الناعور مرض وراثي مرتبط بالجنس

4466266_l12.jpg

د. كريم مأمون

أدت الحرب في سوريا إلى نزوح نسبة كبيرة من الشعب السوري خارج بلاده، إضافة لوجود الآلاف في المناطق المحاصرة، وقد انعكس ذلك سلبًا على المصابين بالأمراض المزمنة بسبب عدم قدرتهم على تأمين الأدوية اللازمة، فأصبحنا نسمع بكثير عن الحالات التي تتطلب مساعدة مستمرة، ومن هذه الحالات مرضى الناعور، فرغم أن هذا المرض نادر نسبيًا إلا أنه يبقى مع الشخص المصاب مدى الحياة، ويحتاج للعلاج المتكرر.

ما هو مرض الناعور؟

الناعور، أو النزاف، أو نزف الدم الوراثي، أو الهيموفيليا، كلها أسماء لمرض وراثي يعني عدم تخثر الدم عند حدوث أي جرح، سببه نقص أو اختلال في عنصر من عناصر التخثر، ولا سيّما عامل التخثر الثامن أو التاسع، ونتيجة لهذا القصور في هذين العاملين يتأخر تخثر الدم وتطول مدة النزف، فالمصاب بالناعور لا ينزف أسرع من الآخرين، بل ينزف لمدة أطول.

وعوامل التخثر هي بروتينات خاصة موجودة في بلازما الدم، يوجد منها سلسة تبدأ من العامل رقم 1 وحتى العامل رقم 12، تعتبر ضرورية لالتصاق الصفيحات الدموية وحدوث تخثر الدم عند إصابة أحد الأوعية الدموية، وبذلك يسد مكان الإصابة ويتوقف النزف. وبشكل عام يتعرض الناس خلال حياتهم اليومية إلى تمزقات بسيطة في الأوعية الدموية الصغيرة في أنسجة الجسم المختلفة نتيجة أي ضغط أو ضربة بسيطة، ويتبع ذلك نزف بسيط غير محسوس يتوقف تلقائيًا بفعل صفيحات الدم وعوامل التخثر، إلا أنه لدى مرضى الناعور يستمر النزف لفترة طويلة، وفي كثير من الحالات ينتبه المريض للنزف دون أن يكون قد انتبه للسبب الذي أدى إلى حدوث هذا النزف.

الناعور، هو مرض وراثي مرتبط بالجنس، فهو يحدث نتيجة وجود اضطراب في المورثات المسؤولة عن تصنيع عوامل التخثر في الدم ما يؤدي إلى نقص أو غياب أحد عوامل التخثر (الثامن أو التاسع أو الحادي عشر)، وتكون هذه المورثات موجودة على الصبغي الجنسي إكس، ولأن الذكر لا يملك سوى صبغي جنسي إكس واحد (الثاني واي) لذلك فإن الناعور يصيب الذكور، بينما تملك الأنثى صبغيين إكس، فإذا كان أحدهما يحمل مورثات المرض فإن الصبغي الثاني السليم سيمنع ظهوره، وبذلك فالأنثى تحمل المرض وتنقله لأبنائها، ومن النادر جدًا أن تكون الأنثى مصابة حين يكون صبغيي إكس لديها يحملان مورثات المرض.

وقد كانت الملكة فكتوريا ملكة إنكلترا حاملة للمرض، ونقلته إلى ابنها و بناتها اللواتي نقلنه إلى العوائل الحاكمة عبر القارات، ومنهم الأسر الحاكمة في إسبانيا وألمانيا وروسيا، ولهذا فقد اشتهر مرض الناعور وسمي بـ “المرض الملكي”.

ومع ذلك فإن هناك حالات يولد فيها طفل مصاب بالمرض في عائلات ليس فيها تاريخ إصابة به، ويكون السبب هو حدوث طفرة مورثية، إما أنها حدثت لدى الأم وبدورها نقلتها لأبنائها، أو أن الطفرة قد حدثت في بويضة الحمل والأم ليست حاملًا للمرض.

ما هي أنواع مرض الناعور؟

يقسم الناعور، بحسب عامل التخثر الناقص، إلى ثلاثة أنواع:

الناعور أ: ينجم عن نقص العامل الثامن، وهو الأكثر شيوعًا، حيث يمثل 80% من مجموع الحالات المصابة، لذلك يسمى الناعور الكلاسيكي، يصيب الذكور فقط، ومن أهم أعراضه النزف المتكرر بدون سبب أو مرض واضح.

الناعور ب: ينجم عن نقص العامل التاسع، ويمثل 15% من مجموع الحالات المصابة، ومن أهم أعراضه النزف المستمر نتيجة إصابات بسيطة.

الناعور ج: ينجم عن نقص العامل الحادي عشر، وراثته لا ترتبط بالجنس، ولذلك فهو يصيب الذكور والإناث على حد سواء، إلا أنه نادر جدًا.

ويكون لدى مرضى كل نوع من الناعور مستوى معين من عامل التخثر، فعندما يكون عامل التخثر أقل من 1 % تصنف الحالة بالشديدة، في حال كان من 1-5% تصنف هذه الحالة بالمتوسطة، أما عندما يكون عامل التخثر بين 5-40% فتصنف الحالة بالمعتدلة أو الخفيفة.

كيف تتظاهر الإصابة بمرض الناعور؟

يتظاهر المرض بحدوث نزف في أي جزء من أجزاء الجسم، سواء الظاهرة أو الباطنة، وخاصة العضلات والمفاصل، ويحدث تلقائيًا أو بعد الإصابات الطفيفة، ومن الممكن عدم ظهور النزف الزائد على المصاب بحالة خفيفة من الناعور إلا عند خضوعه لبعض العمليات الجراحية الصغرى كقلع الأسنان أو عند تعرضه لحادث، وتتفاوت نسبة النزف بحسب درجة نقص عامل التخثر، وعمر الشخص المصاب، ومعدل النشاط الحركي للمريض.

وتبدأ الأعراض في الظهور عادة بعد الختان حيث يستمر النزف لبضع ساعات أو أيام، كما تظهر كدمات زرقاء متكررة تحت الجلد عند الأطفال بعمر 1 – 2 سنة، إضافة لحدوث رعاف متكرر وغزير، وكذلك حدوث نزوف بعد إعطاء الحقن العضلية، وحدوث نزوف شديدة نتيجة جروح صغيرة.

وقد يحدث نزف في الأعضاء الداخلية كالجهاز الهضمي أو البولي، وكثيرًا ما يحدث في المفاصل، خاصة الركبتين، فيتجمع الدم في الفراغ المفصلي مسببًا تورم وانتفاخ المفصل مع ألم بتحريكه، ويقوم الجسم بإفراز أنزيمات لإذابة وامتصاص الدم المتجمع، لكن هذه الأنزيمات تهضم حواف الغضروف المفصلي أيضًا، ومع تكرار النزوف غير المعالجة تتآكل عظام المفصل، ما يجعل المصاب يعاني بعد ذلك من تليف وتيبس ويصبح بعد سنوات قليلة معاقًا حركيًا، وعند سن البلوغ يحتاج إلى عملية لتغيير المفاصل إذا لم يتلق العلاج المناسب منذ الصغر.

ويمكن أن يحدث النزف في الدماغ نتيجة رض على الرأس، فيشكو المصاب من صداع شديد مع إقياء متكرر ووسن وألم مع تيبس في الرقبة، وقد تتطور الأعراض إلى ازدواجية في الرؤية (شفع) واضطراب في المشي واختلاجات، وهذه الحالة بحاجة لعلاج سريع وإلا قد تسبب الوفاة.

كيف تتم المعالجة؟

عند حدوث نزف خارجي لا تتم خياطة الجروح وإنما تربط بأربطة ضاغطة وتوضع عليها كمادات باردة لوقف النزف، وعندما يكون النزف في المفاصل يُنصح بالراحة التامة في الفراش وعدم تحريك المفصل، واستخدام كمادات الثلج على المفصل، مع أخذ مسكنات الألم.

وعلى الرغم من أنه لا يوجد علاج لمرض الناعور، إلا أنه يمكن السيطرة عليه بالحقن العادية لعامل التخثر الناقص، أي العامل الثامن في الناعور أ أو العامل التاسع في الناعور ب، ويتم إعطاء عامل التخثر المناسب عن طريق الوريد كل 12 ساعة لمدة يومين أو ثلاثة أيام ليساعد الدم علي التخثر. وهناك العديد من مشتقات البلازما التي يمكن استخدامها في هذه الحالات إلا أنه قد ينتج عنها انتقال بعض الأمراض مثل التهابات الكبد الفيروسية أو الإيدز.

ويمكن اللجوء إلى العلاج الوقائي عن طريق حقن الطفل المريض كل 48 ساعة بعوامل التخثر، ورغم أنه يتكلف أكثر من العلاج بالبلازما لكنه يفيد في الحفاظ على المفاصل والعضلات في حالتها الطبيعية حتى لا تحدث أي إعاقة للطفل.

أخيرًا.. من الضروري الإلمام بالنواحي العاطفية والسلوكية والاجتماعية للطفل المصاب بالناعور، بجانب احتياجه إلى العلاج الدوائي، لمساعدته على العيش بصورة طبيعية قدر الإمكان.

تابعنا على تويتر


Top