باحثان يحللان السيناريوهات المحتملة

الحوار السوري- الأوروبي.. خطوة نحو التطبيع أم جس نبض؟  

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي - 9 كانون الثاني 2026 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)

camera iconالرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي - 9 كانون الثاني 2026 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – أمير حقوق

يشكّل الإعلان عن انعقاد أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا ببروكسل، في 11 من أيار الحالي، محطة سياسية لافتة في مسار العلاقة بين الجانبين، بعد سنوات طويلة من التوتر والقطيعة التي فرضتها الحرب السورية وتعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي.

اللقاء الذي يجمع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، بوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، لا يبدو مجرد اجتماع بروتوكولي عابر، ويحمل في توقيته ورسائله أبعادًا سياسية واستراتيجية تتعلق بإعادة رسم المقاربة الأوروبية تجاه دمشق، وسط تحولات متسارعة دفعت العديد من القوى الدولية إلى مراجعة حساباتها في الملف السوري.

وبينما ترى دمشق في الانفتاح الأوروبي فرصة لاستعادة قنوات التواصل الدولي، يبدو الاتحاد الأوروبي مدفوعًا بجملة من الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تجعل من سوريا ملفًا لا يمكن تجاهله في المرحلة المقبلة.

اختبار نيات أم بداية تطبيع؟

يفتح الحوار المرتقب بين الاتحاد الأوروبي وسوريا باب التساؤلات حول ما إذا كان يمثل بداية لانفتاح تدريجي بين الجانبين، أم مجرد اختبار سياسي للنيات في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

ويرى الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن انعقاد أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا “يمثل تطورًا ذا دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز البعد البروتوكولي، إذ يعكس تحولًا تدريجيًا في المقاربة الأوروبية تجاه الملف السوري بعد سنوات من سياسة العزل والاحتواء”.

وأشار العبد الله إلى أن أهمية اللقاء تنبع من تزامنه مع متغيرات إقليمية ودولية دفعت العديد من الفاعلين إلى “إعادة تقييم جدوى استمرار القطيعة السياسية، في ظل تعقيدات الواقع السوري وتنامي الحاجة إلى مقاربة أكثر براغماتية تجاه قضايا الاستقرار والهجرة والأمن الإقليمي وإعادة التعافي الاقتصادي”.

من جانبه، اعتبر الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن الحوار لا يمكن فصله عن طبيعة الاتحاد الأوروبي نفسه، موضحًا أن الاتحاد، رغم كونه تكتلًا موحدًا، لا يمتلك سياسة خارجية موحدة بالكامل، إذ لا تزال كل دولة تحتفظ باستقلالية نسبية في قراراتها الخارجية والأمنية، وهو ما يجعل أي تحول أوروبي تجاه سوريا يتم بصورة تدريجية وحذرة.

ووصف جلو اللقاء بأنه أقرب إلى “اختبار نيات” أكثر من كونه خطوة تطبيعية مكتملة، معتبرًا أن استمرار هذه اللقاءات واكتسابها طابعًا دوريًا “قد يدفع بعض الدول الأوروبية لاحقًا نحو الاعتراف بالحكومة السورية الجديدة”، ما قد يشجع دولًا أخرى على اتخاذ خطوات مشابهة، وإن كان هذا السيناريو لا يزال بعيدًا نسبيًا.

رسائل سياسية ومصالح متبادلة

المحللان توقعا أن يحمل اللقاء رسائل سياسية واضحة للطرفين، إذ يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تثبيت حضوره في أي ترتيبات مستقبلية تخص سوريا، وعدم ترك الساحة بالكامل لقوى دولية وإقليمية أخرى.

وفي هذا السياق، قال الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، إن الانخراط الأوروبي يرتبط بجملة من المصالح المباشرة، أبرزها “الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، وضبط شبكات تهريب المخدرات، فضلًا عن ضمان قدر من الاستقرار الإقليمي يحد من انعكاسات الأزمة السورية على الأمن الأوروبي”.

ويتفق الباحث عمار جلو مع هذا الطرح، مشيرًا إلى أن الملف السوري يمثل أولوية أمنية بالنسبة لأوروبا، خاصة فيما يتعلق بمنع تحوّل سوريا إلى مصدر تهديدات أمنية أو نقطة انطلاق لعمليات قد تطال القارة الأوروبية، وهو ما تعزز خلال السنوات الماضية مع صعود التنظيمات المتشددة على الأراضي السورية.

كما أشار جلو إلى أن ملف اللاجئين يشكل أحد أبرز دوافع الانخراط الأوروبي، سواء من حيث السعي إلى تهيئة ظروف عودتهم، أو منع موجات لجوء غير شرعية جديدة نحو أوروبا.

إلى جانب البعد الأمني، لفت جلو إلى أن سوريا تمتلك أهمية جيوسياسية متزايدة بالنسبة لأوروبا، بوصفها عقدة محتملة لخطوط إمدادات الطاقة والتجارة العالمية، خاصة في ظل أزمات الطاقة العالمية والتوترات المتصاعدة في المنطقة، ما يجعل أوروبا معنية بإعادة الانخراط مع دمشق ضمن حسابات استراتيجية طويلة المدى.

 

ملف اللاجئين يشكل أحد أبرز دوافع الانخراط الأوروبي مع الحكومة السورية.

عمار جلو

باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن

 

في المقابل، تنظر دمشق إلى هذا الحوار باعتباره خطوة نحو كسر العزلة السياسية والاقتصادية، وفتح قنوات للتعاون مع أوروبا بما قد يسهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة قدر أكبر من الشرعية والانخراط الدولي.

شروط أوروبية لانفتاح تدريجي

رغم الانفتاح النسبي، يبدو أن الاتحاد الأوروبي لا يزال متمسكًا بسياسة “التقدم مقابل التقدم”، أي ربط أي خطوة تطبيعية بتحقيق تقدم ملموس في عدد من الملفات السياسية والحقوقية.

وأكد الدكتور سمير العبد الله، أن المقاربة الأوروبية ستعتمد على ربط أي خطوات إضافية في الانفتاح السياسي أو الاقتصادي بتحقيق مؤشرات ملموسة في قضايا مثل حقوق الإنسان، والعدالة الانتقالية، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة اللاجئين بصورة آمنة وطوعية، إضافة إلى توسيع المشاركة السياسية والتعاون الأمني في ملفات الإرهاب والمخدرات.

أما الباحث عمار جلو، فيرى أن الخطاب الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان سيبقى حاضرًا، لكنه يعتبر أن المصالح السياسية والأمنية تبقى العامل الحاسم في نهاية المطاف، مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي يستخدم هذا الملف غالبًا كأداة ضغط سياسية، بينما تبقى أولوياته الفعلية مرتبطة بالأمن والطاقة والهجرة.

وقال جلو، إن قدرة أوروبا على فرض شروط عميقة تبقى محدودة، خاصة في ظل ارتباط القرار الأوروبي بالسقف الأمريكي، مقابل امتلاك سوريا أوراق قوة مرتبطة بموقعها الجغرافي، ودورها المحتمل في ملفات الطاقة والأمن والهجرة.

التأثير الأمريكي والدولي على مسار الحوار

رغم الطابع الأوروبي للحوار، فإن مستقبل هذا المسار يبقى مرتبطًا بشكل وثيق بمواقف القوى الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

ويرى الدكتور سمير العبد الله أن واشنطن لا تزال تمتلك أدوات تأثير مركزية من خلال ثقلها السياسي والاقتصادي، ما يجعل أي تقارب أوروبي مع دمشق “محكومًا بسقف التفاهمات الأمريكية الغربية الأوسع”.

كما أن مواقف روسيا وتركيا ودول الخليج وإسرائيل ستؤثر بدورها في طبيعة وحدود هذا الانفتاح، بالنظر إلى تشابك المصالح الإقليمية والدولية داخل الساحة السورية.

 

واشنطن لا تزال تمتلك أدوات تأثير مركزية، ما يجعل أي تقارب أوروبي مع دمشق محكومًا بسقف التفاهمات الأمريكية الغربية الأوسع.

الدكتور سمير العبد الله

باحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”

 

ويتفق عمار جلو مع هذا التقدير، معتبرًا أن الموقف الأوروبي تجاه سوريا لا يزال محكومًا إلى حد كبير بالموقف الأمريكي، إضافة إلى طبيعة العلاقة السورية مع روسيا، لا سيما في الملفات المتعلقة بالطاقة وخطوط الغاز.

وأشار جلو إلى أن أي تقارب سوري- روسي قد يثير حساسية أوروبية، إذا ما أدى إلى تعطيل مشاريع بديلة لإمدادات الطاقة نحو أوروبا عبر الأراضي السورية، خاصة في ظل سعي الأوروبيين للبحث عن بدائل تقلل اعتمادهم على الطاقة الروسية.

سيناريوهات ما بعد الحوار

عن مآلات هذا المسار، يطرح الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، عدة سيناريوهات محتملة، أبرزها السيناريو المرجح المتمثل في تطور تدريجي نحو انخراط أوسع يشمل مجالات اقتصادية وسياسية محددة، دون الوصول بالضرورة إلى تطبيع كامل وسريع.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار التواصل السياسي ضمن حدود ضيقة، مع بقاء العقوبات الأوروبية وأدوات الضغط فاعلة، بما يعكس سياسة “الانفتاح الحذر”.

في حين يبقى السيناريو الثالث مرتبطًا بإمكانية تعثر المسار بالكامل، نتيجة تطورات داخلية أو إقليمية أو دولية قد تعيد إنتاج أجواء التوتر والقطيعة السابقة.

من جهته، يستبعد الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن يقود الحوار المرتقب إلى تحولات سريعة أو جذرية، مرجحًا أن يبقى ضمن إطار جلسات سياسية متقطعة ومحدودة، إلى حين حدوث تطورات دولية أو إقليمية كبرى قد تدفع نحو انفراج أوسع في ملف الاعتراف بالحكومة السورية الجديدة.

ويرى جلو أن أوروبا باتت في السنوات الأخيرة تميل إلى اللحاق بالتحولات الدولية أكثر من المبادرة إليها، ما يجعلها أقل قدرة على اتخاذ مواقف استباقية منفردة في الملف السوري.

استئناف العلاقات

اقترحت المفوضية الأوروبية الاستئناف الكامل لاتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، مما يمثل خطوة جديدة في العلاقات بين الجانبين.

وجاء هذا الإجراء عقب إعلان رئيسة المفوضية، فون دير لاين، في كانون الثاني الماضي، عن الإطار الجديد للتعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، وذلك من خلال تكثيف دعمه لعملية انتقال سلمية وشاملة بقيادة سورية، وتلبية الاحتياجات الإنسانية، والمساهمة في الجهود الرامية إلى تحقيق التعافي الاقتصادي.

وكانت اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا قد عُلّقت جزئيًا في عام 2011، ردًا على القمع الممنهج والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها نظام الأسد.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة