على أرض محايدة.. اللاجئون السوريون يبتكرون لقاءاتهم

لاجئ سوري يحتضن صديقه في مطار كندا (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – حسام المحمود

“كتبت كتابي على التلفون، وقريبًا رح انزل من تركيا لشوفا لأول مرّة بلبنان”، بهذه الجملة يختصر مرهف، شاب سوري (29 عامًا)، معاناة شريحة من اللاجئين السوريين في مختلف دول اللجوء، وحاجتهم إلى أرض محايدة، ليست بلدهم الأصلي أو بلد لجوئهم، للقاء ذويهم، أو للزواج وإقامة روابط عائلية.

أنتجت المعاناة الإنسانية في سوريا خلال عشر سنوات منذ انطلاق الثورة السورية، ما لا يقل عن 5.5 مليون لاجئ سوري، بالإضافة إلى نزوح 6.7 مليون سوري داخل البلاد، وفق ما ذكرته “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين“، في 11 من آذار الماضي.

وباعتبار أن اللاجئ لا يحق له العودة إلى البلد الذي فر منه ملتمسًا حماية دولة أخرى، كون ذلك يتنافى مع فكرة تعرضه للخطر والاضطهاد، وفقًا لاتفاقية حقوق اللاجئين، اتجه اللاجئون السوريون لابتكار حلول بديلة للقاء ذويهم وأقاربهم المقيمين في سوريا، دون المغامرة بفقدان لجوئهم.

وبعد علاقة خطبة بدأت منذ أكثر من عام، تخللها عقد قران عبر الهاتف، تبادل مرهف الفرحة مع زوجته وعائلتها عن بُعد، بانتظار اللقاء الأول في لبنان، ثم الدخول في معترك تثبيت الزواج لدى الدوائر الرسمية التركية، على أمل لم الشمل في تركيا، حيث يقيم مرهف، وذلك في سبيل النجاة من اللجوء إلى أرض محايدة للقاء خطيبته وعائلتها، وما يترتب على ذلك من مشقات وتكاليف السفر وغياب الاستقرار.

ويشكّل اللاجئون السوريون 8.25% من نسبة اللاجئين عالميًا، حتى نهاية عام 2019، لتكون بذلك سوريا المصدر الأول للاجئين حول العالم.

إجراءات معقدة تسبب تكاليف باهظة

تفرض البلدان المضيفة للاجئين السوريين قوانين صارمة فيما يتعلق بإجراءات لم الشمل التي يكفل تسهيلها تخفيف عبء الانتقال إلى بلدان أخرى للقاء أفراد العائلة والأقارب، أو بناء علاقات اجتماعية وعاطفية، إذ تربط مختلف الدول لم الشمل بالأسرة النواة والأقارب من الدرجة الأولى، كما تستثني الأفراد الذين تجاوزوا السن القانونية (18 عامًا)، وكل ذلك مرهون بوقت طويل لا ضمانات بنيل الموافقة بعده.

علاء شاب سوري (27 عامًا) لاجئ في ألمانيا منذ ست سنوات، اضطر للذهاب إلى السودان ليقيم زفافه ويلتقي بزوجته للمرة الأولى، لكن الفرحة لم تكن كاملة لعلاء، فالزفاف جاء متأخرًا نحو خمسة أشهر عن موعده، بسبب تقييد حركة السفر منعًا لتفشي فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، كما غابت عن الزفاف عائلة “العريس” لارتفاع تكاليف السفر، وعدم قدرته على تغطية نفقات حضورهم.

وبعد إتمام مراسم الزفاف، عاد علاء إلى ألمانيا وزوجته إلى سوريا، بانتظار إتمام إجراءات لم الشمل، التي تتطلب الكثير من الأوراق، والكثير من الصبر أيضًا، باعتبار أن الموضوع يستهلك وقتًا طويلًا من الدراسة وتدقيق الأوراق لدى السلطات الألمانية المعنية.

ومن ضمن الشروط التي تضعها السلطات الألمانية، والتي يصطدم بها الشاب، هو إتمام الزوجة المستوى الأول من اللغة الألمانية في معهد “غوته” الذي لا يقدم خدماته حاليًا في سوريا أصلًا.

وعن سبب اختيار السودان بدلًا عن لبنان للقاء العروسين، تحدث علاء عن وجود مخاوف أمنية لديه من زيارة لبنان الذي يتحكم “حزب الله” اللبناني، المقرّب من النظام السوري، بالأمن فيه، كما يمتلك النظام السوري تأثيرًا أمنيًا هناك، ما يعني الخوف من الترحيل إلى سوريا، أو إعادة اللاجئ من حيث أتى بأفضل الظروف، بحسب رأيه.

وفي أيار الماضي، أقام النظام السوري انتخاباته الرئاسية في السفارة السورية بلبنان، التي شهدت إقبالًا من السوريين، بعضهم مدفوع بالخوف من القبضة الأمنية لـ”حزب الله” في الأماكن التي يقيمون فيها.

ورغم ارتفاع التكاليف التي بلغت ما لا يقل عن أربعة آلاف يورو للقاء علاء بزوجته، أي ما يعادل معاشين ونصفًا كاملين لقاء عمله في مخبز ألماني، يؤكد علاء نيته تكرار التجربة بعد الانتهاء من لم شمل زوجته، للقاء عائلته التي لم يجتمع معها منذ ست سنوات.

ورغم مضي نحو عشرة أشهر على زواج علاء، فإن إجراءات لم شمله بزوجته لم تكتمل بعد.

الفقر الاجتماعي يدفع إلى أرض محايدة

تقوم فكرة اللجوء أساسًا على أن الإنسان مهدد ومعرض لامتهان حقوقه وكرامته وإنسانيته وتهديد سلامته الشخصية، والعودة إلى البلاد التي فر منها تعني أن الأساس الذي يبنى عليه اللجوء أو الحماية لم يعد موجودًا، أي أن اللجوء لم يعد ضرورة، وغيابه لا يهدد حياة الشخص، وفق ما أكده رئيس “تجمع المحامين السوريين الأحرار”، غزوان قرنفل، لعنب بلدي في وقت سابق.

الصحفي والباحث الاجتماعي سلطان جلبي، قال لعنب بلدي، إن ما يقارب نصف السوريين غيّروا مكان إقامتهم خلال الثورة، سواء كانوا لاجئين خارج البلاد أو نازحين داخلها، ما يعني أن عائلات كثيرة تضم ثلاثة أجيال “العائلة الممتدة” تشتتت، وأن نسبة قليلة جدًا ربما استطاعت الاحتفاظ بكل أفرادها ضمن مكان واحد، وطبعًا حالات الشتات هذه لا تنحصر بمكانين، إذ ربما يتوزع أفراد عائلة واحدة على عدة دول.

ويتوزع مئات آلاف اللاجئين السوريين على 130 دولة حول العالم، وفق تقرير لـ”مفوضية اللاجئين” في آذار الماضي.

سلطان جلبي ووفقًا لدراسة يجريها، يرى أن حالة التشتت تترك فقرًا اجتماعيًا وضيقًا في شبكة العلاقات والأنشطة الاجتماعية، وتأثيرًا على التنشئة الاجتماعية للأطفال والعلاقة بين الزوجين ومستوى الرضا والدعم الاجتماعي الذي يمكن أن تتلقاه هذه الأسر.

كما يشير الباحث الاجتماعي إلى محدودية نوعية الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تربط السوريين اللاجئين، كون الأغلبية العظمى من عيّنة الدراسة تقيم علاقاتها أولًا مع أفراد العائلة الممتدة في حال كانوا موجودين ثم الأقارب وهم العائلة الأكبر، تليها علاقات السوريين بسوريين جاؤوا من نفس المناطق التي ينحدرون منها، مع الإشارة إلى أن نسبة السوريين الذين تجمعهم علاقات اجتماعية بسوريين من مناطق سورية مختلفة هي نسبة منخفضة.

وتعني هذه المعطيات أن حالة التشتت التي حصلت أثرت في قدرة السوريين على توسيع شبكة علاقاتهم الاجتماعية ومنح الآخرين ثقتهم، ما دفع ببعضهم للسفر نحو بلدان مختلفة يلتقون فيها بعلاقاتهم القديمة والأكثر ثباتًا، كما أن غياب المحيط الاجتماعي للاجئ في البلد الذي يقيم فيه، يقلّص احتمالية لقاء الشريك المناسب في نفس البلد.

الباحث الاجتماعي حسام السعد أكد لعنب بلدي أن هذه اللقاءات التي تتطلب بلدًا ثالثًا تعمق الشعور بالتشتت الأسري، خاصة مع الصعوبات التي ترافق تنسيق هذه اللقاءات وسفر الطرفين، إضافة إلى أن الزواج بهذه الطريقة، وإضافة إلى كونه ترسيخًا للزواج التقليدي، فربما يكون مهددًا من الأساس بالمصلحة العملية وليس الاقتناع بجدوى هذا الزواج، أي أن الغرض منه لم الشمل ليس إلا.

ويرى السعد أن لهذه اللقاءات إسهامًا إيجابيًا في تحقيق التوازن النفسي للاجئ وإرضاء حنينه للمقربين منه، سيما في حال اختلاف نمط العلاقات الاجتماعية التي تربى عليها عن تلك التي يعيشها في أوروبا، بالإضافة إلى تأثير سلبي أيضًا يتجلى في عدم قدرته على بناء علاقات جديدة في البلد الذي يستضيفه كلاجئ.

ما الحلول الممكنة؟

حول الحلول المقترحة أمام واقع معقد لإجراءات لم الشمل في بلدان اللجوء، يرى الباحث الاجتماعي أن وجود عائلة الشخص بالقرب منه يمنحه الاستقرار والسعادة والقدرة على تنظيم حياته، ويخدم في نفس الوقت مجتمع اللجوء ويجعل الفرد أكثر إنتاجًا، فتسهيل إجراءات لم الشمل يفيد الدول المضيفة من جهة، واللاجئ من جهة أخرى.

ومن الصعب برأي جلبي التفكير بحلول لهذه المعضلة بمعزل عن حل سياسي في سوريا، فلا يمكن الطلب من الدول المضيفة منح اللاجئ حرية العودة إلى بلده ثم استئناف لجوئه، لأن ذك يتعارض مع قوانين تلك البلدان، فالحل يتطلب تسوية سياسية يتاح بعدها للناس حق حرية التنقل وإزالة مخاوفهم.

والالتقاء في بلد ثالث حل نسبي ينتجه السوريون لكن لا يمكن الاعتماد عليه كحل أساسي، فالأولى التسليم بفكرة أن ملايين السوريين في الخارج لا يرغبون بالعودة إلى سوريا في الوضع القائم، لذا من الأفضل للبلدان التي تستضيفهم أن تنظم حياتهم، وتسهل لم شملهم بذويهم.

ويستغل النظام السوري كل فرصة ومناسبة لدعوة اللاجئين السوريين إلى العودة إلى سوريا، في الوقت الذي تفتقر فيه البلاد لأدنى مقومات الحياة المعيشية والاقتصادية ولأبسط الاحتياجات اليومية، وفق ما أوضحه منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي، جوزيب بوريل، تعليقًا على إطلاق النظام برعاية وتنظيم روسيا، في تشرين الثاني 2020، مؤتمرًا لعودة اللاجئين السوريين، غابت عنه الدول الفاعلة في الملف، والدول المضيفة لمعظمهم.

وأكد بوريل حينها أن “الشروط الحالية في سوريا لا تشجع على الترويج لعودة طوعية ضمن ظروف أمنية وكرامة تتماشى مع القانون الدولي”.

واتهم وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، في نيسان الماضي، دولًا غربية (لم يسمها)، بالتعامل مع ملف اللاجئين بطريقة مسيّسة، وعدم تشجيع اللاجئين على العودة إلى بلدهم “تحت ذرائع باطلة”، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة