فرقة خطوة الفنية.. المأساة السورية على الأرصفة التركية

IMG_7835-copy1.jpg

عنب بلدي – اسطنبول

في «دكانة» صغيرة لا تتجاوز مساحتها 30 مترًا في حي شعبي غرب مدينة اسطنبول التركية.. خلف جدران مهترئة زينتها أعلام بلدان الربيع العربي ورموز ثوراتها، وبعيدًا عن صخب وأضواء الحراك السياسي والإعلامي المرافق للثورة السورية، يلتئم عشرة شباب سوريون (عرب وأكراد) ينحدرون من مدينة حلب، مساء كل يوم، ليتابعوا التدريب على عروضهم الفنية، التي بدأوا بالعمل عليها قبل سنة، في محاولة منهم للفت أنظار العالم إلى الأزمة السورية والضغط على الرأي العام لمناصرة قضيتهم.

«خطوة» هو الاسم الذي اتخذه الشباب لفرقتهم، في إشارة إلى بداية مسيرتهم الفنية من «لا شيء»، إذ بدأت الفرقة تخطو باتجاه العمل المسرحي بدون الاعتماد على معارف أكاديمية أو خبرات في التمثيل والمسرح، كما يعبر شاهين مدير الفرقة (24 عامًا)، والذي يعمل مترجمًا من التركية إلى العربية. ويضيف صديقه يوسف أن معظم أعضاء الفرقة ينتمون إلى منطقة اسمها «تلة عندارة» في مدينة عفرين، والتي تضم أثرًا لأقدم خطوة إنسان على الأرض، ما يجد فيه معنى آخر يرمز إليه اسم فرقتهم. يوسف (24 عامًا) يدرس اللغة العربية ويساهم في التمثيل وكتابة السيناريوهات.

تأسست فرقة خطوة الفنية في حلب في تشرين الثاني 2012، وبدأت نشاطها من خلال المظاهرات التي كانت تنظمها تنسيقية حلب، وقد أنتجت خلال تلك الفترة ثلاثة أفلام صامتة لا تتجاوز مدة الواحد منها 10 دقائق، لكنها لم تجد منبرًا لعرضها وبقيت حبيسة  أقراص التخزين وأجهزة اللابتوب، كما يقول يوسف. ثم تصاعدت الأحداث في حلب فتفرق شباب الفرقة الوليدة في أماكن مختلفة داخل سوريا وخارجها، وتوقف نشاطهم، «آخر فلم ما اتمنتج لأنوالمخرج نزح ع العراق».

شاهين، يوسف، خالد، جيفارا، كاوى، ديار، محمود، هم بعض أعضاء الفرقة الذين التقيناهم في «مسرح الدكانة»، كما يسمونه، تتراوح أعمارهم بين 18 و 25 سنة ويعملون في مهن مختلفة، ويؤدي كل منهم دوره الذي يجيده ضمن الفرقة، تأليف، تمثيل، تصوير، مونتاج…، يتدربون بأنفسهم ويقيمون عملهم بأنفسهم أيضًا.

تقدم الفرقة عروضًا صامتة، تستخدم في مشاهدها ديكورات بسيطة (كرسي قديم، قطعة قماش، طاولة صغيرة) ومجموعة من أدوات التمثيل (بنادق بلاستيكية، أعلام ولافتات)، بالإضافة إلى لابتوب ومكبرات صوت متواضعة من أجل المؤثرات الصوتية، وذلك ضمن مساحات لا تتعدى العشرة أمتار، على أرصفة الشوارع العامة في المدينة، بشكل حر أو برفقة فعاليات سورية مختلفة.

وقد برزت الفرقة في عرضها الأخير الذي خصص لحملة «سلسلة الأمل – صدى مدينة» والذي قدمته في منطقة الأمنيونو وسط اسطنبول في الرابع والعشرين من تشرين الثاني الفائت، وقدمت فيه تجسيدًا صامتًا لواقع الحصار الذي تتعرض له مدينة داريا ومدن سورية أخرى، وقد لاقى العرض إعجابًا ملحوظًا من الجمهور ووسائل الإعلام التي غطت الفعالية، رغم ضيق الوقت الذي أتيح للتحضير والتدريب، كما يقول يوسف، إذ تعارض موعد الحملة مع بروفات تحضيرية لمسرحية للأطفال. لكن العرض، رغم بساطته وسرعته، ترك أثرًا ملحوظًا لدى معظم الحاضرين، ظهر في الدموع التي انهمرت على وجوه بعضهم عند مشهد سقوط المدني المحاصر في كمين الخبز على أيدي قوات النظام، وهو ما يعتبره شاهين الغاية المرجوة من العروض الصامتة التي يقدمونها، والتي بمقدورها إيصال الرسالة المطلوبة إلى الجمهور الأجنبي «على اعتبار أننا غرباء».

ويضيف شاهين “قدمنا أربعة عروض مسرحية في شوارع اسطنبول، هي: الأمل، الطاولة، الغافلون، الكرسي. وقد لاقت العروض صدى جيدًا لدى الحضور، الذين وصل عددهم في أحدها إلى حوالي 400 شخص، وذلك من خلال الهتافات والتصفيق”.

فرقة خطوة الفنية

لكن الفرقة ظلت تقدم عروضها في أماكن محددة دون أن تستطيع الوصول إلى أماكن أكثر شهرة وأهمية في المدينة السياحية، وذلك لأن مثل هذه النشاطات تحتاج إلى موافقات من السلطات التركية، فاقتصرت في تقديم عروضها على مرافقة الفعاليات المرخصة كالمظاهرات والاعتصامات، وأحيانًا بشكل مستقل في الأماكن العامة ما أدى إلى قيام الشرطة التركية أخذ أسماء وعناوين أعضاء الفرقة. يقول شاهين “سعينا للحصول على موافقة وقد ذهبت إلى القائم مقام فطلب مني مراجعة مكتب الائتلاف، لكن الائتلاف لم يتجاوب، ولم نكرر المحاولة”. ويضيف يوسف “واجهنا بعض الإزعاج وتلقينا تحذيرات من بعض السوريين وتنبيهات لعدم إعادة العروض، خصوصًا مسرحية (الطاولة) التي تتطرق لمشكلة الأحزاب الكردية وتعقيداتها، كما أننا نتلقى عبر صفحة الفرقة على الفيسبوك بعض الشتائم من مؤيدي النظام”. لكن الفرقة بدت من خلال تقبلها للنقد الذي وجه إليها أنها مصرة على المضي قدمًا في تقديم عروضها.

تواجه فرقة خطوة الفنية العديد من المشاكل، أبرزها العقبة المادية، فجميع أعضاء الفريق مضطرون للعمل من أجل تمويل إقامتهم في البلد الجار، لا سيما أن معظمهم مسؤولون عن عائلات تقيم برفقتم، وهو ما يعيق تأمين المعدات واللوازم الخاصة بعملهم الفني، فالفيلم الذي يتم إعداده الآن حول قصة «الوطن الضائع» توقف إنتاجه على وجود كاميرا فيديو احترافية، فالكاميرا المنزلية التي يستخدمونها لم تعد تفي بالغرض. يقول شاهين «كلنا عم ندعم بعض وعم نقطع عن حالنا منشان نشتغل هون».

من جهة أخرى يفتقر الفريق إلى وجود الخبرات الأكاديمية في صفوفه، ووقفت المشكلة المادية مجددًا في طريقهم عند محاولة استقدام أي من الخبرات الفنية التي يمكنها أن تساعدهم. ورغم الدعم الفني والمهني الذي تقدمه منظمات سورية ودولية للنشطاء السوريين في المجالات الإعلامية والسياسية والمدنية المختلفة، إلا أن فرقة خطوة لم تتلق أي دعم من هذا النوع، ولم يسبق أن عرض على أعضائها أي فرصة للتدريب أو التطوير.

في نهاية اللقاء الذي أجرته عنب بلدي مع الفرقة في «دكانتها»، يقول شاهين إنه مستمر وفرقته في مشروعهم رغم الإمكانيات الضعيفة، معتبرًا أن الاستمرارية حتى الآن «لحالها بتكفي» وأنه متفائل جدًا بمستقبل هذه التجربة الطموحة.

مسرحية “السقف الثالث” – فرقة خطوة الفنية

تابعنا على تويتر


Top