مسلوبو الوجود.. مكتومو القيد بلا حقوق في حلب

حي في مدينة حلب - 18 تموز 2021 ( عنب بلدي / صابر الحلبي )

ع ع ع

عنب بلدي – حلب

تحاول أميمة (49 عامًا) منذ بداية العام الدراسي الحالي تسجيل ابنيها في المدرسة الابتدائية داخل حي السكري في حلب، لكنها لم تستطع إنجاز ذلك حتى الآن، لأنهما غير مسجلين ضمن دفتر العائلة، ولم يسجّلا في دائرة النفوس الرسمية.

عدم وجود قيد خاص بأبناء أميمة يرجع إلى “الاشتباكات التي حدثت في حلب خلال عامي 2012 و2013″، وفق ما قالته أميمة لعنب بلدي، حينها احترق مبنى دائرة النفوس بما فيه من أوراق ووثائق ونتجت عن ذلك أضرار مادية بالمكاتب والأجهزة المكتبية داخل المبنى، ما أدى إلى خروجه عن الخدمة.

بسبب إهمال إصلاح مبنى دائرة النفوس، لم يتمكن الكثير من سكان حلب من تسجيل واقعات ولادة أبنائهم، أو أُتلفت الوثائق التي تثبت واقعات الزواج في السجلات الرسمية، ويزيد الأمر تعقيدًا حين لا توجد صورة واضحة لدى الناس حول آلية معالجة تلك المشكلة، مع عدم الاعتناء بحجم المشكلة من قبل مؤسسات الدولة المعنية بتوعية الناس حول هذا الموضوع.

أطفال دون حقوق

أيهم (تسع سنوات) ومحمود (سبع سنوات) ابنا أميمة غير موجودين بالنسبة للمؤسسات الحكومية، وبسبب عدم قبول الأطباء تصديق شهادة ولادتهما، ستضطر أميمة (التي تحفظت عنب بلدي على ذكر اسمها الكامل لأسباب أمنية) للذهاب إلى المحكمة ورفع دعوى، لأن أولادها لم يُسجلوا لدى الدولة رسميًا حتى الآن، الأمر الذي سيحرمهم من حقوقهم المدنية في المستقبل، وأول تلك الحقوق حقهم في التعليم.

في 2012، كانت الطرق المؤدية إلى المستشفى غير آمنة بسبب الاشتباكات، فولدت أميمة أولادها بمساعدة قابلة داخل المنزل.

تشكو أميمة مشكلتها فتقول، “منذ عامين ونصف وأنا أحاول تسجيل أولادي، وحاولت الحصول على شهادات ولادة لهم، وذهبت إلى دائرة النفوس في منطقة محطة بغداد، ولكنني لم أستطع تسجيل واقعتي الولادة لأنهما غير مسجلتين أساسًا، ولا أملك المبالغ التي يطلبها موظفو النفوس، الذين يحاولون الرجوع إلى الأرشيف الذي يثبت زواجي”.

يُطلب من أميمة إحضار شهود، ولم تستطع تأمين سوى شاهد واحد، بحسب ما قالته لعنب بلدي، متوقعة ألا يستطيع أبناؤها في العام الحالي الذهاب إلى المدرسة.

تزداد معاناة أميمة كون زوجها توفي أواخر عام 2014، بسبب قصف النظام حي الحيدرية.

يعرّف مكتوم القيد، بموجب  المادة الأولى في قانون الأحوال المدنية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم “26” لعام 2007، على أنه “من كان والده أو والداه مسجلين في القيود المدنية السورية أو ينتمي بأصله للجمهورية العربية السورية، ولم يُسجل ضمن المدة المحددة للتسجيل في قيود السجل المدني”، أي خلال 30 يومًا من حدوث الواقعة.

حال أميمة لا تختلف عن حال أسماء (33 عامًا) التي تزوجت عام 2013، وعُقد قرانها بواسطة شيخ، ولم تستكمل الإجراءات اللازمة لتسجيل الزواج لدى المؤسسات الرسمية المعنية، وبعد ولادتها بتوأم فقدت زوجها عقب خروجه من حي الصاخور شمال شرقي حلب، وحاولت أن تستخرج دفتر عائلة ولكن وثيقة الزواج التي كتبها الشيخ لم تعد موجودة، وفق ما قالته أسماء لعنب بلدي.

وأضافت أسماء (التي تحفظت عنب بلدي على ذكر اسمها الكامل)، “زوجي مختفٍ إلى الآن، بحثت عن أقاربه لكنني علمت أنهم خرجوا من حلب إلى تركيا، الآن لم يتبقَّ لي طريقة لتثبيت زواجي”.

لم تتمكن أسماء من الزواج مرة أخرى بسبب “عدم قبول المتقدمين بتربية أولادي، ولذلك فضّلت البقاء لوحدي وتربيتهم”، بحسب قولها.

هدف أسماء الأول في هذه الفترة تسجيل زواجها من أجل تثبيت واقعة ولادة التوأم اللذين صار عمرهما سبع سنوات، وهما بحاجة إلى بدء تسجيلهما في المدرسة.

“منذ أكثر من ثلاث سنوات وأنا أحاول تسجيل زواجي، ولكن لا تجاوب في دائرة النفوس. راجعت دائرة الشؤون الاجتماعية ولكن لم أتلقَّ أي رد”، أوضحت أسماء، “أملك شهودًا على أن هذين الولدين أبنائي، ولكن يُطلب مني حضور أحد ذوي زوجي، لكن ليس لدي تواصل معهم”.

مشكلة مكتومي القيد تظهر عندما تكون ناجمة عن ولادات نتيجة زيجات جرت خارج مناطق سيطرة النظام السوري ولم تسجل في القيود المدنية، لأن المادة “28” من قانون الأحوال المدنية تشترط تسجيل الزواج قبل واقعة الولادة.

ويُعد تسجيل مكتوم القيد في سجلات الأحوال المدنية الخطوة الأولى للحفاظ على حقوقه المدنية، أبرزها حقه في العيش الكريم، والتعليم، والصحة، وإنجاز المعاملات الحكومية دون أي إشكال.

محاولات لمعالجة المشكلة

يأتي عشرات المراجعين الذين يرغبون بتسجيل أبنائهم في دائرة النفوس بمدينة حلب، ولكن في أغلب الحالات لا يكون الأبوان برفقة بعضهما، أو لا يملكان دفتر العائلة.

وهناك عدة عوامل كانت تدفع الناس لعدم تسجيل واقعات زواجهم خلال السنوات العشر الماضية، وفق ما قاله موظف في دائرة النفوس بمحطة بغداد في حلب لعنب بلدي.

“حدثت حالات ولادة لم تسجل، والكثير من حالات الزواج لم يتم تثبيتها في النفوس، ولذلك عندما أنجب الزوجان الأطفال لم يتمكنا من تسجيلهم، بسبب عدم تسجيل واقعة الزواج في المحاكم، والاعتماد على ما يُعرف بكتب كتاب لدى الشيخ”، وفق ما ذكره موظف دائرة النفوس.

كما أن المطلوبين للخدمة العسكرية، أو للجهات الأمنية، لا يتمكنون أو يتخوفون من تثبيت واقعات الزواج أو واقعات ولادة أولادهم لدى الجهات الرسمية.

وتتفاقم المشكلة عند وفاة أحد الزوجين أو فقدانه، وبهذه الحالات يصبح الأولاد مكتومي القيد، لأن الزواج لم يُثبت ولم تُستخرج وثائق، وحتى إن بعض حالات الولادة حدثت خارج المستشفيات ولم تُثبت تلك الوقائع.

“هناك مئات الحالات التي لم تسجل، وحاليًا تجري دراسة ذلك من أجل تسجيل واقعات الولادة للأطفال المكتومي القيد، ولكن بشرط توفر شهود مع ذوي الطفل وتحمّل مسؤولية الدعوى من قبل الطرفين”، وفق ما أوضحه موظف دائرة النفوس، وهذه الإجراءات تأخذ وقتًا طويلًا، كما يجب دفع غرامة عدم تثبيت الزواج وحالات الولادة.

“خلال العامين الماضيين، سُجلت مئات حالات مكتومي القيد بمعدل أكثر من عشر حالات يوميًا، وبعد تثبيت الزواج يتم تثبيت ثلاثة أولاد أو اثنين، وهذه الإجراءات تستغرق فترة زمنية طويلة، ما يعرقل دخول الأطفال إلى المدارس، فبعض الأطفال لا يُقبلون في المدرسة الابتدائية إلا بتصوير صفحة الأب والأم والأولاد في دفتر العائلة”، وفق ما قاله موظف دائرة النفوس.

وفي تقريره الصادر عام 2017، قال المجلس النرويجي للاجئين، إن “70% من اللاجئين يفتقرون إلى وثائق التعريف الرسمية (الهوية الوطنية) في سوريا، وأفاد أكثر من نصف المستجيبين للتقرير بأنهم “فقدوا شهادة زواجهم أو تمت مصادرتها أو إتلافها أو تركوها خلفهم عند نزوحهم”.

وتواجه كثير من العائلات السورية تحديات ترتبط بفقدان الوثائق الثبوتية أو عدم قدرتهم على تسجيل جميع الواقعات التي طرأت على سجلهم المدني خلال النزوح أو التهجير القسري في السجلات الرسمية، وخروج العديد من المناطق عن سيطرة النظام، وتدمير أو إغلاق دوائر السجلات المدنية، وحصرها والمحاكم في حيّز نطاق سيطرة النظام.

هذه التحديات لا تتمثل بتحسين ظروف الأطفال المكتومي القيد الآنية لتحصيلهم خدمة تعليمية أو صحية أو معيشية كريمة، وإنما تمتد لمشكلات تدخل في آلية حفظ حقهم في التملك ناقشتها عنب بلدي في ملف “بانتظار الولادة القانونية.. مكتومو القيد في سوريا لا يملكون أملاكهم“، وتعقيدات أخرى تحدد مصير مستقبلهم.



English version of the article

مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة