ضغط تركي يدفعها للبحث عن حليف

“الإدارة الذاتية” تفشل في التقارب مع أطراف داخلية سورية

سكان بلدة الدرباسية ينتخبون أعضاء مجالس البلدية في إطار انتخابات تمهيدية في مناطق الإدارة الذاتية- أيار 2024 (الشرق الأوسط)

camera iconسكان بلدة الدرباسية ينتخبون أعضاء مجالس البلدية في إطار انتخابات تمهيدية في مناطق الإدارة الذاتية- أيار 2024 (الشرق الأوسط)

tag icon ع ع ع

ظهرت ملامح تصعيد شمال شرقي سوريا بعد إعلان “الإدارة الذاتية” المسيطرة على المنطقة، عن نيتها إطلاق انتخابات بلدية بمناطق سيطرتها، وهو ما رفضته جهات محلية ودولية.

“الإدارة الذاتية” أجلت انتخاباتها لمرتين على التوالي، بينما حافظت تركيا على رتم التصريحات المنددة بالانتخابات، معتبرة الخطوة على أنها محاولة لإنشاء دولة على حدودها الجنوبية داخل الأراضي السورية.

وما إن أجّلت “الإدارة” انتخاباتها للمرة الثانية، مطلع حزيران الماضي، حتى بدأت التصريحات التركية تتعالى مجددًا، حول ضرورة تطبيع العلاقات مع النظام السوري الذي كانت تعتبره عدوًا على مدار 13 عامًا، بهدف مكافحة نشاط المنظمات المدرجة على قوائم “الإرهاب” لديها.

وتعتبر تركيا “الإدارة الذاتية” امتدادًا لـ”حزب العمال الكردستاني” المدرج على “لوائح الإرهاب” لديها ولدى والولايات المتحدة، ودول أوروبية.

الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أعلن في نهاية حزيران الماضي، نيته دعوة رئيس النظام السوري بشار الأسد للقاء شخصي في تركيا، في حين اعتبرت “الإدارة الذاتية” أن هذه الخطوة جاءت لاستهدافها.

وتوالت البيانات والتصريحات من “الإدارة” والأطراف الأخرى المنبثقة عنها والممثلة لها، حملت المخاوف نفسها، لكنها لم تتوقف عن محاولة توحيد خطابها نحو المعارضة السورية، وسكان مناطق النفوذ التركي شمال غربي سوريا.

طرح يهدف لـ”تسجيل النقاط”

تزامنًا مع ازدياد حدة المخاطر التي تستهدف مشروع “الإدارة الذاتية”، حاول “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد) مغازلة المعارضة، إذ دعاها للحوار تحت عنوان “المشروع الوطني السوري”.

وقال “مسد” عبر بيان، إن محاولات الحكومة التركية في إعادة العلاقات مع دمشق “على حساب مصالح وطموح الشعب السوري”، تؤكد على أن خلاص السوريين لن يتحقق إلا بوحدتهم وتعاونهم وتجاوز خلافاتهم لصالح “المشروع الوطني السوري الجامع”.

وأبدى جاهزيته للحوار مع المعارضة، لكن الأخيرة لم ترد.

طرح “مسد” للحوار مع المعارضة سبق مسار التقارب بين تركيا والنظام، لكن لهجته تغيرت مع ظهور هذا المسار، إذ صدر بيان عن الهيئة الرئاسية لـ”مسد”، في 3 من حزيران الماضي، قال فيه إنه “منفتح للتواصل مع جميع القوى الوطنية في المناطق المحتلة لإنهاء الاحتلال وتحقيق التحوّل الديمقراطي”.

ولم يحدد “مسد” المقصود بـ”القوى الوطنية”، لكن من المعتاد أن يطلق على مناطق شمال غربي سوريا اسم “المناطق المحتلة”، في إشارة إلى النفوذ التركي فيها، ويعادي الجهات السياسية والعسكرية المنتشرة في المنطقة، ويستخدم في أدبياته كلمة “مرتزقة” لوصف هذه الجهات.

وبينما تواصلت عنب بلدي مع “مسد” للحصول على توضيحات حول الجهات التي يمكن أن تجري حوارًا معها، لم تحصل على أي رد، في حين قال عضو الهيئة السياسية في “الائتلاف الوطني السوري”، وعضو “المجلس الوطني الكردي” عبد الله كدو، إن طرح “مسد” ليس جديدًا.

وأضاف لعنب بلدي أن مسألة طرح الحوار مع الأطراف السورية المعارضة من “مسد”، متكررة، تهدف لـ”تسجيل النقاط ليس إلا”.

ويرى كدو أن طرح “مسد” للحوار تكرر حتى مع تركيا، لكنه في الوقت نفسه يطلب من “المجلس الوطني الكردي”، بطريقة أو بأخرى، خلال الحوارات البينية حول الشراكة في إدارة المنطقة، الانسحاب من “الائتلاف”، لإتمام أي اتفاق.

وأضاف أن “مسد” وجهات أخرى من إدارة المنطقة، مثل “حزب الاتحاد الديمقراطي” (PYD) الذي يشكل عماد “الإدارة الذاتية”، يستمرون باتهام “المجلس الكردي” بالعمالة لتركيا، وفق كدو، وهو اتهام مرتبط بمرجعية هذه الأطراف إلى “حزب العمال الكردستاني” (PKK).

بعد تنصل أمريكي وتصعيد تركي

في 6 من حزيران الماضي، أجلت “الإدارة الذاتية” انتخاباتها، وقالت إن قرار التأجيل جاء “استجابة لمطالب الأحزاب والتحالفات السياسية المشاركة في العملية الانتخابية، وحرصًا على تنفيذ العملية الانتخابية بشكل ديمقراطي”.

والتقطت وسائل الإعلام التركية خبر تأجيل الانتخابات سريعًا، وربطت الحدث بالضغوط التي مارستها أنقرة مؤخرًا لمنع إقامة الانتخابات التي اعتبرتها تمهيدًا لإقامة “كيان إرهابي” على حدودها الجنوبية.

وقالت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT) حينها، إن منظمة “PKK/ YPG” التي كانت تخطط لإجراء انتخابات محلية في سوريا، اضطرت إلى تأجيل الانتخابات بعد أن حذرت تركيا من أنها لن تسمح بإقامة “دولة إرهابية” في المنطقة.

من جانبها، نقلت صحيفة “سوزجو” التركية المعارضة، عن مصادر أمنية لم تسمّها، أن “حزب العمال الكردستاني” حاول إقامة “صناديق اقتراع” في سوريا في إطار خطته للحصول على اعتراف دولي، معلنًا عن انتخابات محلية.

الموقف الأمريكي تسبب بضغوط إضافية لـ”الإدارة”، إذ تنصلت واشنطن من دعم خطوتها في إقامة انتخابات عبر سلسلة من التصريحات، كان أحدثها في 4 من تموز الحالي، عندما قال نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى إيثان جولدريتش، إن لواشنطن مخاوف بشأن نية “الإدارة الذاتية” إجراء انتخابات محلية.

وأضاف خلال لقاء مع وكالة “رووداو“، إن هناك شيئًا واحد يقلق بلاده في الوقت الراهن، وهو أن هناك حديثًا عن انتخابات في شمال شرقي سوريا، مشيرًا إلى أن واشنطن لا تعتقد أن الظروف مواتية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وشاملة.

جولدريتش قال أيضًا، “لا نعتقد أن هذه الظروف متوفرة. لذا، لا نعتقد أنه ينبغي إجراء انتخابات في شمال شرق سوريا”.

الخبير التركي في السياسات الخارجية والأمنية عمر أوزكيزيلجيك، فسر الموقف الأمريكي من انتخابات “الإدارة الذاتية” على أنه مرتبط بالمصالح الجيوسياسية الحالية للولايات المتحدة مع تركيا.

وقال أوزكيزيلجيك لعنب بلدي، إن واشنطن ترغب بالحفاظ على علاقتها مع أنقرة وتحسينها، ودعمها للانتخابات من شأنه أن يخلق توترًا مع تركيا يضر مصالحها الاستراتيجية في سوريا.

أضاف أنه من شأن الانتخابات أن تعود بالضرر على أهداف واشنطن طويلة الأمد في سوريا، إذ ستزيد من حجم التوترات بين الجهات الفاعلة المحلية وسكان بالمنطقة، ما دفعها للضغط على “الإدارة الذاتية” للتأجيل.

طموح “الإدارة” يصطدم بتركيا

منذ الإعلان عن تأسيسها عام 2013، تراقب “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا المفاوضات بين المعارضة والنظام برعاية دولية، والمبادرة العربية وخطوات التطبيع مع النظام، إذ يبدو واضحًا عجزها عن الانخراط في أي منها، جراء عدم الاعتراف بها من قبل جميع الأطراف، حتى حلفائها في الولايات المتحدة الأمريكية.

ورغم السعي المستمر للحصول على اعتراف، ومحاولات تجاهل هذا الواقع، اصطدمت مشاريع “الإدارة” دائمًا بهذه التفاصيل، كان أحدثها خطوة التي تنظيم انتخابات البلديات في مناطق سيطرتها.

وما إن أعلنت عن موعد الانتخابات، حتى تهافتت الإدانات من الأطراف المحلية السورية، والتهديدات التركية، والتنصل الأمريكي، مشكّلة دافعًا لتأجيل الانتخابات، رغم أن “الإدارة الذاتية” لم تربط تأجيل انتخاباتها بضغوط، بل ربطتها بـ”مطالب شعبية”.

توقع الباحث في مركز “جسور للدراسات” أنس شواخ، أن انتخابات “الإدارة الذاتية” المؤجلة، لن تجري في موعدها في حال بقي الغطاء السياسي الداعم للخطوة غائبًا، ما سيجبر “الإدارة” على البحث عن داعم لخطوتها خلال الشهرين المقبلين.

السيناريوهات للبحث عن الداعم تندرج تحت خيارين، وفق ما قاله الباحث لعنب بلدي، أولهما التواصل والتفاوض مع الولايات المتحدة التي قد تعيد فتح المجال لاستئناف الحوار “الكردي- الكردي” الذي تعتبر الانتخابات أحد أهم محاوره.

أما السيناريو الثاني فيكمن في توجه “قسد” للتفاوض مع روسيا والنظام في الفترة التي تشهد مساعي للتفاوض ما بين الطرفين.

واعتبر الباحث أن مسارات التفاوض التي قد تدخلها “الإدارة” من المتوقع أن تجبرها على إجراء تعديلات بقانون الانتخابات وطبيعتها، أو التراجع عن الخطوات التشريعية والقانونية التي أصدرها خلال الأشهر الماضية.

تحت مظلة النظام؟

مع تطور تصريحات “الإدارة الذاتية” تزامنًا مع الحديث عن اقتراب تحقيق تقارب تركي مع النظام السوري ضدها، خرج نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي فيها، حسن كوجر، معلنًا استعداد “الإدارة” للانخراط في محادثات مع النظام السوري، و”تحرير المناطق المحتلة إلى جانب الجيش السوري”.

وقال كوجر، في 3 من تموز الحالي، إن تركيا تريد استخدام جميع الأطراف في سوريا لتحقيق أجنداتها، لذلك ينبغي على “حكومة دمشق” أن لا تنخدع بهذه الألاعيب.

وأضاف أن تركيا “أخرجت الثورة السورية عن مسارها، لكنها لم تستطع تحقيق كل خططها”، معتبرًا أن أنقرة غيرت سياستها بنسبة 80%، وتريد تنفيذ مشاريعها من خلال النظام السوري، إذ تسعى لاستقطاب النظام إلى جانبها، عبر الحديث عن وحدة أراضي سوريا، ومحاربة “الإدارة الذاتية”.

ونوّه كوجر إلى أن “الإدارة الذاتية”، مستمرة في تواصلها مع دمشق، بهدف التوصّل لأي اتفاق وحلّ يحقق استقرار المنطقة والبلاد، مشيرًا إلى ضرورة تخلي النظام عن النظر لـ”الإدارة” على أنها تشكل خطرًا على سوريا.

وتابع، “نحن لا نشكل أي تهديد لأي طرف ولسنا أعداء لأي طرف، نحن نسعى لنبني سوريا والحفاظ على سيادة أراضي البلاد، قلناها دائمًا إننا على استعداد لتحرير المناطق السورية المحتلة بالتشارك مع الجيش السوري”.

ويرى الباحث في مركز “عمران”، سامر الأحمد، أن حديث حسن كوجر جاء على غرار تحركات “الإدارة الذاتية” لطرح مسار للحوار مع المعارضة السورية، كمحاولة غزل لا أكثر.

وأضاف أنها لن تكون مفيدة إذ يتطلع النظام إلى دعم روسي يفضي لتحسين العلاقة مع تركيا وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية مهمة.

ووفق الباحث، من غير الممكن أن يضحي النظام بكل ما يمكن أن يكسبه من التقارب مع تركيا، من أجل اتفاقية مع “قسد”.




مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة