
نساء يعقدن حلقات الدبكة في تحضيرات عيد النوروز في الرقة - 15 آذار 2025 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)

نساء يعقدن حلقات الدبكة في تحضيرات عيد النوروز في الرقة - 15 آذار 2025 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)
قبل أيام من حلول 21 من آذار، بدأت سوزان خورشيد (30 عامًا)، التواصل مع صديقاتها في مدينة الرقة للبحث عن خياطة الزي الكردي التقليدي الذي اعتادت ارتداءه في احتفالات عيد “نوروز” كل عام.
وتنقلت سوزان بين محال الخياطة وسألت عن الأقمشة المناسبة، بينما ناقشت مع صديقاتها الألوان التي سيخترنها هذا العام، في طقس اعتادت عليه العائلات الكردية مع اقتراب العيد.
وقالت الشابة الكردية التي تقيم في مدينة الرقة، لعنب بلدي، إن التحضير للملابس الكردية التقليدية كان دائمًا جزءًا من أجواء الاستعداد للمناسبة، إذ تجتمع النساء لتبادل الأفكار حول الأقمشة والزخارف، فيما يترقب الأطفال اليوم الذي يرتدون فيه ملابسهم الزاهية ويخرجون إلى الحدائق والساحات العامة للاحتفال.
وأضافت أن عيد “نوروز” لم يكن بالنسبة إليها مجرد مناسبة احتفالية، بل كان لحظة اجتماعية وثقافية تجمع الأصدقاء والعائلات وعيدًا قوميًا يعزز الانتماء لدى الشعب الكردي، مشيرة إلى أن التحضير للعيد كان يبدأ قبل أيام من حلوله، بدءًا من خياطة الملابس التقليدية وصولًا إلى التخطيط للخروج مع الأصدقاء والعائلة.
ويتزامن عيد “نوروز” مع بداية فصل الربيع في 21 من آذار في كل عام، ويعد من أقدم الأعياد في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إذ تعود جذوره إلى آلاف السنين.
وعرفته شعوب عدة في المنطقة، من بينها الكرد والفرس وبعض شعوب آسيا الوسطى، بوصفه بداية السنة الجديدة وفق التقويم الشمسي.
ويعني اسم “نوروز” أو “نيروز” “اليوم الجديد”، في إشارة إلى بداية دورة جديدة من الحياة والطبيعة مع انتهاء فصل الشتاء وعودة الخضرة إلى الأرض.
وارتبط العيد عبر التاريخ بفكرة التجدد والانبعاث وبداية دورة جديدة من الحياة، وهو ما انعكس على الطقوس التي ترافق الاحتفال به، وبالنسبة إلى الكرد يحمل “نوروز” دلالات رمزية عميقة، إذ ينظر إليه بوصفه مناسبة ثقافية وقومية تعكس الهوية الكردية وتاريخها الاجتماعي.
وتترافق الاحتفالات عادة مع مجموعة من الطقوس المعروفة، أبرزها ارتداء الزي الكردي التقليدي والخروج إلى الطبيعة وإقامة حلقات الدبكة والغناء الشعبي، إضافة إلى إشعال النيران التي تعد أحد أبرز الرموز المرتبطة بالمناسبة في كثير من المناطق.
ويأتي عيد “نوروز” هذا العام في سياق سياسي مختلف في سوريا، بعد صدور مرسوم رئاسي يمنح العيد اعترافًا رسميًا للمرة الأولى في تاريخ البلاد.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر منتصف كانون الثاني الماضي المرسوم “رقم 13″ لعام 2026، الذي أكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية.
ونص المرسوم على اعتبار عيد ”نوروز” عيدًا وطنيًا في سوريا، وعلى التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي في البلاد، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم الثقافي وتطوير لغتهم الأم، مؤكدًا أن اللغة الكردية لغة وطنية يسمح بتدريسها في المدارس في المناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان.
وقال جلال حمو، وهو من أهالي عفرين ويقيم في مدينة الرقة، إن عيد “نوروز” يعد مناسبة قومية تحتل مكانة خاصة لدى الكرد في مختلف أنحاء العالم، ويحتفلون بالعيد سنويًا بوصفه عيدًا قوميًا يشمل كرد تركيا وإيران والعراق وسوريا، إضافة إلى الجاليات الكردية في أوروبا.
ويرى، حمو في حديث إلى عنب بلدي، أن الاعتراف الرسمي بعيد “نوروز” يمثل سابقة تاريخية في التعامل مع الحقوق الثقافية للكرد في سوريا، مشيرًا إلى أن الاعتراف بالعيد بوصفه عطلة رسمية شكل رسالة اعتراف بأهمية هذه المناسبة ودلالاتها الثقافية.
وأوضح أن القرار عكس تحولًا في النظرة الرسمية إلى التنوع الثقافي في سوريا، ومنح الكرد شعورًا أكبر بالاعتراف بهويتهم وتراثهم.
وقبل الاعتراف بالعيد رسميًا شهدت معظم المحافظات السورية العام الماضي احتفالًا مختلفًا بـ”نوروز” بعد سقوط النظام، إذ كانت الاحتفالات بالعيد تتعرض للتقييد والمضايقات من قبل النظام، ولم يكن يسمح لأحد بالاحتفال جهرًا، حيث كان الكرد يتخذون من الغرف الكبيرة في القرى مكانًا لاحتفالهم.
وبعد ضغوط محلية وشعبية، فضلًا عن الأزمات التي كانت تحصل في هذا اليوم بسبب تمسك الكرد بعيدهم، أصدر حافظ الأسد مرسومًا عام 1988، جعل من هذا اليوم عطلة رسمية في سوريا، لكنه ربط تلك العطلة بعيد الأم.
وعقب اندلاع الثورة السورية، كانت الاحتفالات بعيد “نوروز” تتركز بشكل علني وواسع ضمن مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” شمال شرقي سوريا، إلى جانب قرى وبلدات ريف حلب، بينما كانت الاحتفالات ضيقة جدًا في مناطق سيطرة النظام السوري.
وفي المقابل، رأى بعض من التقت بهم عنب بلدي أن الاحتفالات بعيد “نوروز” في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) خرجت في بعض الأحيان عن إطارها الثقافي التقليدي وتحولت إلى مناسبة ذات طابع سياسي واضح.
وقال الصحفي صالح العيسى إن كثيرًا من الاحتفالات التي أقيمت في تلك المناطق حملت خطابًا سياسيًا مرتبطًا بأيديولوجيا “حزب العمال الكردستاني” (PKK).
وأشار العيسى إلى أن غالبية الاحتفالات لم تخلُ من حضور خطاب الحزب الذي ظهر من خلال الشعارات والخطابات السياسية التي ترافقت مع المناسبة.
وأضاف أن هذا الخطاب كان حاضرًا حتى في بعض الفعاليات التي شاركت فيها وفود من التحالف الدولي، لافتًا إلى أن تنظيم الاحتفالات في كثير من الأحيان جرى بإشراف جهات مرتبطة بـ”حزب العمال الكردستاني”، وهو ما عزز الطابع السياسي للمناسبة.
وأوضح أن صور أوجلان والعبارات المنسوبة إليه ظهرت في الفعاليات العامة بما في ذلك احتفالات “نوروز”، حيث ردد بعض المشاركين شعارات تطالب بالإفراج عنه، معتبرًا أن هذا الحضور المكثف يعكس محاولة ربط المناسبات الثقافية بالخطاب السياسي للحزب.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى