القانون آخر خطوط الدفاع.. حين تسقطه السلطة

tag icon ع ع ع

غزوان قرنفل

القانون في أي دولة حديثة ليس نصوصًا جامدة تُدوّن بين دفتي كتاب، أو تُستحضر في البيانات والخطب، بل هو العقد الناظم للعلاقة بين السلطة والمجتمع، والضامن الموضوعي لفكرة العدالة وتكافؤ الفرص، وبالقطع هو الحاجز الأخير الذي يمنع تحوّل الدولة إلى مزرعة خاصة، أو غنيمة حرب.

المأساة تبدأ حين تكون السلطة ذاتها هي أول من ينتهك القانون ويخرقه، لا خرقًا عارضًا ولا استثناء اضطراريًا، بل ممارسة يومية وسلوكًا ممنهجًا، حتى يبدو وكأنها تدوس على القانون علنًا بلا استحياء، وبلا خجل ولا خوف من مساءلة!

كل ما جرى ويجري اليوم من تعيينات وظيفية لإشغال الوظائف العامة في مؤسسات الدولة يتم خارج الإطار القانوني الذي نص عليه القانون الأساسي للعاملين في الدولة والمعدّل بالقانون “50” لعام 2004، والذي يوجب الإعلان عن فرص العمل المتاحة والمطلوب إشغالها، وبيان شروط التقدم إليها بشكل واضح ومفصل، بما يراعي شروط الكفاءة والعلنية والشفافية، ويتيح لكل من تنطبق عليه هذه الشروط  ذكرًا كان أم أنثى، أن يتقدم إليها إعمالًا لمبدأ تكافؤ الفرص، الذي يفترض أنه أحد أسس الدولة الحديثة والذي نص عليه الإعلان الدستوري نفسه لكن لم يجد لتطبيقه حتى الآن سبيلًا! فما يحدث فعليًا هو نقيض ذلك تمامًا، إذ يتم التعيين في تلك الوظائف بالاستنساب والمحسوبية، وصلات القربى، أو على أساس الولاء السياسي والأمني، لا على أساس الكفاءة والخبرة والاستحقاق.

هكذا تتحول الوظيفة العامة من حق للمواطنين كافة إلى مكافأة توزعها السلطة على الموالين والمصفقين والمطبلين، أو إلى غنيمة يتقاسمها المتنفذون ويغدو القانون الذي يفترض أنه وُضع لضمان العدالة والمساواة مجرد ورقة مهملة لا وزن لها أمام توصية نافذ أو إشارة رضا من صاحب قرار. وفي هذا السياق لا يعود المواطن يشعر بأنه متساوٍ أمام الدولة مع أقرانه في الحقوق، بل مجرد متفرج على مسرح عبثي تدار فيه شؤون الناس وفق مزاج السلطة لا وفق نصوص القانون.

وما ينطبق على التوظيف ينطبق، وبصورة أكثر فجاجة، على العطاءات والمناقصات وعقود الاستثمار  التي أوجب قانون العقود العامة المعدل بالقانون “51” لعام 2004 بشأنها، وكل تلك القوانين لا تزال سارية المفعول وفق نص واضح في الإعلان الدستوري، أن يتم طرحها عبر إعلان علني، ودفتر شروط واضح وشفاف، وإتاحة الفرصة للجميع من أفراد وشركات بحسب مقتضى الحال، ثم اختيار العرض الأفضل وفق معايير محددة ومعلنة وشفافة تضمن إنجازًا أفضل ومردودية أعلى وبتكلفة أقل.

هذا الكلام ليس ترفًا إداريًا، بل ضمانة أساسية لحماية المال العام ومنع الفساد وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، لكن ما نراه في الواقع هو عكس ذلك تمامًا، ما نراه عقود تُبرم وتُمنح في الغرف المغلقة، ومشاريع ترسو على شركات بعينها، لا لأنها الأكفأ بل لأنها الأقرب إلى صنّاع القرار ودوائر النفوذ!

بمثل تلك الممارسات تتحول الدولة من حكم محايد إلى شريك في الفساد، ومن راعٍ للمصلحة العامة إلى أداة لإعادة إنتاج شبكة من المصالح الضيقة، ويصبح الاقتصاد نفسه رهينة لهذه العلاقات الزبائنية، حيث يقصى المستثمر الجاد، ويولّي رأس المال النظيف هاربًا، بينما يزدهر اقتصاد المحاسيب والمناسيب والوسطاء واللقطاء، والنتيجة ليست فقط هدرًا للمال العام، بل إفقار للمجتمع، وإضعاف لمؤسسات الدولة، وتعميق لفجوة الثقة بين الحاكم والمحكوم.

الأخطر من كل ذلك أن هذا السلوك لا يدمّر القانون فحسب، بل يدمّر فكرة الدولة ذاتها، فعندما يرى الناس أن القانون لا يطبق إلا على الضعفاء، وأن الأقوياء فوق المساءلة، يتآكل الإحساس بالمواطنة ويتحول الانتماء للدولة إلى عبء لا قيمة له، عندها، يلجأ الأفراد إلى بدائلهم الخاصة كالعشيرة والطائفة أو أي مظلة توفر لهم الحماية التي فشلت الدولة في توفيرها، هنا تبدأ عملية التفكك البطيء، ويصبح الوطن مجرد مساحة جغرافية لا رابطة قانونية أو أخلاقية تجمع أبناءه.

إن سلطة تتعامل مع الدولة على أنها غنيمة حرب، لا يمكن أن تبني لا دولة ولا مؤسسات، وسيكون من المستحيل عليها أن تؤسس لاستقرار أو تنمية، لأن سلطة كهذه لا ترى في القانون سوى عائق يجب الالتفاف عليه، أو أداة تستخدم انتقائيًا لمعاقبة الخصوم وحماية الحلفاء، ومع تكرار هذا السلوك، يبدأ المواطنون بالاعتقاد أن هذا الوطن بالنسبة لتلك السلطة ليس سوى مرحاض تفرغ فيه مثانتها على القوانين والحقوق، وتداس فيه الكرامات دون رادع أو محاسبة!

سبيل الخلاص واضح وبيّن، وهو يبدأ من استعادة هيبة القانون وسموّه، لا كشعار بل كممارسة فعلية تطبّق على الجميع دون استثناء، فلا دولة بلا قانون، ولا قانون بلا مساءلة، ولا مساءلة في ظل سلطة ترى أو تجعل نفسها فوق الجميع، وأي حديث عن إصلاح أو بناء أو مستقبل، سيبقى مجرد وهم ما دامت السلطة مصرّة على ازدراء القانون والتبوّل عليه مرّة تلو مرّة، غير آبهة بما يتساقط مع شرعيتها وهيبتها مع تساقط بقايا دولة ووطن.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة