غسان الجباعي.. الكتابة أداة للخروج من عتمة السجن

المسرحي والروائي السوري غسان الجباعي في مشهد من فيلم "فوق الرمل.. تحت الشمس"

المسرحي والروائي السوري غسان الجباعي في مشهد من فيلم "فوق الرمل.. تحت الشمس"

ع ع ع

“أنا بالأساس لست كاتبًا. أنا مخرج مسرحي، لكن عتمة جوا (الزنزانة) خلتني صير كاتب”، يقول غسان الجباعي هذه الكلمات في فيلم “فوق الرمل.. تحت الشمس” الذي استند فيه مخرجه محمد ملص إلى إحدى القصص القصيرة التي كتبها الجباعي في مجموعته القصصية “أصابع الموز”، بالإضافة إلى مسرحية “القفص” للكاتب نفسه.

يظهر الجباعي، الذي توفي في 7 من آب الحالي، في الفيلم بلباس المعتقل، حاملًا على أكتافه القضبان الحديدية، يحكي للكاميرا عن عذابات السجن التي عاشها خلال عقد من المآسي والآلام.

في معظم إنتاجه الأدبي، تعيش الشخصيات التي خلقها خيال الجباعي في عالم السجن السياسي، وقد كتب الجباعي القصة والمسرحية المذكورتين خلال وجوده في السجن.

عتمة السجن صنعت من الجباعي كاتبًا، كأداة للبوح والتعبير، وتعد كتابة التجربة السجينة ظاهرة إبداعية وشهادة حية لعلاقة المعتقل بجلاده، توثق استبداد السلطة وطغيان الأنظمة الدكتاتورية، ومؤشرًا مهمًا لإعادة فهم منطق علاقة الفرد بالسلطة وتشكيل مفهوم أعمق عن الحرية.

السجن في كل الصفحات

تحدث غسان الجباعي عن قسوة المعتقل في عدة أمكنة بإنتاجه الأدبي، ومنذ مجموعته القصصية الأولى “أصابع الموز” التي صدرت عام 1994، وحتى مجموعته الشعرية “أنام على حجر”، يظهر أنه من الصعوبة أن يخفى أثر وتأثير المعتقل في نفسه.

السجن هو المسرح الرمزي لأحداث روايات الجباعي، تتوالى شهادات سرده عن واقع التعذيب والاضطهاد من طرف جلاديه ثمنًا لنضاله ومواجهته غطرسة السلطة وبطش النظام.

ومن رحم هذه المعاناة، ينسج الجباعي حكايته التي يستمد مادتها مما يدور في السجن، موغلًا في نبش تفاصيل ذاكرته في ارتداد زماني واضح بين فترة الكتابة في الحاضر وفترة الاعتقال في الماضي، التي امتدت بين 1982 و1991، في سجني “تدمر” و”صيدنايا”، وبينهما تفاصيل سيرة السجن بكل دقائقها وجزئياتها.

تتولد الكتابة لدى الجباعي من واقع الفراغ الذي عايشه الكاتب في السجن، فحين يقول “عتمة جوا خلتني صير كاتب”، يتحدث عن تفكيره في اتخاذ الكتابة نشاطًا يسد به ما يحسه من فراغ بين جدران السجن، حيث يكون السجين على يقين أن الكتابة هي الوسيلة المثلى لطرد الشعور بالوحدة والملل.

يصر الجباعي على تذكير جمهوره بآلام المعتقل، فيقول في قصيدة “أيها الجنرال الصغير” المكتوبة عام 2014:

“عندما تنتهي الحرب
سنعلّق هذه المدن المحروقة
أوسمة على صدرك
لا شجر فيها ولا عصافير
أيها الجنرال الصغير
عندما تنتهي الحرب
تتحول الأرواح إلى نواقيس
وصرخات النساء إلى أجراس
تتأرجح في أذن الأرض
عندما تنتهي الحرب
تتحول أصابع المعتقلين إلى نايات
وأصابع الأطفال إلى أقلام رصاص
ومحّايات
عندما تنتهي الحرب
تتحول الأقنعة إلى وجوه
والأحداق الشاخصة
إلى قناديل
تضيء دياجير
هذا العالم الموحش
عندما تنتهي الحرب
تتحول عظام الموتى إلى سلالم
وسواعد الأحياء إلى رافعات
ودموع الأمهات إلى غدير
فإلى أي شيء ستتحول أنت
أيها الجنرال الصغير؟!”



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة