سفير روسي جديد.. موسكو تضبط علاقتها بدمشق

الرئيس السوري أحمد الشرع إلى جانب نظيره الروسي فلاديمير بوتين - 15 تشرين الأول 2025 (تاس)

camera iconالرئيس السوري أحمد الشرع إلى جانب نظيره الروسي فلاديمير بوتين - 15 تشرين الأول 2025 (تاس)

tag icon ع ع ع

في خطوة تعكس رغبة موسكو في إعادة ضبط إيقاع علاقتها بدمشق، أقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سفير بلاده لدى سوريا ألكسندر إيفيموف، وعيّن ديمتري دوغادكين خلفًا له، في تغيير يتجاوز كونه إجراءً روتينًا إلى كونه مؤشرًا على تحول في نهج التعامل مع الملف السوري.

ونشرت الجمعية الاتحادية لروسيا الاتحادية المراسيم ذات الصلة، على الموقع الإلكتروني الرسمي للمعلومات القانونية في 3 من آب، وتتضمن إعفاء إيفيموف من مهامه كممثل خاص للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع سوريا، إلى جانب تعيين دوغادكين “سفيرًا فوق العادة ومفوضًا للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية”.

ويأتي هذا التعيين في لحظة مفصلية تشهد فيها الساحة السورية تحولات إقليمية ودولية متسارعة، ما يطرح تساؤلات حول أبعاد هذا التغيير، والرسائل التي تحملها شخصية السفير الجديد، وتأثيرها على مستقبل الوجود الروسي في سوريا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

سفير يعرف سوريا والمنطقة

يرى خبراء العلاقات الدولية أن اختيار دوغادكين تحديدًا ليس عشوائيًا، بل يحمل رسالة واضحة بأن موسكو تريد فتح صفحة جديدة مع سوريا، تختلف بطبيعة الحال عن العلاقة التي كانت قائمة خلال عهد النظام السابق.

وأوضح الأكاديمي وأستاذ القانون الدولي العام والباحث في العلاقات الدولية عامر فاخوري أن الدبلوماسي الجديد يعرف سوريا جيدًا، وسبق أن عمل في السفارة الروسية في دمشق، ويتحدث اللغة العربية، إضافة إلى امتلاكه خبرة دبلوماسية واسعة في منطقة الخليج، بعد عمله سفيرًا في سلطنة عُمان وقطر.

وأضاف فاخوري، في حديثه إلى عنب بلدي، أن روسيا أرسلت بهذا التعيين دبلوماسيًا يعرف السوريين، ويفهم طبيعة المنطقة، ويستطيع التواصل مع دمشق ومع العواصم الخليجية في الوقت نفسه، وهو أمر بات ضروريًا مع تحول العلاقة الروسية السورية من قضية ثنائية إلى شبكة معقدة من المصالح.

دوغادكين شغل في سيرته المهنية منصب سفير روسيا لدى قطر من تشرين الثاني 2021 إلى تموز 2026، كما تولى منصب رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية الروسية بين عامي 2013 و2017، في مؤشر على تراكم معرفي طويل بالملفات الساخنة في الإقليم.

السفير الروسي المعين في سوريا ديميتري دوغادكين - (RUWIKI)

السفير الروسي المعين في سوريا ديميتري دوغادكين – (RUWIKI)

مهمة صعبة لموازنة المصالح

يرى فاخوري أن مهمة السفير الجديد ستكون صعبة وحساسة، فسوريا تنفتح حاليًا بصورة واضحة على الدول العربية والخليجية، وعلى الولايات المتحدة والدول الغربية، ولذلك تحتاج موسكو إلى شخصية تستطيع التعامل مع هذه الشبكة المعقدة من العلاقات.

ولفت إلى أن المطلوب من دوغادكين ليس فقط الحفاظ على المصالح الروسية، بل أيضًا بناء علاقة ثقة مع القيادة السورية الجديدة، والتعامل مع حقيقة أن روسيا لم تعد الطرف الوحيد المؤثر في دمشق، بعد أن أصبحت لدمشق خيارات عربية وغربية أوسع مما كان متاحًا في السابق.

التحدي الأكبر يتمثل في إعادة تعريف الدور الروسي في سوريا بأدوات جديدة، بحسب فاخوري، فموسكو باتت مضطرة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الدبلوماسية والتفاوض والاقتصاد، بعد أن كانت تعتمد بصورة أساسية على القوة العسكرية ودعم النظام السابق.

البعد العسكري حاضر بقوة

لا يمكن فصل هذا التعيين عن مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا، خصوصًا في قاعدتي حميميم وطرطوس.

وأشار فاخوري إلى أن روسيا بالتأكيد لا تريد خسارة وجودها في سوريا، لأن هذا الوجود يمنحها موقعًا استراتيجيًا مهمًا على البحر المتوسط، ويساعدها أيضًا في دعم تحركاتها باتجاه إفريقيا، وهو ما يجعل التفاوض حول مستقبل هاتين القاعدتين أحد أبرز الملفات التي ستكون على طاولة السفير الجديد.

ويرى فاخوري أن مهمة دوغادكين ستشمل محاولة تثبيت هذا الوجود العسكري في سياق سياسي وقانوني جديد، يتناسب مع المتغيرات التي تشهدها دمشق وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

دبلوماسية اقتصادية لمواكبة المنافسة

إلى جانب الملفين السياسي والعسكري، يبرز بعد اقتصادي واضح لهذا التغيير، حيث تحاول روسيا، وفق فاخوري، ألا تبقى علاقتها مع سوريا محصورة في الجانب العسكري، بل تسعى إلى الدخول في ملفات الموانئ والطاقة والتجارة وإعادة الإعمار.

لكنه حذر من أن المنافسة أصبحت قوية في هذه الملفات، لأن دمشق لديها اليوم خيارات عربية وغربية متعددة، وهو ما يفرض على موسكو تقديم عروض تنافسية وبناء شراكات اقتصادية حقيقية، بدلًا من الاعتماد على النفوذ السياسي والعسكري فقط.

واختتم فاخوري تحليله بالتأكيد أن روسيا لا تغادر سوريا، لكنها تغير أسلوبها، وأن تعيين دوغادكين يعكس هذا التحول بوضوح، من الاعتماد على القوة العسكرية إلى الاعتماد على الدبلوماسية والتفاوض والاقتصاد، في محاولة لضمان استمرار النفوذ الروسي في مرحلة ما بعد النظام السابق.

ويأتي التعيين في وقت تضغط واشنطن أيضًا للحد من نفوذ موسكو في سوريا، إذ وافقت دمشق على خفض واردات النفط الروسي بشكل كبير كجزء من مناقشاتها الجارية مع الولايات المتحدة بشأن رفع آخر العقوبات الرئيسية المفروضة على سوريا.

وذكرت وكالة “رويترز”، في 4 من آب، أن مسؤولين سوريين كبار، أبلغوا الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة، أنهم على استعداد لتقليل واردات النفط الروسي في أثناء مناقشتهم قيام واشنطن بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك وفقًا لمصدر سوري مطلع على المحادثات ومسؤول أمريكي ومصدر آخر مطلع على الأمر.

وخلال المناقشات حول إلغاء التصنيف، طلبت واشنطن وحصلت على التزام من سوريا بخفض واردات النفط الروسي بشكل كبير، حسبما ذكر المسؤول الأمريكي والمصدر المطلع على الأمر.

 



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة