بين الضرورة والاتهامات بالتبعية

الجبهة الجنوبية تتكفل بحراسة الحدود الأردنية

Syria-Jordan.jpg

مقاتلون من الجبهة الجنوبية في الجيش الحر في درعا 25 حزيران 2016 (الهيئة السورية للإعلام)

محمد قطيفان – درعا

تشترك سوريا والأردن بحدود يبلغ طولها 375 كم، في الوقت الذي تتبادل فيه أكثر من جهة السيطرة على هذه الحدود من الجانب السوري، بداية من أقصى الغرب، حيث تشترك محافظة درعا مع الأردن بحدود يبلغ طولها نحو 85 كم، يسيطر جيش خالد بن الوليد على مسافة 10 كم، بينما يسيطر الجيش الحر على 75 كم.

وتسيطر قوات النظام السوري على مسافة 100 كم تقريبًا داخل الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، لتعود السيطرة بعدها إلى فصائل الجيش الحر، التي تسيطر على ما تبقى من الشريط الحدودي البالغ طوله 190 كم، والموزع بين الحدود الإدارية لمحافظة ريف دمشق والحدود الإدارية لمحافظة حمص.

الحدود مع الأردن مظهر سيادي للنظام

وشكلت الحدود السورية- الأردنية منذ انطلاق الثورة، ساحة اشتباك وتوزع للسيطرة على الجانب السوري بين المعارضة وقوات النظام، في ظل سعي كلا الطرفين للسيطرة على أطول مسافة ممكنة من هذه الحدود، التي كانت المعارضة تعتبرها ضرورة لتأمين ممرات آمنة للاجئين نحو الأردن وبوابة تواصل خارجي، بينما كان النظام يعتبر استمرار سيطرته على الحدود جزءًا من الحفاظ على المظهر السيادي.

وبين هذا وذاك، لم تكن السلطات الأردنية بعيدة عن كلا الطرفين، فعلى الرغم من عدم وجود إعلانات رسمية لتنسيق الأردن مع الطرف المقابل لها على الحدود، إلا أن هذه السيطرة ظهرت بشكل واضح، سواء مع الجزء الخاضع للمعارضة أو ذلك الخاضع لقوات النظام، عبر تنسيق أردني مع فصائل المعارضة لتأمين حراسة الحدود، وفتح الممرات لدخول المساعدات الإغاثية، وصولًا لتأمين الممرات العسكرية التي تتزود من خلالها فصائل المعارضة بالدعم العسكري.

وعلى الجانب الآخر حافظ النظام على معبر حدودي رسمي مع الأردن حتى نيسان 2015، ظهر خلالها التنسيق والتعاون العالي بين حكومتي البلدين، والذي وصل للحفاظ على المنطقة الحرة السورية- الأردنية قيد العمل لأكثر من أربع سنوات على بداية الاحتجاجات والحرب في سوريا، فما هي المعادلة التي تلعبها الحدود السورية- الأردنية في مشهد الثورة السورية؟

المعارضة تنتزع الحدود وتصيبها بالشلل

بدأت فصائل المعارضة معاركها ضد قوات الأسد على الشريط الحدودي منذ منتصف عام 2013، عبر هجومها على مخافر وسرايا حرس الحدود، واستطاعت انتزاع السيطرة عليها تدريجيًا من يد قوات النظام، وتكللت في أيلول 2014 بالسيطرة على جمرك درعا القديم، لتنتزع من قوات الأسد واحدًا من معبرين رسميين يربطان سوريا بالأردن، وليستقر مشهد الحدود بعدها على سيطرة المعارضة على كامل الشريط الحدودي المقابل لمحافظة درعا باستثناء سيطرة النظام على معبر نصيب (جابر)، الذي أصبح محاصرًا بالكامل من قبل فصائل المعارضة.

اعتبر هذا المشهد حينها، الظهور العلني الأول للسطوة الأردنية على فصائل المعارضة، حيث ظهر التأثير الكبير للسلطات الأردنية على قرار فصائل الجبهة الجنوبية، حين استطاعت الأردن فرض قرارها بإبقاء معبر نصيب تحت سيطرة النظام، كضامن لاستمرار عمل المعبر وعمل المنطقة الحرة المشتركة بين الدولتين، وهو ما اعتبر حينها خضوعًا من فصائل المعارضة لإملاءات أردنية خارجية.

انسحبت قوات الأسد من معبر نصيب في نيسان 2015، في مشهد سيبقى خالدًا في التاريخ بعدما تحولت الأملاك الخاصة والعامة داخل المنطقة الحرة والمعبر الحدودي لمشاعٍ أمام اللصوص، الذين سرقوه ودمروه أمام عدسات الإعلام، ودون وجود أي ردع من قبل الفصائل العسكرية، ليعتبر هذا الحدث سببًا رئيسيًا خلف قرار أردني بعدم اعتماد أي معبر رسمي مع الفصائل المعارضة في درعا.

منذ ذلك اليوم، أصبحت الحدود السورية- الأردنية خارج حسابات السيطرة والتنازع، وتقترب من حالة الهدوء التام، حيث تشهد حركة عبور نشطة لقوافل الإغاثة، وحركة عبور بالاتجاهين لقيادات الفصائل العسكرية المعارضة، في الوقت الذي تبقى فيه مغلقة أمام حالات الجرحى واللجوء الانساني.

سطوة الأردن على فصائل حوران

هذا الهدوء، فرضه وجود مكثف لنقاط حراسة تابعة لفصائل المعارضة، والتي أقدمت على تثبيت عشرات نقاط الحراسة وتحريك العديد من الدوريات على مسافات واسعة من الشريط الحدودي، الأمر الذي أثار المزيد من علامات الاستفهام حول طبيعة المهام التي تقوم بها فصائل المعارضة على الحدود الجنوبية لسوريا، وعن شكل العلاقة بينها وبين السلطات الأردنية وغرفة تنسيق الدعم المشترك المعروفة باسم “الموك”.

وأوضح مصدر مطلع في المحافظة لعنب بلدي أن مهمة حماية الحدود، تهدف في الدرجة الأولى لحماية الأردن وليس سوريا، مضيفًا أن المهمة الأبرز التي كلفت “الموك” فصائل المعارضة على الشريط الحدودي بها، هي ضبط عمليات تسلل الأفراد إلى داخل الأردن، خوفًا من دخول أي خلايا معادية لعمان انطلاقًا من الأراضي السورية.

وأضاف المصدر (فضّل عدم كشف اسمه) أن التزام الفصائل بهذه المهمة يعتبر شرطًا أساسيًا في استمرار تمويلها ودعمها من قبل غرفة “الموك”، مؤكدًا أن الجانب الأردني هو المستفيد الوحيد، فعلى الرغم من اعتبار الحدود منطقة عسكرية، فإن هذا لم يمنع من عمليات التهريب التي تخضع لإشراف وتنسيق بين بعض قادة فصائل المعارضة وأطراف تحظى بالنفوذ داخل الأردن، وتعتبر عمليات تهريب الأغنام هي الأبرز.

وأشار عدد من الناشطين الإعلاميين خلال أيلول الفائت، إلى أن الحدود السورية- الأردنية شهدت أكبر عملية تهريب للغنم العواس، بأرقام قيل إنها تجاوزت أربعة آلاف رأس غنم، كما أن بيانات السلطات الأردنية التي تعلن عن إحباطها لعمليات تهريب للمخدرات من الداخل السوري تكاد لا تتوقف، آخرها كان في أيلول، لتضاف لأحاديث واسعة عن عمليات تهريب للآثار.

المصدر اعتبر أن الجهد الذي تبذله الفصائل لحماية الحدود الأردنية أكثر من المطلوب، في ظل الحاجة الكبيرة لتغطية جبهات المعارك ضد قوات الأسد، مضيفًا أن الحدود المشتركة بين الدول تحظى بحماية من الطرفين، بينما الحدود السورية الأردنية تحظى بالحماية من طرف واحد، وإن كان يقف على الجانبين، مطالبًا فصائل المعارضة في الجنوب، أن تتوجه نحو المدن والبلدات السورية لتحريرها من قوات الأسد، بذات الحماس الذي تتوجه فيه نحو المدن والبلدات الحدودية لحمايتها من “أعداء الأردن”، بحسب تعبيره.

تثير الحالة التي تمثلها الحدود السورية- الأردنية، السؤال عن الطبيعة التي تربط الدولة الإقليمية بكافة أطراف النزاع في سوريا، بما فيها النظام، كما تثير السؤال عن قدرة هذه الدول على التحكم بالمشهد على حدودها، وربما ما بعد حدودها، وصولًا لرسم الصراع وخرائط النفوذ في الداخل بالشكل الذي يحقق مصالحها، ومصالح حلفائها.

تابعنا على تويتر


Top