سجن “غويران” يوسّع أسواره في محافظة الحسكة

إحدى بوابات سجن غويران في مدينة الحسكة (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – خالد الجرعتلي

شهدت محافظة الحسكة، منذ مساء 19 من كانون الثاني الحالي، مواجهات عسكرية بين خلايا لتنظيم “الدولة الإسلامية” تسللوا إلى محيط سجن “غويران” الذي يعتبر أحد أكبر السجون التي تضم عناصر وقياديين في التنظيم، ممن اعتقلتهم قوات التحالف الدولي في سوريا خلال عملياتها العسكرية بين عامي 2017 و2022.

تطورت المواجهات مع تمكّن العشرات من السجناء من تجاوز أسوار السجن والانضمام إلى الخلايا التي تمركزت في الأحياء المحيطة بالمنطقة مثل حي الزهور وحي المقابر، إذ استخدمت خلايا التنظيم مع بداية المواجهات سيارة مفخخة فجّرتها على البوابة الرئيسة للسجن.

استمرت المواجهات حتى اليوم الثاني، الأمر الذي دعا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) صاحبة النفوذ في المنطقة إلى فرض حظر تجول في مدينة الحسكة خوفًا من تسلل عناصر التنظيم إلى خارجها.

لم يكن هذا هو الاستعصاء الأول الذي ينفذه عناصر التنظيم داخل سجن “غويران”، إلا أنه كان الأعنف منذ تشييده، إذ استدعت المواجهات تدخلًا مباشرًا من طيران التحالف الدولي الذي ظهر في العديد من التسجيلات المصوّرة يستهدف محيط السجن برشقات من القذائف والأسلحة الثقيلة.

 روايات “قسد” متناقضة.. ماذا حصل في الحسكة

بعد مضي ساعات على اندلاع المواجهات في محيط السجن الذي يتوسط مناطق سكنية في مدينة الحسكة، أعلنت “قسد” سيطرتها على الاستعصاء الذي نفذه عناصر من تنظيم “الدولة” من داخل وخارج السجن، إلا أن الأخبار والتسجيلات المصوّرة الواردة من المنطقة أظهرت استمرار المعارك حتى مساء الجمعة الماضي.

وأعلن تنظيم “الدولة”، في 22 من كانون الثاني الحالي، سيطرته على ثلاثة حواجز في المنطقة، بحسب بيان رصدته عنب بلدي.

ونقل ناشطون وصفحات محلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي  تسجيلات مصورة أظهرت خروج أعداد من السجناء من السجن، في حين شهد محيط حيي الزهور والمقبرة رشقات نارية من قبل طيران “أباتشي”  أمريكي في منطقة الاشتباك ظهر الجمعة الماضي.

كما أظهر تسجيل مصور آخر أسر خلايا التنظيم عنصرًا من “قسد” في حي الزهور بمحيط السجن، بحسب الحديث الدائر بين مقاتلي التنظيم والمقاتل في “قسد”.

تبعه تحديث للوضع الميداني في محيط سجن “غويران” صادر عن المركز الإعلامي لـ ”قسد”قال فيه، إن الوضع “استثنائي” بسبب استخدام خلايا التنظيم المدنيين “دروعًا بشرية”، بالتزامن مع استمرار المواجهات العسكرية.

ونتيجة للمواجهات العسكرية في مدينة الحسكة، فرضت قوات “أسايش” حظرًا كليًا على المدينة مع منع دخولها والخروج منها حتى إشعار آخر، تفاديًا لخروج خلايا التنظيم خارج المنطقة.

بينما تحدثت معلومات رسمية من جانب “قسد” عن حصار التنظيم مدنيين داخل الأحياء المذكورة، ومنعهم من الخروج منها.

وبعدها نشرت قناة “روناهي” المقربة من “الإدارة الذاتية” تسجيلًا مصوّرًا من محيط المنطقة التي تشهد المواجهات العسكرية، ظهرت خلاله مشاهد لحركة نزوح جماعي لمدنيين يعبرون أحد الجسور على مخرج المنطقة.

في حين بقيت المجريات الميدانية داخل الأحياء التي تشهد المواجهات العسكرية مجهولة حتى لحظة تحرير هذا التقرير، إذ لم تصدر توضيحات من جانب “قسد” والتحالف الدولي.

ويقع السجن في أطراف حي غويران عند المدخل الجنوبي لمدينة الحسكة، وهو أحد السجون التي تحتجز فيها “قسد” آلاف المعتقلين الذين ينتمون لتنظيم “الدولة”، وبينهم قرابة أربعة آلاف أجنبي من حوالي 50 دولة.

 إلى أي مدى قد تتطور عمليات التنظيم

بالتزامن مع الهجوم في سوريا، شنت مجموعة أخرى من تنظيم “الدولة الإسلامية” هجومًا استهدف مقرًا للجيش العراقي في محافظة ديالى شمال شرق بغداد، أدى إلى مقتل 11 جنديًا، بحسب وكالة “فرانس برس”.

كما جرت استهدافات متفرقة نفذتها خلايا أمنية في محافظة دير الزور شرقي سوريا ضد قوات “قسد” في مناطق وأوقات متفرقة ما زالت مسجلة “ضد مجهول”، إذ لم يتبنَّها التنظيم حتى لحظة تحرير هذا التقرير.

ولم ينفِ الباحث في شؤون الجماعات “الجهادية” عباس شريفة، احتمالية أن تمتد عمليات التنظيم في سوريا خلال الفترة المقبلة إلى مناطق متفرقة، بينما رجّح أن هذه العمليات ستحافظ على محدوديتها نظرًا إلى صعوبة تحركات التنظيم في المناطق التي تسيطر عليها “قسد” بدعم من التحالف الدولي.

واعتبر شريفة، في حديث إلى عنب بلدي، أن عملية التنظيم الأخيرة في مدينة الحسكة من الصعب احتواؤها بالكامل، إذ ستسفر في نهايتها عن هروب جزء من عناصر التنظيم الموجودين في سجن “غويران”.

وفي أحدث تصريح للقائد العام لـ”قسد”، مظلوم عبدي، قال إن تنظيم “الدولة” حشد معظم خلاياه للهجوم على سجن الحسكة، مؤكدًا أن قواته وبمساعدة من التحالف الدولي تمكّنت من صد الهجوم و”اعتقال جميع الهاربين”، بحسب ما نقلته وكالة “هاوار” المقربة من “قسد”.

وهو الأمر الذي نفاه التنظيم في بيان أصدره عبر حسابه على “تلجرام” مساء 21 من كانون الثاني الحالي، إذ تبنى التنظيم ما أسماه “الهجوم الواسع” على السجن بهدف تحرير عناصره.

“قسد” تستثمر أحداث الحسكة

مع نهاية يوم الجمعة 21 من كانون الثاني الحالي، أصدرت “الإدارة الذاتية”، المظلة السياسية لـ”قسد”، بيانًا جاء على لسان المتحدث الرسمي باسمها، لقمان أحمي، حمّل فيه عدة أطراف مسؤولية الهجوم الذي شنه تنظيم “الدولة” في مدينة الحسكة، معتبرًا أن هدف عمليات التنظيم هو “إفشال (الإدارة الذاتية) التي تشكّل أمل الشعوب في التحرر والحرية”.

وعن الأطراف التي كان لها شأن بهذا الهجوم قال أحمي، إن الطرف الأساسي في هذه العملية ورأس حربتها الرئيس هو خلايا التنظيم السريّة المتبقية في المنطقة، التي تحاول زيادة قوتها البشرية عن طريق رفد نفسها بعناصرها السجناء لدى “قسد”، إضافة إلى النظام السوري الذي يصف “الخلايا الإرهابية” بأنها مجموعات “المقاومة الشعبية”، ودعمه لها إعلاميًا ولوجستيًا، لإضفاء الشرعية وتحميلها طابعًا وطنيًا.

إضافة إلى تركيا وقوات “الجيش الوطني السوري” التي اتهمها بقصف رتل لـ”قسد” على طريق الحسكة تل تمر في أثناء تحركها لمؤازرة قواتها في الحسكة، كما حشدت قواتها على جبهة تل تمر غربي الحسكة “لمنع (قسد) من دعم قواتها في الحسكة ومواجهة هجوم التنظيم على السجن”، بحسب المتحدث.

بينما طالب الرئيس المشترك لمكتب الدفاع في “الإدارة الذاتية”، زيدان العاصي، المجتمع الدولي بخطوات “أكثر فاعلية” للقضاء على تنظيم “الدولة” الذي “يشكّل خطرًا عالميًا”.

وأشار إلى أن التنظيم لا يزال موجودًا ويحاول إعادة صفوفه في سوريا والعراق، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته تجاه التنظيم، كونه ليس خطرًا على سوريا فقط، وإنما يمثل تهديدًا للعالم أجمع.

وفي حديث إلى عنب بلدي، قال الباحث في مركز “جسور للدراسات” أنس شواخ، إن “قسد” تعمل على الاستثمار في هذه الأحداث من خلال إعادة إحياء التنظيم ولو بشكل إعلامي، إذ اعتبر أن وجود التنظيم هو أحد أهم المبررات لوجودها في منطقة شمال شرقي سوريا، واستمرار دعم قوات التحالف لها، خصوصًا مع تكرار الحديث عن إعادة تقييم النشاط الفعلي للتنظيم في سوريا.

ومن الدلالات العديدة التي تحمل هذا التصور، بحسب شواخ، أن انهيار دفاعات “قسد” في السجن وفي محيطه هو أمر “غير مبرر وغير منطقي”، خصوصًا أن “قوى الأمن الداخلي” (أسايش) التابعة لـ”قسد” أعلنت، في 8 من تشرين الثاني 2021، عن إحباطها هجومًا واسعًا جرى التخطيط له من قبل التنظيم لاستهداف سجن “غويران” في الحسكة.

كما أعلنت عن اعتقالها أحد قياديي التنظيم الذين خططوا للهجوم الذي تضمّن استهداف المنطقة بسيارات مفخخة والتسلل إلى محيط السجن، وهو السيناريو ذاته الذي شهدته مدينة الحسكة خلال اليومين الماضيين، إذ من المفترض أن تكون “قسد” احتاطت أمنيًا لمثل هذه المعطيات.

وفي جميع الاحتمالات التي ذُكرت، أشار شواخ إلى أن “إعادة تقييم” قدرة “قسد” على إدارة ملف محاربة تنظيم “الدولة” كقوة محلية أو إدارة السجون التي تضم مقاتليه، أو حتى إدارة مخيم “الهول” الذي نلاحظ الارتفاع الكبير في معدل عمليات الاغتيال داخله، هو أمر يجب القيام به من قبل التحالف الدولي.

لـ”قسد” خبرة بالتعامل مع استعصاءات سجن “غويران”

في عام 2020 وحده، نفذ عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” في سجن “غويران” العشرات من الاستعصاءات داخل السجن، وصل بعضها إلى تحطيم بوابات داخلية فيه، والوصول إلى ساحته الخارجية، إلا أن “قسد” أعادت السيطرة على الوضع بمرور ساعات.

ونفذ أسرى التنظيم، في 19 من أيلول 2020، عصيانًا في سجن “غويران”، وبحسب وكالة “نورث برس” المحلية المقربة من “الإدارة الذاتية”، أغلقت “قسد” الطرق المؤدية إلى السجن واستقدمت تعزيزات عسكرية إلى محيطه وداخله.

كما تحدثت شبكة “الخابور” المحلية حينها عن وصول تعزيزات وانتشار لعناصر “قسد” في حي غويران تزامنًا مع استعصاء نفذه عناصر التنظيم.

هذا الاستعصاء هو الثاني الذي ينفذه عناصر التنظيم في السجن خلال الشهر ذاته، إذ استعصى عناصر التنظيم في 9 من أيلول، وتمكّن معتقلو التنظيم من الوصول إلى باحة السجن، بعد تحطيم باب وأحد جدران السجن حينها، وانتهى بعد دخول وفد من التحالف الدولي لقتال تنظيم “الدولة” إلى السجن.

سبقتهما ثلاثة استعصاءات لعناصر وقياديي التنظيم في سجن “غويران”، في 29 من حزيران   ومطلع شهري أيار ونيسان من عام 2020.

وتدخلت قوات من التحالف الدولي لضبط السجن في استعصاء حزيران وأيار 2021، عبر مروحيات وقوات على الأرض، وساعدت “قسد” في استعادة من تمكّنوا من الفرار خارج أسوار السجن، وأسهمت في ضبط العصيان داخله.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة