زبائن وتجّار.. سوريون في سوق المستعمل باسطنبول

"سوق المستعمل" في منطقة "سلطان بيلي" في القسم الآسيوي من مدينة إسطنبول – تموز 2022 (عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي- مأمون البستاني

“ما نجنيه في الصيف نصرف معظمه في الشتاء”، بهذه العبارة اختصر اللاجئ السوري جمعة، وضعه في بيع الأدوات المنزلية المستعملة بمدينة اسطنبول التركية.

جمعة (23 عامًا)، من أبناء ريف حلب الشمالي، قال لعنب بلدي خلال لقاء معه في محله الصغير لبيع الأدوات المنزلية المستعملة، إنه لجأ إلى تركيا في العام 2016، واختار اسطنبول لوجود أقارب له يسكنون فيها.

بدأ الشاب العمل ببيع الأدوات المنزلية المستعملة كعامل في محل تركي منذ العام 2018، وبعد تنقله من محل لآخر، تمكّن في العام 2020 من فتح محل خاص به في منطقة سلطان بيلي بالقسم الآسيوي من اسطنبول.

“اتخذت القرار بفتح مشروع خاص بعد أن تعلمت اللغة التركية، إذ أصبحت قادرًا على التكلم والقراءة بشكل جيد، بينما أستطيع الكتابة بشكل مقبول، كما أنني أتقنت المهنة، أعرف من أين أشتري الأدوات المستعملة وكيف أسوّقها، وطوّرت من مهارتي في التعامل مع الزبائن”، قال جمعة.

بعد أن تناول غداءه السريع (سندويش فلافل وكأس من اللبن الرائب “عيران”)، تابع جمعة حديثه عن “سوق المستعمل” الذي يعمل به في سلطان بيلي، وهو مؤلف من نحو 25 محلًا، يديرها أتراك، في حين أنه السوري الوحيد الذي لديه محل في هذا السوق.

يحظى جمعة بعلاقات جيدة مع أصحاب المحال في السوق، ففي أثناء حديثه مع معد التقرير، دخل جاره التركي وجلس إلى طاولة أمام محله، يمازحه حول عادته بشرب الشاي على الطريقة السورية بدل الشاي التركي.

“من لديه أي شيء مستعمل يريد بيعه، وغالبًا ما يكون تركيًا، يأتي إلى السوق ليعرضه على أصحاب المحال، أو يتواصل مع من يعرف منهم لمعاينة البضاعة في المنزل، وهنا تلعب العلاقات السابقة دورًا في التوجه إلى صاحب محل دون سواه، كما أن عروض الشراء لها دور أيضًا في الحصول على البضاعة”، هذه أكثر طريقة شائعة لشراء الأدوات المستعملة، بحسب جمعة.

جمعة أشار إلى مصادر أخرى للحصول على أدوات مستعملة، منها المحال المنتشرة داخل الأحياء، وبنسب قليلة جدًا الشراء عبر الإنترنت (“فيس بوك”، مواقع إلكترونية).

ماذا يشتري السوريون والأتراك

تختلف أسعار الأدوات المنزلية المستعملة باختلاف الماركات، وتاريخ الصنع، ومدى نظافة الهيكل الخارجي، وفق ما قاله جمعة، الذي أشار إلى أن السعر الوسطي للثلاجة مثلًا يبلغ 1500 ليرة تركية (الدولار الأمريكي يعادل 18 ليرة تركية)، وذات السعر تقريبًا للغسالة، أما غرفة النوم فيتراوح سعرها بين خمسة آلاف وعشرة آلاف ليرة تركية، في حين يتراوح سعر غرفة الضيوف بين ألفين وخمسة آلاف ليرة تركية.

الزبائن الذين يدخلون محل جمعة أتراك وسوريون، وفق ما قال، موضحًا أن الأتراك يشترون من عنده الأدوات المنزلية الكهربائية (ثلاجة، غسّالة، فرن، شاشة تلفاز…)، بينما يشتري السوريون كل شيء متوفر بشكل عام، من قطع الأثاث إلى الأدوات الكهربائية.

بحسب جمعة، فالسوري يطلب كل شيء ينقصه في المنزل من الأدوات المستعملة، “فمثلًا يأتي المقبل على الزواج، وأول ما يبحث عنه لتجهيز منزله أثاث الموبيليا (غرفة النوم وغرفة الضيوف…)، ثم الأدوات الكهربائية ومن ثم المستلزمات الأخرى كأدوات المطبخ”.

وقال الشاب، إن “السوري الذي يعمل براتب محدود ليس لديه القدرة المادية على تجهيز منزله بأدوات جديدة”، فبدلًا من أن يشتري غرفة نوم جديدة بسعر 20 ألف ليرة، يستعيض عنها بغرفة مستعملة وبحالة جيدة بسعر لا يتجاوز نصف سعر الجديدة.

أما الشباب العازبون فيبحثون عن أدوات رخيصة السعر، فبينما تشتري العائلة غسالة كبيرة، يختار العازب الذي يسكن لوحده غسالة صغيرة بمبلغ أقل.

أدوات منزلية مستعملة معروضة للبيع في محل بـ”سوق المستعمل” في منطقة “سلطان بيلي” في القسم الآسيوي من مدينة إسطنبول – تموز 2022 (عنب بلدي)

عائد مادي غير ثابت

لا تدر مهنة بيع الأدوات المستعملة أرباحًا ثابتة، وفق ما قال جمعة، وهي تختلف باختلاف العرض والطلب، ففي الشتاء يكون البيع ضعيفًا جدًا، “ما نجنيه في الصيف نصرف معظمه في الشتاء”.

كما أن ارتفاع الأسعار في تركيا (التضخم) أثّر على البيع، ولم يعد كما كان قبل عدة سنوات، فالناس أصبحوا يفضّلون استعمال أثاثهم وأدوات منازلهم لفترات أطول من السابق، وبالتالي لم تعد البضاعة المستعملة المعروضة للبيع بنفس الوفرة السابقة، حين كان الأتراك يستبدلون مفروشاتهم بشكل سنوي تقريبًا.

وقدّر جمعة تكلفة شراء أثاث مستعمل للمنزل من غرف نوم وضيوف وأدوات كهربائية بين 20 ألفًا و30 ألف ليرة تركية، في حين أن شراءه كأثاث جديد يكلف أكثر من 100 ألف، لافتًا إلى أن الأدوات الأخرى الصغيرة من مستلزمات مطبخ وغير ذلك يمكن أيضًا شراؤها من أسواق لبيع الأدوات المستعملة المنتشرة في مناطق مختلفة من اسطنبول.

أسواق متخصصة بالمستعمل

هناك عدة طرق لشراء المستعمل في اسطنبول، فبالإضافة إلى أسواق “البالة” والأدوات المستعملة المعروفة باسم “İkinci Pazar”، هناك أسواق موازية عبر الإنترنت، منها مجموعات تسوق عبر موقع “فيس بوك”، أو مواقع إلكترونية متخصصة مثل “Letgo” و”Sahibinden”.

خديجة (38 عامًا)، لاجئة سورية تعيش في منطقة سماندرا بالقسم الآسيوي من مدينة اسطنبول، وهي أم لثلاثة أطفال، ويعمل زوجها الأربعيني في معمل للنسيج، قالت لعنب بلدي، إنها تذهب تقريبًا كل يوم جمعة إلى منطقة أوزونشاير، حيث يوجد سوق كبير للأدوات المستعملة، وذلك لشراء حاجيات لمنزلها.

وأضافت أنها تبحث في السوق عن أدوات كهربائية صغيرة (خلّاط، مقلاة كهربائية، فرن صغير…)، وعن كل ما يلزمها من مستلزمات للمطبخ، مشيرة إلى أنها تحصل على هذه الأدوات بسعر أرخص بكثير من الجديد.

تستعين السيدة بعمل منزلي وفرته لها جارتها التركية، إذ تقوم بتركيب قطع كهربائية صغيرة لبعض الورشات مقابل 50 ليرة تركية في اليوم الواحد، وبحسب ما قالته، فإنها تدّخر المال من مصروف بيتها، إلى جانب عائدات هذا العمل.

وصلت خديجة إلى تركيا مع عائلتها في العام 2016 قادمة من محافظة إدلب في شمال غربي سوريا، وبهذا المال الذي تدّخره تستكمل ما ينقصها من أدوات من سوق المستعمل، أو تستبدل تلك التي تتعرض للتلف.

ويعيش في تركيا نحو ثلاثة ملايين و650 ألف لاجئ سوري، بحسب أحدث إحصائية صادرة عن المديرية العامة لإدارة الهجرة التركية في 21 من تموز الحالي.

وبحسب بيانات الإحصائية ذاتها، تضم مدينة اسطنبول أكبر عدد من اللاجئين السوريين مقارنة بالولايات التركية الأخرى، إذ يعيش فيها ما يقارب 550 ألف لاجئ سوري.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة