تعا تفرج

توجيه جهادي عن بُعد

ع ع ع

خطيب بدلة

في زحمة الأحداث التي عصفت بنا، خلال الأسابيع الماضية، لم ننتبه إلى حدث وقع على الأرض الليبية، حدث لا يقل أهمية عن البيان التكفيري الذي أصدره “المجلس الإسلامي السوري”، المتضمن أن مَن يهاجر من السوريين، إلى بلاد بره، آثم.

الشيخ الجليل، العَلَّامة، الصادق الغرياني، مفتي الديار الليبية، وجه إلى الشعب المصري رسالة مهمة، أعلمهم فيها بأمر لا ريب أنهم يجهلونه، قال لهم: إن جماعة عبد الفتاح السيسي سلبوكم أموالكم، وحقوقكم، فإياكم أن تسمعوا لهم، إنهم أعداء الله، ثم طلب منهم، بكل شموخ، أن يخرجوا ويتظاهروا، ولا يهم إن استشهدوا، فمَن يُقتل في سبيل نفسه، أو ماله، أو عرضه، فهو شهيد.

إن قراءة هذا التوجيه الجهادي عن بُعد تحتاج، برأيي، إلى كثير من التأمل، فأولًا، نحن أبناء الدول العربية الأخرى، لم نكن نعرف من أبناء “الديار الليبية”، بين عامي 1969 و2011، غير الأخ القائد معمر القذافي، فكل مَن كان يفتح صحيفة، أو راديو، أو تلفزيونًا، أو حتى حنفية ليبية، تظهر له صورته، ولأن القذافي كان شديد الحرص على ألا يصيبنا الملل، فقد كان يغير وقفته، أو ضجعته، أو حلاسَه (اللوك)، على نحو يومي، ثم، ومنذ 2011 حتى اليوم، لم نرَ غير القادة العسكريين المتقاتلين، وتهديدات كل جماعة منهم للجماعات الأخرى. وثانيًا، بدا لنا توجيه الغرياني للمصريين عن بُعد أمرًا شاذًا، مقلوبًا، ومحاولة لبيع الماء في حارة السقايين، فمصر أنتجت لنا من الشيوخ ما تشيب لكثرته وهوله ذوائب الرضع، وكلهم، بلا استثناء، من متولي الشعراوي، إلى عبد الحميد الكشك، وصولًا إلى محمد حسان، ومحمد حسين يعقوب، ووجدي غنيم، وعمرو خالد، وعبد الله رشدي، مختصون بتوجيه الجهاديين عن بُعد، وحثهم على تقوى الله، والالتزام بالعبادات، وضرب المرأة التي يخشون نشوزها، والاستشهاد في سبيل الله.

وأما البند ثالثًا، فهو، برأيي، الأخطر، ويتضمن عكسَ السؤال باتجاه السائل، يعني يا شيخ غرياني، ويا عدنان العرعور، ويا وجدي غنيم، ويا عثمان الخميس، طالما أنكم تعرفون أن مَن يُقتل دفاعًا عن أرضه، وعياله، وماله، وعرضه، شهيد، وأنتم أعلم الناس بثواب الشهادة في ساحات الجهاد، ومكانة الشهيد في أعلى العليين، لماذا تتنازلون عن كل هذه الثوابات والحسنات، وتُعرضون عن كل هذه المراتب الرفيعة التي تنتظر الشهداء؟ لماذا لم نرَ أحدًا منكم يشمر عن ساعديه، وينزل مع الناس الدراويش الغلبانين إلى الساحات؟ نحن نعرف الجواب، بالطبع، وهو حفظ مقام الشيخ العالِم. ففي البلاد الإسلامية مئات الملايين من الأنفار الذين يصلحون للجهاد، وإذا قُتلوا، أو استشهدوا، لا توجد مشكلة، ولكن عدد العلماء قليل، فهل ترضاها، أخي المسلم، أن يكون دور الشيخ الليلة عند آخر زوجاته، أصغرهن سنًا، ويتركها ويذهب للجهاد، وفوق هذا يستشهد؟

هناك أسئلة ملغومة كثيرة، يمكن أن توجه إلى هؤلاء الدعاة المحترمين، منها أن يُطلب منهم أن يقطعوا دراسة أبنائهم في جامعة “أكسفورد”، أو “السوربون”، أو “هايدلبورغ”، ويرسلوهم ليستشهدوا في مصر أو اليمن أو سوريا إلى آخره.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة