«أخو عمر»… في رثاء الشهيد عمر شربجي «أبو عاصم»

-شربجي-أبو-عاصم.jpg

عنب بلدي – العدد 80 – الأحد 1-9-2013

عمر شربجي أبو عاصمنبيل شربجي
طوال سني حياتي التي تساقطت أوراقها (التسع والعشرون) فإنني كنت لا أحتاج لوقت طويل حتى أقتنع بأمر ما، أو لأؤمن وأسلّم به، ولكن هذه المرة فإنني سأستغرق على ما يبدو الحياة بأكملها حتى أقتنع بأن شمسه قد غابت، وأدرك بأنني أفتقد عمر إلى الأبد.
أتذكر بأنه عندما كان عمر يتقدم الجموع في المظاهرات في مرحلة مضت، فإنني كنت دائم الخوف والقلق عليه، وكنت لا أشعر بالاطمئنان إلا عندما أسمع صوته بعد زوال الغيوم التي كانت تلبّد سماءنا آنذاك، كان يتملكني على الدوام شعور غامض اتجاهه، شيء ما من الحب يكسوه الخوف كان يعشعش في أعماق أعماقي، ويدفعني أن أرجوه مرارًا ألا يكون في الصفوف الأولى، كان يهز برأسه ويبتسم ابتسامته الجميلة ويمضي، إلى أن ألقي في غياهب السجن في 13 آب 2011م، وبعد قرابة خمسة أشهر أشرقت الدنيا بخروجه من جديد، ولكن فرحتي به لم تكتمل -كما كل شيء في هذه الحياة- فما هو إلا شهر وعدة أيام حتى شربت من نفس الكأس الذي تجرع هو منها، وكنت على موعد غير معدّ مع الغروب، لتحين ساعة اعتقالي، وفي قلبي غصة كبرت مع الأيام بأنني لم أره إلا عدة مرات، كنا نسترقها من براثن الأشواك التي لم تكن لترأف بأخ لم يرد إلا احتضان أخيه بعد غياب مرًّ وطويل.
ومن خلال نقلي من مكان مظلم لآخر بين فرع الجوية والفرقة الرابعة، التقيت في سجني بالعديد من أصدقاء عمر، ولأنهم بضع منه وهو جزء منهم فقد أحاطوني بالكثير من عنايتهم وعطفهم واهتمامهم لأنني «أخو عمر» كما كانوا ينادونني طوال فترة بقائي معهم، ولذا أغدقوا علي محبتهم وحنيّتهم منذ اللحظة الأولى التي عرفتهم بها وحتى مفارقتي لهم.
في آخر رسالة كتبت له «ابقَ على قيد الحياة ولا ترمِ بنفسك للموت» أجابني قائلًا: «أنت تعرف جيدًا بأنني أريد أن أستشهد» وفي 22 آب فعل، وكانت الملائكة حاضرة لتزفّه.. ولم أكن أنا!… لقد صدقت يا أخي فلقد كنت «أعرف» ولكن مجرد تفكيري بذلك كان يخيفني، رحتُ أهذي كشجرة تتقاذفها الرياح من كل جانب، وأفكر بأمي التي كان عمر أكثرنا معرفة بقلبها الضعيف، وأكثرنا حنية عليها، وأكثرنا قدرةً على زرع الابتسامة على ثغرها رغم أوجاعها بطيبة قلبه ، كان عمر أكثرنا معرفة بأبي الذي سيخفي ما لا يبديه للناس من قوة ومكابرة ونار الألم تشتعل داخله، وبإخوتي وأولاد أخي الذين ألفوا مرح عمر ومزاحه وملاعبته لهم، وهم ينتظرون عودته من المسجد كعادته حاملًا لهم أكلاتهم الطيبة ومحبته، هو قدر الأبطال يصغر كل شيء أمام ما يريدون.
سامحني يا أخي لأنني لم أستطع أن أضع باقة دمع على قبرك، أو أن أغرس كلمة حب على صدرك، وألفّها بغصن من الآس عبيره كعطرك، أو أن أطبع قبلة دافئة على وجنتيك، أو أن أمسح التعب عن جبينك، أو أن أصنع لك عقد ياسمين أبيض كقلبك، فلقد كنت لتفعل أكثر من ذلك بكثير لو كنت مكانك، فسامحني لتأخري فلقد كنت دائمًا تسبقني في كل شيء، في الحب والخير والحنان وها قد سبقتني اليوم أيضًا.
سامحني يا أخي إن لم تطفئ عَبَراتي نيران شوقي المحترقة بين ضلوعي، وأنت أكثر من أتحرق لرؤيته وضمّه وشمّ عطره، هل تذكر عطرك يا عمر وعطري الذي كنت تقاسمني إياه، لطالما كان عطرك أحب عندي وأجمل، فمن سيشاركني بعد اليوم عطري وغرفتي الصغيرة ورفوف مكتبتي وأحزاني ولقمة العيش في كل صباح.
سامحني يا أخي فصورك لا تفارقني واللحظات التي تقاسمنا حلوها ومرّها معًا تسري في شراييني وأوردتي، وتتفجر مع كل طرفة دمًا وقهرًا وذكرى، فكيف أقوى على إسكاتها كما يريدون، وكأن الدموع تنتظر منّا إذنًا لتُسكَب أو تجف، وكأن بيدي أمر استعراض شريط الذكريات التي عشتها معك صورة إثر صورة، ومع كل صورة ألم ووجع وألف ألف آه وآه ممتزجة بحنين لروحك المرحة، ولطافتك وصبرك علي، ولدردشاتنا كل مساء والتي لم تفرقنا يومًا، ولصوتك العذب وأنت تتلو القرآن، ولضحكتك الرائعة والتي لن أنساها ما حييت.
رأيتك عمر بعد رحيلك بأيام!…نعم لقد رأيتك وزرتني في منامي، وأعطيتني شيئًا ثم اختفيت، ولأنني سجين فلا ضير من أن أؤمن بالأحلام فهي «كلام الله بلغة البشر» -كما يقولون- وكيف لا أؤمن بها وقد غدت متنفسي الرهيب والوحيد الذي سأراه وأضمه فيها بعد الآن، أخبروني بأنك دفعت عني بلاء ما، ولقد كنت طوال حياتك تفعل ذلك.
أيها السائرون على دروب الموت رفقًا بقلوبنا الضعيفة، فلم نعد نقوى على مراقبتكم تنطفئون شمعة تلو الأخرى ونحن مكبلون لا نقدر على شيء، ولا حتى على توديعكم، وأرجوكم كفى موتًا لأجلنا، وابقوا أحياء من أجلنا فنحن بدونكم «أمواتٌ غير أحياء»، فما كل من تنفس حيّ، ولا كل من انقطعت أنفاسه ميّت.
وأنت يا أخي وصديقي أبو عاصم فارقد بسلام ضاحكًا مستبشرًا -كما عهدناك- حيث أردت أن تكون، فقد حققت «أسطورتك» أما أنا وأهلك وأصحابك فسيفرغ الله علينا صبرًا، وسيكفيني من حياتي بأن أكون «أخو عمر».

تابعنا على تويتر


Top