ع ع ع

جنى العيسى | حسن إبراهيم | صالح ملص

في منتصف نيسان 2014، اجتمعت نحو 40 رابطة وهيئة شرعية (لم تُعرف أسماؤها بالضبط) لتُعلن تأسيس “المجلس الإسلامي السوري”، الذي ضم حينها عدة علماء دين وهيئات شرعية وروابط علمية سورية.

إعلان تأسيس “المجلس” جاء بهدف “سد الفراغ من غياب مؤسسات الدولة وانحسارها في المناطق المحررة”، وبالخط العريض “لجمع كلمة العلماء والدعاة وممثلي الكيانات الشرعية، وتوجيه الشعب السوري، وإيجاد الحلول الشرعية لمشكلاته وقضاياه، والحفاظ على مسار هويته وثورته”.

لكن “المجلس” لم يُسجّل له، منذ إعلان تأسيسه وحتى الآن، إسهامه بشكل واضح بحل مختلف القضايا التي يعانيها معظم السوريين، ولطالما رافق ظهور “المجلس” منذ ذلك الوقت، تشكيك من السوريين أنفسهم بمدى انخراطه الفعلي في قضاياهم، الحالة التي تفاقمت خلال الأشهر الماضية.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف وظيفة “المجلس الإسلامي السوري” ونطاق عمله الذي أُسس من أجله، وحجم وجوده وتأثيره على السوريين في مختلف النواحي الاجتماعية والدينية والعسكرية.

كما تسلّط الضوء على نواحي التقصير التي تتخلل عمله وتناقض أهدافه، وسط تساؤلات عن ضرورة الرقابة المستقلة التي يجب أن يخضع لها.

أمام جبل الهموم.. أين “المجلس”؟

يُعنى “المجلس الإسلامي السوري” بقضايا الشأن العام المتعلقة بالسوريين ضمن سلم أولويات “ملتصقة بالواقع، وغير منفصلة عما يتعرض له السوريون”، بحسب ما قاله المتحدث الرسمي باسم “المجلس”، الشيخ مطيع البطين، في حديث إلى عنب بلدي.

ويضم “المجلس” 255 عضوًا منتسبين لهيئته العامة، يتمثلون بـ”آلاف” الدعاة والعلماء، كونهم يمثّلون العديد من الروابط والهيئات الإسلامية والمجالس الشرعية، ويوجد قسم كبير منهم في مناطق الشمال السوري، وقسم آخر في تركيا، وقسم ينتشر حول العالم أيضًا، بحسب البطين.

واعتبر البطين أن “المجلس” ما دام يضم أهل علم ومرجعية فيكون المرجو منه في هذه الحالة بيان الكلمة والموقف، ثم التوجيه، موضحًا أن عمل “المجلس” يتمحور حول بيان كلمته في قضايا تهم السوريين.

وبالنظر إلى أولويات “المجلس الإسلامي” والقضايا التي يهتم بمتابعتها، التي جاءت على لسان المتحدث الرسمي، تبرز نواحٍ تغيب عن تركيزه، وسط عشرات المشكلات التي يعانيها السوريون على مختلف مناطق توزعهم، أبرزها الشمال السوري وتركيا حيث يملك “المجلس” مكاتب رسمية فيها.

اجتماع أعضاء “المجلس الإسلامي السوري” في مدينة اعزاز في ريف حلب الشمالي- 8 من آب 2021 (الموقع الرسمي للمجلس)

الشمال السوري..

حضور على الأرض يوازيه انقسام في التأثير

ينشط حضور “المجلس الإسلامي” في الشمال السوري في كل من مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي، ومدينتي رأس العين وتل أبيض، الواقعة تحت سيطرة “الحكومة السورية المؤقتة” المظلة السياسية لـ”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا.

وعززت حضوره في ريف حلب زيارة أجراها رئيس المجلس، الشيخ أسامة الرفاعي، إلى مدينة اعزاز في آب 2021، وضع خلالها حجر الأساس لمبنى “المجلس” في المدينة، بالإضافة إلى اجتماعه بوزارة الدفاع في “المؤقتة” وعدد من قيادات “الجيش الوطني”، وزيارته لجامعة “حلب الحرة”، ضمن لقاءات وزيارات متتالية للمنطقة.

وبالإضافة إلى الجانب الديني والدعوي والإرشادي لأعضاء “المجلس الإسلامي” من خلال حلقات التوجيه المعنوي، والمعاهد الشرعية، ولجان الإصلاح والتحكيم، دخل “المجلس” في قضايا عسكرية شائكة أثارت الجدل في المنطقة، وعرّضته للعديد من الانتقادات والاتهامات.

يحظى أعضاء “المجلس” بحاضنة شعبية وحتى عسكرية بالتفاف بعض الفصائل حول كلمتهم، في هذه المناطق التي تكثر فيها الانتهاكات والاقتتالات والاشتباكات، لكن محل الانتقاد مفاده أن التشكيلات العسكرية والسياسية في المنطقة تتحكم بالمجلس ومشايخه وتورطهم بقراراتها، لا العكس.

انتقادات وتراشق تُهم

طال “المجلس الإسلامي” العديد من الانتقادات والاتهامات، بانحيازه لفصائل عسكرية معيّنة تنضوي تحت راية “الجيش الوطني” على حساب فصائل أخرى تنتمي أيضًا لـ”الجيش الوطني”، سبقتها اتهامات تمحورت حول لعبه دورًا في تعزيز الانقسام بين فصائل “الجيش الوطني” و”هيئة تحرير الشام” صاحبة النفوذ العسكري في إدلب، وانحيازه للفصائل على حساب “الهيئة”.

وظهرت الاتهامات بالانحياز إلى “الفيلق الثالث- الجبهة الشامية” (فصيل يتبع لـ”الجيش الوطني” يحظى أعضاء “المجلس” بشعبية ودور فعال فيه)، عقب فتح باب المحاسبة من خلال تشكيل لجنة من ثلاثة شيوخ يتبعون لـ”المجلس الإسلامي”، بتوافق شخصيات عسكرية في المنطقة للتحقيق بانتهاكات ارتكبتها “فرقة السلطان سليمان شاه” (العمشات) بقيادة محمد الجاسم (أبو عمشة) دون غيرها من الفصائل، رغم وجود انتهاكات ترتكبها فصائل أخرى.

 في 10 من كانون الأول 2021، شُكّلت لجنة ثلاثية “حيادية” ضمت كلًا من الشيخ عبد العليم عبد الله، والشيخ أحمد علوان، والشيخ موفق العمر، وهم أعضاء في “المجلس الإسلامي السوري”، للتحقيق في انتهاكات “العمشات”.

لم يكن الشيخ أسامة الرفاعي و”المجلس الإسلامي السوري” من الموقّعين على قرار تشكيل اللجنة، لكنهما داعمان لقراراتها.

ورغم إثبات اللجنة انتهاكات الفصيل وقائده، واتخاذ قرارات طلبت تنفيذها، لم يخضع “أبو عمشة” للمحاسبة بعد إدانته.

إلى جانب “الوطني” في مواجهة “تحرير الشام”

يتعرض “المجلس” أيضًا لانتقادات بتعزيز الانقسام بين “الجيش الوطني” و”هيئة تحرير الشام، إذ علّق “المجلس” في أكثر مناسبة  خلال السنوات الماضية على هجمات سبق لـ”تحرير الشام” القيام بها ضد فصائل “الجيش الوطني”، واصفًا إياها بأنها “بغي واعتداء سافر”.

كان آخر هذه البيانات في 19 من حزيران الماضي، إذ أصدر “المجلس الإسلامي”  بيانًا بعد اقتتال بين فصائل تتبع لـ”الجيش الوطني” تحركت إثره أرتال لـ”تحرير الشام” تجاه ريف حلب.

واعتبر “المجلس الإسلامي” أن التحرك العسكري لـ”الهيئة” نحو مناطق سيطرة “الجيش الوطني”، “بغي محرّم بشكل قطعي”، وناشد عناصر “تحرير الشام” ألا يكونوا “بغاة”، داعيًا مكوّنات “الجيش الوطني” لصد “العدوان كونه واجبًا شرعيًا”.

من جهتها، انتقدت “تحرير الشام” موقف “المجلس الإسلامي”، ودعته لأن يكون منبرًا للإصلاح “لا لبث الفتنة”، مشيرة إلى أن “الفتوى أمانة، وتسييسها خيانة لإرث العلم وأهله”.

ودعت “المجلس الإسلامي” إلى الكف عن استخدام مسمى “المجلس” و”تأليب الفصائل ضد بعضها تحت دوافع وثارات”، مضيفة أن أعضاء “المجلس الإسلامي” يحملون في كل مرة “كفل الدماء” بفتاواهم “العابرة للحدود”، وهم يسكنون خارج المنطقة “آمنين”، بحسب تعبير البيان.

 انحياز يعزّز الانقسام

الباحث السوري المتخصص في الحركات الدينية الدكتور عبد الرحمن الحاج، اعتبر في حديث إلى عنب بلدي، أن احتضان الشيخ أسامة الرفاعي و”المجلس الإسلامي” من قبل فصيل “الجبهة الشامية” عزّز الانقسام، ليس فقط بين “الجيش الوطني” و”الهيئة” بل أيضًا بين “الجبهة الشامية” والفصائل الأخرى في ريف حلب، وأن الانقسام بطبيعة الحال كان موجودًا لكن انحياز “المجلس” عمّقه.

واعتبر الدكتور الحاج أن هذا الانقسام سيضعف “المجلس”، ويحوله إلى طرف، ما سيقلل من قدرته على التأثير في فض المنازعات بالشمال، ولعب دور فعال في المجتمع في الشمال السوري ككل، على الرغم من تنشيط حضوره بشكل لافت واختلاطه بالناس أكثر خلال الفترة الماضية.

ويرى الباحث أن “المجلس” وجد في “الجبهة الشامية” جهة ذات مصداقية يمكنه الاعتماد عليها في إيجاد موطئ قدم له على الأرض، معتبرًا أن “المجلس” ينخرط في النزاعات مدفوعًا برغبة منه في التأثير على الأحداث اليومية في حياة السوريين بالشمال، أكثر من أن تكون حالة تورط بها.

ويعد فصيل “الجبهة الشامية” من أبرز مكوّنات “الجيش الوطني”، ويحظى أعضاء “المجلس الإسلامي” بحاضنة شعبية ضمنه، كما يشرف أعضاء بارزون في “المجلس” على العديد من حملات الإرشاد والتوجيه المعنوي لعناصر “الجبهة”.

من جهته، نفى المتحدث باسم “المجلس الإسلامي”، الشيخ مطيع البطين، في حديثه إلى عنب بلدي، مسؤولية “المجلس” عن هذا الانقسام، مشيرًا إلى أنه “ضد أي اقتتال ويعمل على إيقافه، وذلك وفقًا لإمكاناته، كما يدعم (المجلس) أي محاولة لتوحد هذه الفصائل، لكنه أيضًا ضد أن يبغي أي فصيل كان على آخر”.

وأوضح البطين أن “المجلس الإسلامي” أدان العديد من الاقتتالات والمظالم وقضايا الفساد، منذ اقتتال المعارضة في الغوطة بريف دمشق عام 2017، وحتى الاقتتالات الأخيرة في مناطق الشمال السوري.

ولا يقتصر أمر الإدانات، بحسب البطين، على إصدار “المجلس” للبيانات، لافتًا إلى أن إدانات أعضاء “المجلس”، على رأسهم الشيخ أسامة الرفاعي، كانت حاضرة دومًا في زياراتهم وجلساتهم في الشمال.

أعضاء “المجلس الإسلامي السوري”- (الموقع الرسمي للمجلس)

“يطمح (المجلس الإسلامي السوري) لأن يتحول إلى مرجعية دينية لفصائل الثورة منذ البداية، لكنه فشل في تحقيق ذلك.

ومع ذلك بقي وجوده مهمًا لأنه يشكّل مرجعية دينية مؤثرة في مواجهة الخطاب المتطرف”.

الباحث السوري المتخصص في الحركات الدينية الدكتور عبد الرحمن الحاج

توحيد الفصائل.. مشروع جهوده “الكلمة”

رغم نشاط أعضاء “المجلس الإسلامي” في مناطق ريف حلب، سواء بخطابهم الذي دعا إلى توحيد الصفوف بين الفصائل، أو محاولة بعض أعضائه محاسبة مرتكبي الانتهاكات في قضايا طفت على السطح، وأثارت جدلًا واسعًا، فإن مساعي “المجلس” في هذه القضايا لم تتكلل بالنجاح.

وتعد قضية التحقيق بانتهاكات “أبو عمشة” وفصيله من أبرز القضايا التي واجهت “المجلس الإسلامي”، إذ شهدت القضية تدخلًا من رئيس “المجلس”، الشيخ أسامة الرفاعي، عبر تسجيل صوتي، تحدث فيه عن تشكيل لجنة للتحقيق في الانتهاكات، داعيًا لعدم التحريض خلال عمل اللجنة، حقنًا للدماء، مؤكدًا إرساله دعوات لعدة أشخاص من الداخل السوري لإنهاء حملة التهديدات والتحريض، حتى انتهاء التحقيق وانتظار النتائج، للمساعدة في إنهاء المشكلات وتحقيق العدالة.

وسبق التسجيل الصوتي ظهور الرفاعي، في 25 من تشرين الثاني 2021، في أول كلمة ألقاها بعد تعيينه، خاطب “الثوار الحاملين للسلاح” قاصدًا فصائل المعارضة في سوريا قائلًا، “ما لم نوحد صفوفنا، فلا نحلم بالنصر أبدًا”، طالبًا منهم أن يبتعدوا عن الظلم والقهر “الممارَس بين بعضنا”، وأن يكونوا “إخوة متآلفين متعاونين متآزرين على إقامة الحق”.

من جهته، اعتبر الدكتور عبد الرحمن الحاج، أن “المجلس الإسلامي” لا يملك تأثيرًا مباشرًا على الفصائل لعدة أسباب، منها أن السلطة الدينية لـ”المجلس” رخوة، والجهد الكبير الذي يحتاج إليه لتحقيق هذا التأثير، بالإضافة إلى أن القرار الفعلي في توحيد الفصائل يرتبط بأسباب اقتصادية وبنفس الوقت بأسباب سياسية تتعلق بارتباطات الفصائل بجهات إقليمية.

لو كان قرار توحيد الفصائل بيد (المجلس الإسلامي السوري) لرأينا كل الفصائل الآن متوحدة، للأسف هذا القرار ليس بيده، مع العلم أن الجميع يبدي الاحترام لـ(المجلس) ويتعامل معه كجهة مرجعية.

والآن يبذل (المجلس) كل الجهود الممكنة من أجل دعم أي مشروع للتوحيد، ولكن بالكلمة، فهذا هو النطاق المتاح له وهذه إمكانيته الحقيقية.

المتحدث باسم “المجلس الإسلامي السوري”، مطيع البطين

بعيد عن إدلب

ابتعد نشاط “المجلس الإسلامي” وأعضائه عن مناطق سيطرة “تحرير الشام” التي تشمل محافظة إدلب وجزءًا من أرياف حلب الغربية واللاذقية وسهل الغاب شمال غربي حماة، لوجود شرخ واضح تجلى ببيانات “المجلس” المتتالية بإدانة بعض أفعال وتحركات “تحرير الشام”، قوبلت ببيانات مماثلة من الأخيرة.

ولا تتضمّن مناطق سيطرة “تحرير الشام” أي مقرات أو مكاتب رسمية لـ”المجلس الإسلامي”، مع وجود بسيط لعدد من الأفراد التابعين لـ”المجلس”، دون أن يكون لنشاطاته وجود أو حضور واضح يتمثل بهم.

وقوبل بيان “المجلس الإسلامي” حول دخول أرتال لـ”تحرير الشام” إلى مناطق بريف حلب، في حزيران الماضي، بكلمات وخطابات لشرعيي “الهيئة”، أبرزهم الشرعي عبد الرحيم عطون، الذي انتقد عمل “المجلس” ودوره، وتعيينه الرفاعي مفتيًا دون مشاورة، وانحيازه لبعض الجهات دون أن يسميها.

وكذلك قال الشرعي في “الهيئة”، مظهر الويس، إن أكثر ما أضر بالساحة الفتاوى “المسيّسة والمعلّبة”، التي أسهمت في زيادة “الفرقة والشرذمة، ولم تصلح دينًا ولا دنيا، وكررت الخطأ ذاته”، وذكر أن فتاوى “المجلس الإسلامي” نموذج لذلك.

في حين كان منشور القيادي في “الهيئة”، “أبو ماريا القحطاني”، أشد لهجة قائلًا، إن عمائم “الشيعة العفنة” رغم كل خلافاتهم يؤيّدون حشدهم ويسعون لمنع أي خلاف بين فصائلهم، ولكن “المجلس السوري” جميع بياناته مسيّسة وذات طابع سياسي.

الباحث السوري المتخصص في الحركات الدينية عبد الرحمن الحاج، قال إن “المجلس الإسلامي” استطاع أن يكون مرجعية دينية تتجاوز كل المجموعات الإسلامية، خصوصًا بعد أن منح الشيخ أسامة الرفاعي لقب “مفتي الجمهورية”.

وأكد الدكتور الحاج وجود خلاف في الخطاب الديني بين الطرفين، فالخطاب السائد في منطقة سيطرة “تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقًا) سلفي جهادي، في حين أن مرجعية “المجلس” صوفية ومذهبية تقليدية (المذاهب الأربعة)، ولكن هذا الخلاف يمكن أن يُدار ولا يؤدي إلى مشكلات، بحسب الحاج.

وطالما أن خلفية الخطاب مرتبطة بموقف سياسي، بحسب الدكتور الحاج، فإن من الصعب أن تُدار الخلافات، ومع ذلك لا تستطيع “هيئة تحرير الشام” منافسة “المجلس” في موضوع الخطاب الديني، لأن السلفية في النهاية لا تحظى بقبول اجتماعي واسع.

ملفات غائبة.. السوريون في تركيا نموذج

وسط غياب جهات قانونية أو حقوقية تحمي اللاجئين السوريين في تركيا، تتكرر العديد من الانتهاكات العنصرية ضدهم، كما يتعرضون في بعض الأوقات لعمليات ترحيل “عشوائية” دون ضوابط واضحة، قد تجعلهم مجبرين على بدء حياتهم مجددًا من الصفر.

وبسبب العلاقة “الطيبة” بين “المجلس الإسلامي” والحكومة التركية، وتطلعات “المجلس” المتعلقة بـ”التواصل مع الجهات كافة لبيان المطلب الحق للشعب السوري الثائر”، يحمّل عدد من السوريين المقيمين في تركيا “المجلس” مسؤولية عدم تدخله لحفظ حقوقهم.

وحول الانتقادات التي تطال “المجلس” بقضية اللاجئين في تركيا، اعتبر الشيخ مطيع البطين أن العلاقة بين “المجلس الإسلامي” والحكومة التركية تقتصر على “إبداء الحكومة الاحترام لـ(المجلس)”، الأمر الذي لا يسمح له بإملاء القرارات على الدولة، إذ لا يحمل موقف “المجلس” من هذه القرارات أي تأثير، على حد قوله.

وأوضح البطين أن العلاقة “الطيبة” لـ”المجلس” مع الأتراك هي بشكل أساسي مع “الشؤون الدينية التركية” كون “المجلس” جهة علمية تضم مجموعة من العلماء.

 يقف (المجلس الإسلامي السوري) مع أي سوري يتعرض للظلم أو المعاملة غير اللائقة كلاجئ، بكل ما يستطيع، ولكن ضمن حدود إمكانياته المتوفرة فقط.

المتحدث الرسمي باسم “المجلس الإسلامي السوري”، مطيع البطين

مقتل في نفس الوقت

الإفتاء.. فرصة من ذهب

لم يقتصر التوظيف السياسي للدين كإحدى الوسائل الرئيسة في الحشد والتعبئة على النظام السوري، إذ انتهج خصومه من الإسلاميين في صراعهم ضده الأسلوب نفسه.

وما إن ألغى رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في تشرين الثاني 2021، منصب مفتي الجمهورية في سوريا، حتى أعلن “المجلس الإسلامي السوري” في نفس الشهر انتخاب الشيخ أسامة الرفاعي بالإجماع مفتيًا عامًا للبلد، لكن هذا الإجماع داخل “الإسلامي السوري” لم ينعكس تأثيره على أغلب المجتمعات السورية، خصوصًا في الشمال السوري، حيث غابت قدرته على تحريك الشارع، أو الاستفادة من المعطيات الموجودة على الأرض.

“فرصة من ذهب”

رغم ذلك، فإن “المجلس الإسلامي السوري” قادر على “تشكيل نفسه بقاعدة أوسع بكثير من التي هو فيها الآن”، بحسب ما يعتقده الدكتور في الفقه الإسلامي بجامعة “أبو ظبي” محمد حبش، الذي أوصى بأن تكون هناك “مراجعات عميقة” حتى يكون “الإسلامي السوري” أكثر قدرة على تمثيل الاتجاه الإسلامي العام في سوريا.

خطوة تعيين الشيخ أسامة الرفاعي مفتيًا عامًا كانت “فرصة من ذهب”، بحسب حديث الدكتور محمد حبش إلى عنب بلدي، كي يتم تطبيق قيم الشورى بشكل واسع، ويكون “أنموذجًا” لبقية الأطراف في القيم الديمقراطية.

لكن آلية انتخاب المفتي، بالإضافة إلى التوقيت والطريقة التي تم فيها هذا الأمر، كانت “خطأ”، من وجهة نظر حبش، لأن “لدينا طيفًا كبيرًا لا يقل عن عشرة آلاف شخص يحملون درجة ليسانس في الشريعة موجودين في دول متفرقة، والتواصل معهم ممكن، كنا نتمنى أن تتشكّل هيئة ناخبة، وهذه الهيئة تتكون من غرفتين وظيفتهما تزكية المرشحين كي نصل إلى تسمية مفتي الجمهورية”.

ووصف حالة تعيين المفتي الرفاعي بـ”كأننا ننتظر إشارة من النظام ليفرغ المنصب كي نملأه بطريقة غريبة”.

وبهذه الطريقة لم يتم تجهيز الشارع السوري أو حشده نحو فكرة إنشاء منصب مفتٍ بديل عن مفتي الجمهورية التابع للنظام، وليس امتدادًا له، بل يتأسس على مرجعية وأفكار جديدة يستمد شرعيته من إقرار الناس به، وبالتالي كان أثره محدودًا على نطاق ضيّق.

“مقتل” الفتاوى بإلزاميتها

قيمة الشورى التي تحدث عنها حبش، يُنظر إليها باعتبارها رأيًا استشاريًا بحتًا ليس له أدنى سلطة على المجتمع، وليست السلطة التشريعية والاجتهادية للناس في إطار المبادئ العامة للشريعة وروحها، ففي هذه الحالة تكون الشورى ملزمة.

“لا أشعر أن المطلوب من (المجلس) إصدار الفتاوى، الفتاوى قد تصدر من لجنة تتبع لـ(المجلس)، لكن تقدم رأيها بشكل استشاري، وليس كرأي ملزم”، وفق ما ذكره الدكتور في الفقه الإسلامي.

وأرجع حبش هذا الرأي إلى أنه في “الفقه الإسلامي هناك وضوح تام بين وظيفة المفتي ووظيفة القاضي، فالمفتي رأيه غير ملزم على عكس رأي القاضي، لأن المفتي قد تتعدد فتاواه، أما القاضي فيصدر عنه رأي واحد ملزم”.

وحين يتم منح منصب المفتي صلاحية إصدار آراء ملزمة، فهذا بحسب تعبير حبش، “مقتل لأي مؤسسة تعمل في إطار الفتوى”.

وأوضح حبش أن جميع مؤسسات الفتوى بلا استثناء تقدم الرأي لا تقدم الحكم، ومن الطبيعي أن يكون هناك تعدد في الفتاوى، مردفًا بالآية القرآنية (“17” من سورة الرعد) “فأما الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

عدد أعضاء المجلس الإسلامي في زيارة لسيدة سورية اعتدي عليها في تركيا (المجلس الإسلامي)

هل ينتظر السوريون فتاوى “المجلس”؟

يركّز الإسلام الدعوي على الثقافة الشعبية في سوريا، ويعتبرها هدفه الكبير، وعلاقة المسلم بتعاليم دينه وتمثله الأخلاق الدينية والتزامه بالعبادات هي المجال العام الذي يفكر فيه الدعاة السوريون، وفق بحث نُشر في العددين الـ13 والـ14 من مجلة “قلمون للدراسات والأبحاث” الفصلية، عام 2020، وحمل عنوان “التفاعل بين الدين والمجتمع في سوريا“.

وفي استطلاع للرأي أجرته عنب بلدي عبر منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، حول حاجة المجتمع السوري للفتاوى التي تصدر عن “المجلس الإسلامي السوري”، قال 65% من المشاركين إنهم لا ينتظرون فتاوى “المجلس”، بينما يرى 35% منهم أن فتاوى “الإسلامي السوري” تعد مرجعية لهم.

وكتأكيد على الانقسام “الديني” في كل من ريف حلب حيث يوجد “المجلس الإسلامي”، وإدلب حيث تسيطر “هيئة تحرير الشام”، أظهر استطلاع مصوّر أجرته عنب بلدي، أن معظم المقيمين في ريف حلب يعتبرون “المجلس” مرجعية دينية لهم، مبدين استعدادهم لالتزامهم بفتاواه.

بينما لا ينطبق الأمر نفسه على عدد من المقيمين في مدينة إدلب، إذ لم يعرف عدد منهم “المجلس الإسلامي” أصلًا، بحسب الاستطلاع.

الشفافية.. مطلب

تراقب أعمال “المجلس الإسلامي السوري” والفتاوى الصادرة عنه “هيئة عامة” داخله “مكوّنة من 255 داعية”، بحسب ما أوضحه المتحدث الرسمي باسم “المجلس”، مطيع البطين، لعنب بلدي.

لكن بالنسبة للدكتور المتخصص بالفقه الإسلامي محمد حبش، بما يخص مراقبة عمل “المجلس”، فقال إنه “لم يسمع بأولئك الـ255 داعية”، لا كمتخصص ولا كمسلم عادي، و”غير معروف كيف تم تعيينهم، وعلى أي أسس ومعايير”، ولكنه عدد كافٍ لمراقبة عمل “المجلس”.

وتساءل حبش عن سبب عدم نشر أسماء الدعاة المتخصصين بمراقبة أعمال “الإسلامي السوري” أو إصدار فتاواه، عبر معرفاته الرسمية، بالإضافة إلى مجال تخصصهم والمعلومات المتعلقة بعملهم، وهذا الأمر “ليس تقديم خدمة للمخابرات (السورية) لأن جميعهم معروفون”، ووجود متخصصين بمراقبة الفتاوى بشكل واضح وشفاف يبعث الطمأنينة لدى الناس.

ومن خلال هذه المقترحات، يفترض حبش تطوير “الإسلامي السوري” كي يكون مؤسسة حوكمية مدنية تنشر آراء أفراد من المسلمين المتخصصين ذوي الدرجة العالية من العلم، لكنها بالنهاية مجرد آراء لا يجب أن تكون لها أي صفة ملزمة، بل تعكس رؤية المجلس الاستشاري الذي يقدم النصح.

English version of the article

مقالات متعلقة