
التقدير في العلاقة الزوجية ليس مجرد تعبير بل ممارسة يومية تعكس وعيًا ومسؤولية مشتركة (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

التقدير في العلاقة الزوجية ليس مجرد تعبير بل ممارسة يومية تعكس وعيًا ومسؤولية مشتركة (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – شعبان شاميه
أظهرت دراسة قام بها باحثون من جامعة “جورجيا”، أن الأزواج الذين يعربون عن امتنانهم لبعضهم بعضًا، يكونون في مأمن من الآثار المهلكة للأوقات السيئة في الزواج، خصوصًا في أثناء الخلافات الزوجية.
وأجرى باحثون مقابلات مع ما يقرب من 500 شخص متزوج حول رفاههم المالي وأسلوب تواصلهم ومدى تكرار التعبير عن امتنانهم لبعضهم بعضًا، ووجدوا أن التعبير عن امتنان الأزواج كان هو المؤشر الأكثر دلالة على جودة الزواج.
الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، قالت في حديث إلى عنب بلدي، إن كلمة “شكرًا” تمثل من منظور نفسي علائقي سلوكًا اعترافيًا يعيد تثبيت قيمة الشريك داخل المنظومة الزوجية.
فالدماغ البشري، وفق الاستشارية، مهيأ للاستجابة لإشارات التقدير باعتبارها تعزيزًا إيجابيًا، إذ تنشط دوائر المكافأة المرتبطة بالدافعية والانتماء.
وأضافت أن الفرد حين يسمع تقديرًا صادقًا، لا يتلقى مجرد كلمة، بل رسالة وجودية مفادها “أنت مهم في حياتي”.
هذا الإحساس يعزز الترابط العاطفي ويحد من مشاعر التهديد أو الإهمال، بحسب الاستشارية، معتبرة أن التقدير على مستوى أعمق يعمل كآلية تنظيم انفعالي، إذ يخفف من استجابات التوتر ويزيد من الإحساس بالأمان النفسي داخل العلاقة.
قالت الاستشارية، إن الحب كحالة شعورية لا يكفي لضمان استمرارية العلاقة، لأن العلاقات تخضع لما يسمى “الاقتصاد العاطفي”، وهذا يتوافق مع تفسير علم النفس لتدهور العلاقة في حال غياب التقدير بالرغم من وجود مشاعر حب.
وأضافت أن التقدير يمثل أحد أهم موارد هذا الاقتصاد، وأن غيابه يؤدي إلى عجز تراكمي في الرصيد العاطفي، إذ يشعر أحد الطرفين أن استثماره غير معترف به.
هذا يخلق ما يسمى “الإجهاد العلاقي الصامت”، بحسب الاستشارية، وهو حالة من الاستنزاف النفسي غير المعلن، الذي يتحول مع مرور الوقت إلى انسحاب عاطفي أو سلوك دفاعي مثل النقد أو التجاهل، موضحة أن الخلل في هذه المرحلة لا يكون في الحب، بل في ضعف التغذية التعبيرية له.
التقدير يعزز ما يسمى “الهوية العلائقية”، وفق العرنوس، أي صورة الفرد عن نفسه داخل العلاقة، لافتة إلى أن الإنسان عندما يشعر أنه مُقدّر، تتعزز لديه مشاعر الكفاءة والانتماء، ويزداد استعداده للعطاء.
كما أن التقدير، بحسب للاستشارية، يقلل من نشاط أنظمة التهديد في الدماغ، ما ينعكس على انخفاض مستويات القلق والتوتر.
في المقابل، غياب التقدير قد يخلق حالة من “الفراغ العاطفي”، إذ يؤدي الفرد أدواره دون شعور بالمعنى.
هذا الفراغ، بحسب الاستشارية النفسية الأسرية، قد يتطور إلى احتياج نفسي غير مشبع، يظهر في شكل حساسية مفرطة أو طلب مستمر للاهتمام.
ترى العرنوس أن هناك تمايزًا مهمًا بين التقدير اللفظي والتقدير السلوكي من منظور تخصصي، فالتقدير اللفظي ينتمي إلى مستوى التعبير الرمزي، وهو ضروري لتوضيح المشاعر وإعطائها شكلًا لغويًا.
أما التقدير السلوكي فينتمي إلى مستوى التجسيد العملي، إذ يُترجم الامتنان إلى أفعال ملموسة.
الدراسات تشير إلى أن التكامل بين الاثنين هو الأكثر فاعلية، فالكلمة دون سلوك قد تفقد مصداقيتها، والسلوك دون كلمة قد لا يفسر على أنه تقدير.
من هنا، فإن التوازن بين التعبيرين يخلق ما أسمته الاستشارية بـ”الاتساق العاطفي”، وهو عنصر أساسي في بناء الثقة.
عزت العرنوس أسباب تراجع التعبير عن التقدير مع مرور الزمن في العلاقة الزوجية إلى التكيف والاعتياد، باعتبار أنه مع التكرار اليومي للسلوكيات يفقد الدماغ حساسيته تجاهها، فيتم تصنيفها ضمن الأمور المتوقعة.
في هذه الحالة، يتحول العطاء إلى واجب ضمني، ويختفي عنصر الامتنان.
إضافة إلى ذلك، قد تستهلك الضغوط الحياتية الموارد النفسية، فيقل الانتباه للتفاصيل العاطفية.
وتعتبر الاستشارية أن المشكلة ليست في غياب المشاعر، بل في غياب الوعي بها، بالتالي فإن إعادة تنشيط التقدير يتطلّب كسر هذا النمط الاعتيادي وإعادة توجيه الانتباه نحو الجوانب الإيجابية في الشريك.
أكدت العرنوس أن التقدير إذا لم يكن متجذرًا في شعور حقيقي، قد يتم إدراكه كنوع من التلاعب أو المجاملة السطحية، موضحة أن الدماغ البشري حساس جدًا لعدم الاتساق، وعندما يلاحظ فجوة بين الكلمات والمشاعر يفقد الثقة في الرسالة.
هذا قد يخلق ما يسمى “الرفض العاطفي المقنع”، بحسب الاستشارية، إذ يشعر الطرف الآخر بعدم الارتياح دون سبب واضح، لذلك، فإن الأصالة في التعبير أهم من تكراره، والتقدير الفعال هو الذي يعكس إدراكًا حقيقيًا لسلوك أو جهد محدد.
من منظور علمي، التقدير يرفع من مستوى ما يعرف بـ”الرصيد العاطفي الإيجابي” الذي يعمل كعازل نفسي في أثناء الخلافات، بحسب للاستشارية، إذ يميل الأفراد إلى تفسير سلوك الشريك بشكل أكثر إيجابية. في المقابل، عندما يكون الرصيد منخفضًا، يتم تفسير نفس السلوك بشكل سلبي.
وأضافت العرنوس أن التقدير يعزز مهارات التعاطف أيضًا، مما يسهل فهم وجهة نظر الطرف الآخر، بالتالي انخفاض حدة التفاعلات الانفعالية، وزيادة القدرة على حل المشكلات بشكل تعاوني بدلًا من تصادمي.
التقدير يسهم في بناء ما يمكن تسميته “المرونة العاطفية الزوجية”، التي تعني قدرة العلاقة على التكيف مع الضغوط والتغيرات دون أن تنهار.
وعندما يكون التقدير حاضرًا بشكل مستمر، يشعر كل طرف أن العلاقة مصدر دعم وليست عبئًا. هذا يعزز، وفقًا للعرنوس، الالتزام ويقلل من احتمالات الانفصال العاطفي، مبينة أن التقدير يرسخ على المدى الطويل نمطًا تفاعليًا إيجابيًا يصبح جزءًا من هوية العلاقة نفسها.
أوصت الاستشارية النفسية الأسرية، في حديثها لعنب بلدي، الزوجين بمجموعة نصائح عملية لتفعيل التقدير داخل العلاقة، أبرزها:
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى