مبادرات جمع الأموال في درعا.. دعم للخدمات يستغل سياسيًا

تجمع للمدنيين خلال حملة لجمع التبرعات بمدينة الشيخ مسكين في درعا- 26 كانون الثاني 2023 (عدسة الشيخ مسكين/ فيس بوك)

camera iconتجمع للمدنيين خلال حملة لجمع التبرعات بمدينة الشيخ مسكين في درعا- 26 كانون الثاني 2023 (عدسة الشيخ مسكين/ فيس بوك)

tag icon ع ع ع

انقسم الشارع الحوراني جنوبي سوريا بين مؤيد لحملات التبرع المخصصة لترميم المرافق العامة وبين معارض لها، على أساس أنها تخفف العبء عن كاهل حكومة النظام، وتوفر على خزينته صرف الأموال اللازمة لصيانة المرافق.

ووسط سوء الخدمات في محافظة درعا، وغيابها عن بعض المناطق بشكل عام، لجأ السكان إلى حملات لجمع التبرعات لترميم وتشغيل خدمات أساسية، كآبار المياه، وخطوط الهاتف، والإنارة في الشوارع.

هذه المبادرات وصلت مجتمعة إلى مئات آلاف الدولارات خلال فترات زمنية متفرقة، في حين يحاول النظام السوري تصديرها على أنها دعم لجهود الحكومة في إعادة الحياة الطبيعية إلى المناطق التي سيطر عليها منذ عام 2018 جنوبي سوريا.

“فزعات” أهلية

انطلقت خلال كانون الثاني الحالي، حملات تبرع في عدد من مدن وبلدات محافظة درعا، وجمعت الحملات مبالغ مالية تقدر بعشرات مليارات الليرات السورية، جلها جُمع من أبناء المحافظة المغتربين، وخاصة المغتربون في دول الخليج العربي.

واستطاعت بلدة الكرك الشرقي جمع ملياري ليرة سورية، وكذلك بلدة الغارية وداعل تمكن سكانها من جمع 1.7 مليار ليرة، بينما جمع أهالي مدن أبطع والشيخ مسكين مليار ليرة سورية لكل منهما (الدولار يقابل 6700 ليرة).

بينما تحدث وسائل الإعلام الرسمية عن هذه الحملات، ووصفتها بأنها “التفاف من الحاضنة الشعبية حول مؤسسات الدولة”.

هل تنقذ الحملة الواقع الخدمي؟

تشهد محافظة درعا واقعًا خدميًا مترديًا، نتج عنه نقص حاد بمياه الشرب وانقطاع مستمر للتيار الكهربائي، ما دفع بعض أهالي القرى والبلدات لجمع تبرعات من السكان والمغتربين، عبر لجان محلية من المختصين لحفر الآبار، إلى جانب تدعيم تلك الآبار بألواح الطاقة الشمسية، كما تنوعت هذه الحملات لتشمل عمليات الإنارة، وتعبيد الطرق، وجولات حراسة من قبل أبناء بعض المناطق لحماية الممتلكات العامة من السرقة.

تواصلت عنب بلدي مع عضو في اللجنة المحلية المسؤولة عن جمع التبرعات في مدينة الحراك بريف المحافظة الأوسط، تحفظ على اسمه لأسباب أمنية، وقال إن الهدف الرئيسي لحملة التبرعات تشغيل آبار مياه الشرب على الطاقة الشمسية لتخفيف العبء المادي على السكان من شراء المياه من الصهاريج الجوالة.

ووصل سعر المتر الواحد من مياه الشرب إلى خمسة آلاف ليرة سورية، إذ يعتبر مبلغًا كبيرًا بالنسبة للسكان نظرًا لحجم الكميات المطلوبة لتغطية الحاجة، خصوصًا أن المياه شبه معدومة في بعض المناطق.

وأضاف عضو اللجنة أن الحملة لن تتطرق لأعمال الخدمات الأخرى كترميم الطرق، وخدمات الهاتف، وخدمات الكهرباء في الحراك، فهذه تقع على عاتق مؤسسات الدولة، نافيًا أن تكون الحملة في المدينة مرتبطة بالمجلس المحلي التابع للحكومة.

النظام مشرف على الحملات

الناشط الإعلامي المقيم في محافظة درعا محمد المفعلاني، قال لعنب بلدي إن النشاط لجمع هذه الأموال مرتبط بالمجالس المحلية، إذ تخضع اللجان المشكلة لموافقات أمنية حتى تتمكن من العمل، كما يفرض أن يكون فيها أشخاص من أعضاء حزب “البعث”، كما تصل قوائم بأسماء المتبرعين للمفارز الأمنية لتدقيقها.

وفي مدينة داعل على سبيل المثال، أشرف مجلس المدينة المحلي مباشرة على جمع التبرعات، كما سيشرف بدوره على الأعمال خدمية بإشراف المجلس، بحسب المفعلاني.

هدف جمع التبرعات في داعل، كان في المقام الأول لتشغيل بعض آبار المياه على الطاقة الشمسية، وتركيب منظومة طاقة لمقسم الهاتف في المدينة، وإصلاح الطرق.

عنب بلدي حاولت مرارًا التواصل مع رئيس مجلس مدينة داعل رياض برغوث، الذي رفض الإدلاء بأي تصريحات عن المشروع.

ناشطون ممن قابلتهم عنب بلدي من المقيمين في محافظة درعا يعتقدون أن هذه الحملات وإن حملت طابعًا إنسانيًا، تصب في النهاية مصلحة النظام، إذ يفوق ما جمع في كل مدينة منفردة، عن الكتلة المالية المخصصة للمجلس.

المحامي عاصم الزعبي، الذي ينحدر من محافظة درعا، قال لعنب بلدي إن الحملة من حيث المبدأ تعبّر عن التكافل الاجتماعي لأبناء حوران وهذا الأمر جيد للغاية، لكن بما أن النظام يسيطر على المحافظة منذ 2018 ويدعي ممارسة سلطاته كدولة فإن اعادة تأهيل الخدمات من مسؤولية مؤسساته.

ورغم أن ما يجري اليوم من هذه الحملات يرجع بالفائدة على الأهالي في النهاية، لا يمكن نكران أن المحصلة تصب في مصلحة النظام، بحسب المحامي، إذ تخفف هذه التبرعات من نفقات تعد مسؤوليته، إلى جانب الاستغلال الإعلامي من جانبه وتصوير سوء الخدمات على أنه ناتج عن العقوبات الغربية والدولية عليه، خصوصًا أن محافظة درعا تحمل رمزية خاصة، وتمثل شريحة من المعارضة السورية.

الزعبي أضاف أنه من المهم انتظار نتائج الحملة خلال المرحلة القادمة لتقييم مدى نجاحها في إعادة الخدمات إلى المحافظة، إذ ستوضح نتائجها فيما إذا كان هناك دور للنظام.

باسل (40 عامًا) وهو من من سكان مدينة داعل، ومطلع على بداية إطلاق حملات جمع التبرعات فيها، قال لعنب بلدي إن فكرة الحملة أُطلقت محليًا، لكن النظام “ركب الموجة” وأقحم المجالس المحلية فيها، إلى جانب أفرعه الأمنية التي نشرها بين اللجان.

وبينما لا تزال حكومة النظام السوري، تمنع نقل ما يزيد عن خمسة ملايين ليرة سورية بين المحافظات، تُستقبل اليوم عشرات المليارات من المغتربين السوريين في إطار حملات التبرعات.

دعم للنظام؟

نشرت قناة “سما” الموالية تقريرًا عن تبرعات مدينة الشيخ مسكين مسقط رأس فراس الأحمد مراسل القناة بالمدينة، والذي كان معد التقرير، وحاول تصوير حملة التبرعات على أنها دعم شعبي للحكومة.

وأجرت القناة لقاءات مع مسؤولين في البلدية وبعض المواطنين الذين صوروا الحملة على أنها “تزيد اللحمة الوطنية بين الشعب والقيادة في سوريا”.

بينما نشر ناشطون تسجيلًا مصورًا لعضو اللجنة في مدينة داعل هاشم العاصمي، يشكر الحكومة السورية على هذه المكرمة، قائلًا، “سوريا التي صمدت بوجه الإرهاب والحصار، إنها سوريا بشار الأسد”.

أحد وجهاء مدينة درعا البلد، قال لعنب بلدي إن هذه الحملات تسهم بشكل أو بآخر بتقوية النظام المتهالك اقتصاديًا، والعاجز عن تقديم الخدمات، وأن أزلام النظام من حزب البعث سواء من البلديات او الفرق الحزبية هم من تصدروا الحملة

وأضاف أن حملات التبرع تعبر عن التكافل الاجتماعي في حال وزعت على الفقراء والمحتاجين وأسر الشهداء، وهو ما يظهر خلال الحملات الأخيرة.

تبرعات بالإجبار

منتصف كانون الثاني الحالي، اشترطت إدارة مقسم هاتف تل شهاب على سكان البلدة الواقعة غربي محافظة درعا، جمع مبالغ بشكل دوري من كل مشترك، لإصلاح الضرر الناتج عن السرقة المتكررة للكوابل الضوئية في المنطقة.

قرار جمع الأموال جاء عقب اجتماع وجهاء من أبناء بلدة تل شهاب، مع معاون مدير شركة الاتصالات في درعا، أحمد زيد الحريري، في 6 من كانون الثاني الحالي، لإيجاد حلول لمشكلة سرقة كوابل الاتصالات.

وعقب الاجتماع بنحو عشرة أيام، اتفق وجهاء المنطقة على تحديد المبلغ بـ25 ألف ليرة سورية (حوالي أربعة دولارات) يدفعها كل مشترك لمقسم الهاتف، لشراء كوابل جديدة عوضًا عن المسروقة.

سبق ذلك في نيسان 2019، توجيه مجلس مدينة درعا إنذار لتجار سوق الهال (جملة) في المدينة لإصلاح محالهم التجارية، على نفقتهم الخاصة.

وجاء في الإنذار حينها، “يطلب إليكم (التجار) السعي وإجراء ما يلزم لإعادة تفعيل وتأهيل محلاتكم الواقعة ضمن سوق الهال في مدينة درعا، وذلك خلال 15 يومًا”، وحذر المجلس من أن التخلف عن المدة المحددة سيعرض التاجر للمساءلة والمحاسبة القانونية.




مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة