل، ويتمتع عناصرها بالكفاءة، لإدارة الأمور الأمنية والمعابر.

وأكد عليوي أن الأسباب السابقة، إضافة إلى الفساد، هي سبب تحكم الأتراك أكثر من الحد اللازم، “ولو كانت هناك مهنية وعمل يقوم به خبراء في مختلف الاتجاهات، فإن الإخوة الأتراك سينكفئ دورهم، ولن يتحكموا بهذا الشكل”، على حد تعبيره.

وكان قد أُعلن، في تشرين الأول 2019، بمدينة شانلي أورفة جنوبي تركيا، عن تشكيل “الجيش الوطني” من قبل مجموعة من القادة العسكريين في المعارضة السورية، بقيادة وزير الدفاع في “الحكومة السورية المؤقتة”، ورئيس هيئة الأركان، سليم إدريس.

ويضم “الجيش الوطني” كلًا من “الجيش الوطني” الذي شُكّل في كانون الأول 2017 (يتألف من ثلاثة فيالق وكل فيلق من مجموعة فرق وألوية)، إلى جانب “الجبهة الوطنية للتحرير”، التي شُكّلت من 11 فصيلًا من “الجيش الحر” في محافظة إدلب، في أيار 2018.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة