حجاب وتمائم زمن الحرب

.jpg

عنب بلدي – العدد 145 – الأحد 30/11/2014

تمائم بيلسان عمر – ريف دمشق

يعلّق البعض تمائم من خرز وغيرها لنفسه وأولاده وبيته ومركبته ليدرأ عنه عين الحاسدين، ظانًا أنها تمنع عنه الأذى، وتجلب له الرزق والحظ السعيد، وتشفي مريضه، بينما يستخدم آخرون حُجُبًا تضم كتابات غير مفهومة، طلاسم وأرقامًا حسابية أو أحرفًا مقطعة، ويدّعي غالبية كتّاب هذه الطلاسم أنهم يستعينون بآيات من القرآن ليصبغوا عملهم هذا بشرعية دينية، حتى وصل الأمر عند بعض العلماء إلى عدم تحريم مثل هذه “الخزعبلات” شريطة أن تكون، كما يرون، مكتوبة باللغة العربية، وبآيات من القرآن والأحاديث النبوية.

السيدة أم رامي، 28 عامًا، تخاف على زوجها، لا من الاعتقال فحسب، وإنما من أعين الحاسدات، لكونه الرجل الوحيد في الحي، في ظل اعتقال أزواج جاراتها واستشهاد آخرين منهم، “كل ما طلع زوجي بالحارة بحس جاراتي رح ياكلوه بعيونهم، فقلت أحسن شي أكتب له حجاب يبعد عنه كيدهم”، لتلجأ أم رامي إلى شيخ يطلب منها قطعة من ثياب زوجها، ومواد لا تقدر على إعادة صياغة أسمائها لغرابتها، فقد كتبها لها على ورقة وكأنها وصفة طبية، وفي الزيارة التالية وضع الشيخ المقادير ضمن حجاب، وأحكم إغلاقه، وطلب منها ألا تفتحه “قبل ما يطلع زوجي أول شي بتأكد أنو ما نسي الحجاب، بعدين بمشي معه لآخر الحارة، لأتأكد أنو مفعول الحجاب شغال وعم يصب خردل بعيون جاراتي”.

أما غدير، 22 عامًا، فقد مضى على زواجها أربع سنوات، ولم ترزق بطفل. وتربط غدير وقوع حالة الإجهاض كل مرة مع منام يراودها، ترى فيه أشخاصًا غرباء يطلبون منها القيام بأفعال معينة، وأكثر من مرة استيقظ زوجها على صوت خطاها على سطح المنزل، وأنقذها عدة مرات وهي تحاول أن تشعل النيران بنفسها، وكل مرة تبرر له أفعالها بقولها “هنن قالوا لي أعمل هيك، وعم يهددوني إذا ما نفذت أوامرهم”، لتقرر غدير أن تقصد شيخًا أشاد به كل من زاراه من أقربائها، وطلب منها أن تروي له قصتها، وهو يضع يده على رأسها ويقرأ تعويذات، بعد أن اتفقت معه أن يكتب لها حجابًا يساعدها على تثبيت الحمل، وخاصة في ظل الخوف الكبير الذي تعيشه مع أصوات القصف والاعتقالات اليومية.

أم شادي، سيدة في العشرينات من عمرها، تعرض ابنها لطلق ناري في قدمه، فامتنعت عن علاجه في المشفى أو بعيادة الطبيب خوفًا عليه، “نحن هنا في الغوطة الغربية، لم أتمكن من إسعافه خوفًا من اعتقاله، وبقي يعاني من إصابته، إلى أن أخبرتني جارتي أن خال زوجها شيخًا جليلًا يكتب للمرضى، وحضر هذا الشيخ إلى بيتنا، وقام بغلي الزيت وصبه على قدم ابني -بعد أن أصابتها الغرغرينة- ثم كتب لابني حجابًا يقيه شر تدهور حالته الصحية أكثر، ومع أنني امرأة مثقفة وأدّعي الوعي وعدم الإيمان بمثل هذه الخزعبلات، إلا أنني نفذتها بالحرف إذ باتت المخرج الوحيد لشفاء ابني”.

ويكاد يتوافق رأي أم شادي من موضوع الحجاب مع رأي ريم الطالبة الجامعية، والبالغة من العمر 21 عامًا، “تهجرنا وعائلتي ومكثنا في سقيفة محل تجاري لصديق والدي في الحريقة، حتى نتمكن من إكمال دوامنا الجامعي، ولم يجد والدي عملًا يكفينا مرارة النزوح، كلما ضاقت الحال بنا أكثر يزداد إصرار أمي بأن نزور شيخًا عسى أبواب الرزق تفتح لأبي، ونرقي أنفسنا علّ خاطبًا يطرق بابنا فننهي معه آلام العنوسة –على حد تعبير أمي- فهي ما زالت متمسكة بفكرة أن هم البنات للمات، وبعد كل محاولاتنا وإخوتي أن نقنعها بعدم جدوى ذلك، رضخنا لإرادتها وكلنا يقين أن مثل هذه الخزعبلات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكن من باب التخفيف من توتر أمي حيال هاتين الأزمتين بنظرها”.

قصص مشابهة، قلت أو كثرت، لا ننكر وجودها في مجتمعنا، كنموذج عن حالات ورّثتنا إياها العادات والتقاليد وقلة الوعي، وكذلك قلة الأخذ بالأسباب واللجوء إلى طبيب مختص أحيانًا، أو ربما رقية شرعية أحيانًا أخرى، ولكن بذات الوقت لا ننفي أن الحرب زادت من غموض هذه الطلاسم، في ظل تخلي كثر عن المبادئ أمام سطوة لقمة العيش على لحظاتهم.

تابعنا على تويتر


Top