الباب.. مدينة “كل المظاهرات” تحت راية الثورة

مدينة الباب في ريف حلب الشرقي- 25 من كانون الأول 2021 (عنب بلدي/ سراج محمد)

ع ع ع

تفاعلت مدينة الباب، في ريف حلب الشرقي، وعبّرت عن رفضها لظواهر حياتية تخص المواطنين عن قرب، بالتظاهر واللافتات التي ترفع مطالب الناس عاليًا، أمام واقع معيشي متردٍ، ومناخ سياسي جاف، وعوامل مختلفة أسهمت في تكوين مشهد سوري سياسي واجتماعي هشّ ومعقد.

ومع انحسار المظاهرات على مستوى المناطق، بتراجع السيطرة العسكرية للمعارضة على رقعة الأراضي السورية، لمصلحة تقدم النظام مدعومًا بحليفه الروسي، تواصلت المظاهرات في الباب لكنها أخذت أشكالًا ومواضيع جديدة.

وكانت المظاهرات حلّت ضيفًا طويل الإقامة على المجتمع السوري منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، بعد صمت طويل صنعه الاستبداد وتكميم الأفواه، والصورة الذهنية التي يحملها الشعب السوري عن مستوى حرية التعبير في بلاده، والتعامل الأمني مع أي حراك شعبي محتمل من هذا النوع.

وبعد المطالبة بإسقاط النظام بالكلمة، والصوت المرتفع والأغنية، في بدايات الثورة، لعبت المتغيرات العسكرية والسياسية والاقتصادية دورًا في توظيف المظاهرات بأساليب مختلفة، فحملتها من مكان مشتعل عسكريًا، إلى آخر أقل فوضى، وأوقفتها في اتجاه لتطرحها في اتجاه آخر، ما يعني استمرارية التظاهر، ولكن بمطالب مرنة وواقعية تنطلق من الأولويات وأكثرها إلحاحًا بالنسبة إلى المواطن، لا سيما بعد دخول الملف السوري نفقًا طويلًا زمنيًا خلق حالة من التململ، وضرورة النظر إلى احتياجات الحياة اليومية، دون التخلي عن الفكرة الأولى التي نادت بها الحناجر عام 2011، وهي إسقاط النظام.

لقمة العيش ومطالب المعلمين

عايشت مدينة الباب متغيرات أمنية مختلفة خلال الثورة، غيّرت وجه السيطرة على المدينة لأكثر من مرة، فأخرجتها من سيطرة النظام السوري لسيطرة “الجيش الحر” عام 2012، ثم أوقعتها تحت سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية”، مطلع عام 2014، حتى سيطرة فصائل “الجيش الحر” العاملة في غرفة عمليات “درع الفرات” على المدينة منذ شباط من عام 2017.

وأمام تنوّع السيطرة، تتواصل المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، إذ شهدت المدينة، في 21 من كانون الأول الحالي، مظاهرة شعبية لعشرات المتظاهرين، احتجاجًا على سياسة المجلس المحلي في المدينة، إلى جانب مطالب عديدة، جاء في مقدمتها المطالبة بتخفيض سعر ربطة الخبز، وتحسين أوضاع اليد العاملة، ورفع مستوى التعليم، والاستجابة لمطالب المعلمين بزيادة معاشاتهم الشهرية.

مواطنون يشترون الخضراوات في الباب- 25 من كانون الأول 2021 (عنب بلدي/ سراج محمد)

وخلال المظاهرة، حمّل الأهالي المجلس المحلي والمنظمات التركية الداعمة مسؤولية ارتفاع سعر الخبز.

المظاهرة التي حملت شعارات “كرامتنا ورغيف خبزنا خطوط حمراء، نريد قرارنا ورغيفنا”، جاءت بعد يوم واحد من رفع سعر ربطة الخبز إلى ليرتين تركيتين، بزيادة 100 غرام على وزن الربطة السابق، الذي كان 600 غرام، وبسعر ليرة واحدة.

وفي حديث سابق لعنب بلدي، أوضح رئيس المجلس المحلي لمدينة الباب، مصطفى الأحمد العثمان، أن سبب الغلاء الحاصل على ربطة الخبز، هو وقف دعم الطحين من قبل منظمة “آفاد”، وانخفاض قيمة الليرة التركية أمام الدولار.

وفي الأسبوع الثاني من كانون الأول الحالي، نظّم معلمون في الباب احتجاجات ردًا على اتهامات بالتعامل مع النظام، نُسبت إليهم، وطالبوا بمحاسبة من وصفوهم بـ”المسيئين”.

وخلال الاحتجاجات، ومن أمام مديرية التربية في الباب، دعا المتظاهرون إلى تحسين واقع العملية التعليمية في المنطقة، وزيادة الرواتب والأجور التي يتقاضاها المعلمون، وإقالة أعضاء مديرية التربية في مدينة الباب.

وسبق الاحتجاجات بيان صادر عن “نقابة المعلمين السوريين الأحرار”، دان الاتهامات والتهديدات الموجهة للمعلمين في مناطق ريف حلب، وطالب بمقاضاة “المسيئين”.

درعا ومهجّرو القنيطرة

لم تقتصر مظاهرات واحتجاجات الباب على القطاع الخدمي والجوانب المعيشية، إذ خرجت، في أيلول الماضي، مظاهرة في الباب تطالب بالضغط على النظام لفك الحصار عن درعا، وإيقاف انتهاكات النظام في جبل الزاوية.

ونادى المتظاهرون حينها بشعارات الثورة الأولى، ومنها “الموت ولا المذلة”، و”الشعب يريد إسقاط النظام”، و”معليش درعا معليش”.

كما طالب المتظاهرون حينها، عبر اللافتات التي رفعوها، بالوحدة في وجه النظام، منددين بصمت المجتمع الدولي عن حصار درعا وانتهاكات النظام.

وفي أيار الماضي، خرج الأهالي في مظاهرة للمطالبة بإدخال الأهالي المهجرين من القنيطرة إلى الشمال السوري، بعد تهجيرهم من مدنهم وبلداتهم، مطالبين “الائتلاف الوطني السوري” والقوى الفاعلة على الأرض بالتدخل في سبيل تعجيل إدخال المهجرين إلى الشمال.

حسنة الحريري

وفي نيسان الماضي، طالب متظاهرون في الباب، بعدم ترحيل الناشطة الثورية حسنة الحريري، الملقبة بـ”خنساء سوريا”، من الأردن.

كما دعا المتظاهرون إلى نقلها إلى تركيا أو إلى الشمال السوري في حال تعذر بقائها في الأردن، لا نقلها إلى مناطق سيطرة النظام.

وفي حديث سابق إلى عنب بلدي، أكد الباحث في مركز “جسور للدراسات” عبد الوهاب عاصي، أن المظاهرات في مناطق سيطرة المعارضة صارت جزءًا لا يتجزأ من وسائل التعبير لدى أبناء تلك المناطق، للتأكيد على حقوقهم، وفي مقدمتها العيش الآمن والكريم الذي كان النظام السوري سببًا في سلبه، سواء بالنسبة إلى المجتمع المضيف أو النازح.

وشدّد عاصي على ضرورة وأهمية ظاهرة الاحتجاج في الشمال السوري، باعتبارها هاجسًا مرتبطًا بالخوف على مصير المناطق التي يتجمع على أرضها نحو أربعة ملايين سوري، أمام تهديد النظام وحليفه الروسي بشكل متواصل بعمل عسكري، وعدم اتخاذ المجتمع الدولي أي إجراء لوقف إطلاق النار بشكل دائم، وتوفير بيئة مستقرة تضمن العيش الكريم للسكان.

بوّابة حلب الشرقية

تعد مدينة الباب واحدة من المدن القديمة التاريخية، إذ تدل المقتنيات الأثرية فيها، والأعمدة الرومانية، وأقنية الماء التي تعود إلى العهد الآرامي، على قدم وأصالة المدينة، بحسب باحثين.

وأُطلق عليها سابقًا “باب بزاعة”، لتكون أكبر تجمع بشري شمالي سوريا قبيل فتح المدينة في زمن الفتوحات الإسلامية على يد الصحابي الجليل حبيب بن مسلمة الفهري القرشي، سنة 16 للهجرة.

مدينة الباب في ريف حلب الشرقي- 25 من كانون الأول 2021 (عنب بلدي/ سراج محمد)

وتقع المدينة على الطريق الواصل بين مدينة حلب ومدينتي الرقة والحسكة مرورًا بمدينة منبج، ما جعلها عقدة مواصلات مهمة في الشمال.

وأُطلق عليها لقب “بوابة حلب الشرقية”، باعتبارها تبعد عن مدينة حلب 30 كيلومترًا فقط، وعن الحدود التركية 30 كيلومترًا أيضًا.

وتبلغ مساحة الباب وحدها 13 كيلومترًا مربعًا، أي نفس مساحة مدينة إدلب، وأكبر بقليل من مدينة طرطوس الساحلية، وهي أكبر مدن محافظة حلب بعد مركز المدينة، ومنها انطلقت أولى شرارات الثورة ضد النظام، في 8 من نيسان 2011، أي بعد ثلاثة أسابيع تقريبًا على اندلاع الاحتجاجات في درعا.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة