الصحافة ومحاكمة “فرانكفورت”.. نقل للجمهور ومسؤولية في حماية مسار العدالة

ع ع ع

عنب بلدي – صالح ملص

طلبت المحكمة العليا في فرانكفورت، غربي ألمانيا، إزالة تقارير إعلامية وحقوقية مفصلة عن محاكمة الطبيب السوري علاء موسى، وعدم نشر إفادات الشهود، خلال الأسبوع الماضي، بسبب قلق القاضي الذي يترأس المحكمة من تأثير تلك التقارير سلبًا على مسار المحاكمة، ويحيل ذلك إلى طرح أحد الأسئلة المهمة عن مدى امتلاك الصحافة السورية أدوات تمكّنها من تغطية المحاكمات الأوروبية الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، والتي من المتوقع أن يتضاعف حجمها في المستقبل.

يكمن خطر طلب المحكمة بشكل أساسي في تحذير القاضي الصحفيين من أنه سيقيّم مصدر معرفة الشهود بوقائع القضية، ويمكنه استدعاء من يتبادلون المعلومات التفصيلية حول المحاكمة.

وبينما تغيب التغطية الإخبارية المرتبطة بالمحاكمات الأوروبية بشكل شبه مطلق ضمن المؤسسات الإعلامية والصحفية الحكومية في سوريا والخاصة الموالية للسلطة، تُصدّر الصحافة السورية “البديلة” نفسها على أنها تعزز ثقافة حقوق الإنسان بين السوريين.

وتظل صورة هذا التعزيز ناقصة، ومن الصعب رسم ملامحها دون معرفة تلك المؤسسات الصحفية كيفية إيصال جمهورها إلى المحاكمات، كجزء من حقهم في فهم مسار عدالتهم، دون تضخيم آثارها أو سلب قيمتها المحققة.

حرية النشر أم سلامة المحاكمة؟

في حين يتم اللجوء إلى التعاطي المباشر مع انتهاكات حرية التعبير والنشر والوصول إلى المعلومات، في إطار المنظومات القانونية والتوعوية والبرامج التنموية، يصعب ذلك مع احتمال أن تهدف حرية النشر إلى التشويش على سلامة محاكمات مهمة مثل محاكمة علاء موسى، إذ يقع المجتمع الحقوقي السوري في جدلية قضيتين من القضايا الحقوقية، وقد يكون لا أولوية في قضية على ثانية.

الأولى هي حرية التعبير والنشر، وحق الأفراد في الوصول إلى المعلومات التي تهم ضحاياهم بمثل هذه المحاكمات، المصون في شرعة حقوق الإنسان، والثانية تتعلق بحق القضاة في حماية قضيتهم التي ينظرون بها من إعطاء وسائل الإعلام معلومات بهدف التأثير على القضية، أو تحسين وضع أحد طرفي القضية عبر نشر معلومات عنها، والتأثير على حجم العقوبة في الحكم النهائي.

من حق الصحفيين الوصول إلى المعلومات والبحث عنها، بمقابل ذلك من حق القضاة أيضًا إبعاد ملفات قضاياهم عن جميع الضغوط الإعلامية، التي تثير الرأي العام نحو معارضة طرف من أطراف الدعوى.

مخاوف مشروعة

يمكّن نشر تفاصيل إجراءات المحاكمات كل من لا تسمح له ظروفه بحضور الجلسة من أن يفهم ويتابع ما يجري فيها، وبالتالي فإن العلانية التي تنتج بواسطة الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام، ليست إلا تكملة وامتدادًا للعلانية المحدودة التي تأخذ شكل حضور الناس للجلسة.

“السوريون لا يستطيعون حضور الجلسات، والحضور هم بضعة أشخاص، لذلك فإن تقييد النشر مصيبة”، وفق تقييم مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبد الله، خلال حديث إلى عنب بلدي، كون هذا التقييد يعني حجب جريمة المتهم ووقائع جريمته عن الرأي العام السوري.

لا يجوز الحد من عملية نشر الصحافة لوقائع جلسات المحاكمات، وفق ما يراه العبد الله، إلا إذا كان هناك سوء أمانة من قصد النشر من شأنه إدخال المحاكمة في متاهات ما يُنشر في الإعلام، واشتراط الأمانة في النشر يرجع إلى سلامة النشر وصدقه، ولا يجوز للناشر أن يحتج بحقه في النشر بسوء نية، لأن حسن النية شرط عام لاستعمال الحقوق.

وتعد وسائل الإعلام في الحالة السورية المصدر الأكثر أهمية في استقاء المعلومات عن حقوق الإنسان لمعظم الناس، بغياب الشفافية في التقارير الحكومية، من خلال طريقتين، أولاهما باعتبار الإعلام مصدرًا للمعلومات عن حقوق الإنسان من خلال التغطية الإخبارية المحلية والدولية وتحقيقات مراسلي الوكالات الدولية، ومن خلال دوره كعامل سياسي ومعنوي يقرر إثارة قضية معيّنة.

والطريقة الثانية تكمن في دور وسائل الإعلام كحامل للمعلومات التي تتبناها منظمات حقوق الإنسان، وهو يعد أهم الجسور وأكثرها فاعلية بين هذه المنظمات والرأي العام، سواء في تغطية موضوعات معيّنة، أو شن حملات في موضوعات معيّنة مرتبطة بملفات المحاكمات الأوروبية.

دور يقتصر على النقل

الصحافة السورية بأغلبيتها هي صحافة تستقطب المعلومات التي تخدم جهة تمويلها، ودور الرقابة على نزاهة المحاكمات ونشر تفاصيلها وتقييمها دون التأثير على إجراءاتها أو على الحكم النهائي فيها يجب أن يكون مشتركًا بين المنظمات الحقوقية والمؤسسات الصحفية، بحسب ما يراه المحامي والناشط الحقوقي السوري المعتصم كيلاني في حديث إلى عنب بلدي.

ويعلل كيلاني وجهة نظره في أن المنظمات الحقوقية منخرطة بدعم الضحايا المدعين أو الشهود، ومهتمة في مراقبة سير وعدالة المحاكمات التي تجري، وبالتالي يجب نقل أخبار المحاكمات “بشكل حرفي استقصائي ودقيق للمعلومة” من قبل تقارير المنظمات الحقوقية، “منعًا لأي مغالطات قد تعوق سير المحاكمات أو قد توصل الصورة بشكل غير دقيق إلى مجتمع الضحايا”.

حديث كيلاني يشير إلى أن الدور الاتصالي للصحافة السورية بشأن المحاكمات الأوروبية بحاجة إلى التحري عن المعلومات، واختبارها، ودراسة التعامل معها قبل قرار نشرها، هذه الأمور بحاجة إلى تطوير أكثر، و”يجب علينا كسوريين بشكل خاص الاستفادة من تجارب المؤسسات الحقوقية والصحفية الدولية في تحريها وعملها في التحقيقات الاستقصائية، للاستفادة منها بالحد الأقصى في تطوير العمل الحقوقي المؤسساتي إضافة إلى الصحفي الاستقصائي”.

كما أن الكتابة عن حقوق الإنسان، أو صناعة التقارير الإعلامية عن المواضيع المرتبطة بالمحاكمات، تمثّل واحدة من وظائف الصحافة السورية في الفترة الحالية، وفق كيلاني، من خلال الاقتراب من الناس وأوجاعهم، ونقل قصص متكاملة يظهر فيها عدم التزام أطراف النزاع المسلح بالقوانين والتعهدات الوطنية والدولية، ما يعني حتمية وجود ثقافة حقوقية واسعة لدى الصحفيين السوريين، لمعرفة كيفية عمل ذلك بشكل احترافي.

تطور العمل الحقوقي السوري المتجه نحو محاسبة شخصيات أو كيانات ضالعة بانتهاك حقوق الإنسان، يجب أن يقابله وجود أولوية لدى المؤسسات الإعلامية السورية للاهتمام بالمفاهيم الحقوقية، من خلال إقامة البرامج والورشات التدريبية بشكل منهجي لتطبيق ذلك على أرض الواقع.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة