نساء يكسرن الصورة النمطية ويحققن نجاحات في إدلب

جانب من عمل النساء قي مركز الدفاع المدني النسائي في إدلب (عنب بلدي/هدى الكليب)

ع ع ع

إدلب- هدى الكليب

تنطلق رهام العمر (33 عامًا) كل صباح باتجاه “مركز الدفاع المدني” النسائي في إدلب، لتنجز مهامها اليومية في تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية للمراجعين من المرضى والمصابين، وتعود بعد مضي ست ساعات من العمل لتنفيذ مهام أخرى في رعاية أطفالها وإنهاء أعمالها المنزلية.

قالت رهام لعنب بلدي، إنها استطاعت التأقلم مع عملها الذي اختارته وجهدت في الحصول عليه من أجل مواجهة ظروف الحياة الصعبة، بعد وفاة زوجها الذي قُتل بقصف الطائرات الحربية لمدينتها معرة النعمان منذ خمس سنوات مضت.

ليست حكرًا على الرجال

لم يكن طريق رهام في إيجاد عملها سهلًا، فواجهت تحديات كبيرة بكيفية إتقان العمل، ودخول مجال جديد لم يسبق أن دخلته النساء، وكيفية تقبّل المجتمع لهذا العمل.

“تحديتُ قرار أهلي برفضهم العمل في هذا المجال الذي لم يعتادوا أن يجدوا النساء فيه، والذي لا يتناسب وقدرة النساء على الانخراط فيه وفق رؤيتهم، كونه يتطلّب الخروج إلى مكان القصف وإسعاف المصابات، ما يعرضهن لمخاطر محتملة متعددة”، وفق ما وصفته رهام حول بداية عملها.

إلا أن رهام تمكّنت بإصرارها من إثبات نجاحها لمن حولها، وأنها قادرة على العمل في أصعب الظروف، وهي ليست ضعيفة كما يراها المجتمع الذي “اعتاد وضع المرأة موضع الضعيف المعال غير القادر على العمل والنجاح والتغيير”، على حد تعبيرها.

رهام واحدة من نساء كثيرات في إدلب وشمال غربي سوريا وضعتهن سنوات الحرب وتداعياتها موضع المعيل بعد فقدان الزوج، ليجدن أنفسهن فجأة مسؤولات عن رعاية أطفالهن والإنفاق عليهم في ظروف بالغة الصعوبة.

وتوجهت مئات النساء في محافظة إدلب إلى العمل بمهن مختلفة في ظل الصعوبات والمخاطر التي يتعرضن لها خلال عملهن، إضافة إلى قلة في الأجور مقارنة بساعات العمل الطويلة، وأنشأت بعضهن مشاريعهن الخاصة التي عملن على نجاحها.

سعدية تنتج وتصدّر

سعدية الحمدو (32 عامًا) حاولت إيجاد عمل في ظل عدم امتلاكها شهادات أو خبرات، إلا أنها كانت مضطرة للعمل بغية إعالة أطفالها الثلاثة بعد إعاقة زوجها الذي فقد ساقه اليمنى في الحرب.

وأمام يأس سعدية من الحصول على فرصة عمل ملائمة، بدأت مشروعها الخاص في إنشاء ورشة تين مجفف، مستفيدة من خبرتها في إعداده وكبسه وتحضيره منذ أن كانت في قريتها جبالة، جنوب إدلب، حين كانت تعمل في أرضها المليئة بأشجار التين، قبل أن تُهجّر منها مرغمة، وتستقر بها الحال في مخيمات “حربنوش”، شمالي إدلب، بعد العمليات العسكرية للنظام السوري وروسيا.

شكّك الكثيرون في نجاح مشروع سعدية الذي لم يسبق لامرأة أن نفذته بمفردها في المنطقة، لكنها تمكّنت بإمكانيات بسيطة وبالمثابرة من التغلّب على مصاعب العمل والمضي به حتى اليوم، ما حقق لها مكاسب مادية ودعمًا معنويًا وسط الظروف السيئة التي تمر بها المنطقة التي أنهكتها الحرب على مدى عقد من الزمن.

وعن سبب اختيارها المشروع، قالت سعدية لعنب بلدي، إن اشتهار إدلب بمواسم التين ذي الجودة العالية، وعدم الحاجة في هذه المهنة إلى رأس مال كبير، دفعها دون تردد للقيام بمشروعها، الذي يعتمد في تنفيذه على مراحل متعددة.

تبدأ مراحل كبس التين المجفف بتخزينه وتعقيمه في مستودع خاص يحميه من الرطوبة والحشرات، ثم تأتي مرحلة “التبييض” التي تُستعمل فيها أحواض الماء التي يُضاف إليها مواد مبيضة لتزيل كل الشوائب من الثمرة وتظهر بمظهرها النقي الجميل، ثم يُعرض التين على الهواء الطلق مباشرة لتجفيفه تمامًا، وهنا تبدأ مرحلة فرز التين بحسب الجودة.

وهناك عدة أنواع للتين الذي يتم فرزه، الأول هو “البياضي” أو ما يسمى “الزهرة”، والثاني يقال له “الوسطي”، أما النوع الثالث والمنخفض الجودة فيدعى “القرقوش” أو “العلفي”.

وتنتهي المرحلة الأخيرة بدق ثمار التين ضمن قوالب متنوعة ومتعددة الأحجام لتأخذ شكلها النهائي، فهناك قوالب تتسع لنصف كيلوغرام، وأخرى تكون أصغر حجمًا وتتسع لـ250 غرامًا، ثم تُغلّف وتُباع، بحسب سعدية.

وتواجه سعدية مصاعب تتعلق بالتسويق، نتيجة ركود الأسواق الداخلية، غير أنها بدأت تجد سبيلًا آخر بالتصدير إلى الأراضي التركية، ومنها إلى مختلف المناطق والبلدان بالتعاون مع عدد من التجار، وفق ما قالته لعنب بلدي.

كسر الصورة النمطية

المرشدة الاجتماعية صبا حاج حسين تحدثت لعنب بلدي عن دور المرأة وتحدياتها لواقعها في شمال غربي سوريا، مشيرة إلى أن النساء السوريات محاصَرات بالثقافة التقليدية السائدة في المجتمع، والتي لا تؤمن كثيرًا بالأدوار الإنمائية والإنتاجية للمرأة على حساب دورها الإنجابي والاجتماعي والتربوي في دائرة الأسرة المحلية، إلا أن بعض النساء تمكّنّ من كسر الصورة النمطية، والعمل في أصعب الظروف وأقساها، محققات نجاحات ملحوظة على الصعيد الشخصي.

وسبق أن أعدّت عنب بلدي ملفًا بعنوان “فهم ديني أم نزعة ذكورية.. من يحكم النساء في الشمال السوري“، عُرض فيه التخبط في الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للنساء في الشمال السوري، وسط تضييق على الحريات الشخصية التي من أبرزها غياب ضوابط وقواعد تعامل السلطات القائمة مع المرأة، ودخول الفهم المحدود للدين في آليات العلاقة مع أدوار المرأة، أو الموروث والعادات الاجتماعية التي تغلب عليها النزعة الذكورية.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة