
وقفة احتجاجية في دوار النعيم بمدينة الرقة تندد بالانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري - 23 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)

وقفة احتجاجية في دوار النعيم بمدينة الرقة تندد بالانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري - 23 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)
عنب بلدي – ركان الخضر
تطرح الوقفات الاحتجاجية المعبرة عن التضامن مع القنيطرة ودرعا ضد الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الجنوب السوري، والتي شهدتها عدة مناطق ومحافظات سورية، أسئلة حول أسبابها ودوافعها والرسائل المستنتجة منها، بالإضافة إلى مدى احتمالية تطورها في المستقبل.
وتثير استفسارات حول التأثيرات التي قد تفرضها على تطورات الميدان، والضغوط التي قد تحدثها في تعاطي الجانبين السوري والإسرائيلي مع ملف الجنوب، الذي بدا أنه أخذ منحى متصاعدًا في الآونة الأخيرة، خاصة بعد حادثتي قتل شابين سوريين على يد الجيش الإسرائيلي الشهر الماضي.
في 30 من تشرين الأول الماضي، شهدت بلدة جديدة عرطوز في ريف دمشق الغربي وحي جوبر الدمشقي وقفتين احتجاجيتين، تنديدًا بالانتهاكات والممارسات الإسرائيلية في الجنوب السوري، رُفعت خلالهما شعارات ولافتات أكدت رفض المشاركين الاعتداءات المتواصلة من قبل الجانب الإسرائيلي.
وطالب المحتجون خلال الوقفتين بالكشف عن مصير المختطفين والمعتقلين في السجون الإسرائيلية والإفراج عنهم، وعبّروا عن وحدة الموقف الشعبي في الدفاع عن سيادة الأراضي السورية.
وسبقت الوقفتين احتجاجات مشابهة في عدة مناطق ومحافظات سورية، في 23 من تشرين الأول، تنديدًا بالتوغلات الإسرائيلية وردًا على قتل سوريين واعتقالهم، لا سيما بعد مقتل شاب من ذوي الإعاقة في قرية جملة بريف درعا الغربي في 22 من الشهر ذاته.
وبحسب ما رصده مراسلو عنب بلدي، خرجت مظاهرات في عدة محافظات سورية، منها درعا والقنيطرة والحسكة والرقة ومدينة سلمية في ريف حماة.
كما رُصدت دعوات في حمص ومدينة مصياف في ريف حماة، إلى جانب نقاط أخرى في دمشق وريفها.
يرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة” سمير العبد الله، أن المظاهرات على الرغم من صغرها وقلة عدد المتظاهرين، كانت تعبيرًا عن حالة الغضب والقلق المتزايد تجاه السياسات الإسرائيلية في الجنوب السوري، من توغلات واعتقالات ومحاولات لفرض أمر واقع في تلك المنطقة، خاصة أن التحركات الإسرائيلية أخذت منحى بات يهدد السيادة السورية في الجنوب، مستغلة حالة ضعف سوريا وعدم رغبتها بتصعيد الموقف معها.
وأضاف العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، أن المظاهرات تمثل رسائل سياسية مهمة، من خلال التضامن مع الجنوب السوري رغم الانقسامات التي خلّفتها سنوات الحرب، إذ أثبتت أن المجتمع السوري لا يزال يمتلك قضايا جامعة، وفي مقدمتها رفض الاحتلال والدفاع عن وحدة الأراضي السورية، كما تؤكد أن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يعني القدرة على فرض واقع يحظى بقبول شعبي.
الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو يعتقد أن أسباب المظاهرات تعود إلى الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة والمتصاعدة في الفترة الأخيرة من ناحية التمدد الجغرافي وطبيعة الانتهاكات التي باتت تلاحق الناس في مصادر رزقهم سواء كانت الرعوية أو الزراعية، مرجعًا السبب المباشر إلى حادثة مقتل الشاب من ذوي الإعاقة في ريف درعا.
وقال جلو، في حديث إلى عنب بلدي، إن المظاهرات تحمل رسائل واضحة بأن السوريين لن يتخلوا عن أي جزء من أرضهم، كما أن الهدوء واعتماد الدبلوماسية من قبل دمشق لن يكون مشابهًا لتحرك الشارع.
وأضاف أن التحركات الشعبية ليست تصرفًا عابرًا، فالرفض الشعبي للوجود الإسرائيلي في الجنوب حاضر في الوجدان السوري حتى ولو تأخرت المظاهرات إلى هذا الوقت، مرجحًا أن سبب التأخير يعود إلى أن موضوع تنظيم المظاهرات يحمل نوعًا من التعقيد لما قد يسفر عنه من ضغط معيّن على الحكومة في الوقت الذي ما زالت فيه تعيش حالة البناء، ولا تملك القوة العسكرية المطلوبة لمواجهة التوغلات الإسرائيلية.
استبعد الباحث عمار جلو أن تحدث المظاهرات السورية تغيرًا في التحركات الإسرائيلية على الأرض، بسبب عدم تجاوب إسرائيل أو اكتراثها بتحركات المدنيين سواء في سوريا أو غيرها، في الوقت الذي يمكن استثمار هذه التحركات من قبل دمشق دبلوماسيًا وسياسيًا.
وأما بخصوص احتمالية الضغط على دمشق لتغيير نهجها في التعامل مع الملف القائم على اعتماد الحلول الدبلوماسية، فأوضح جلو أن الحكومة السورية لا تملك الأدوات الكافية لأي تصعيد أو مواجهة عسكرية قد تحقق غاية إسرائيلية في رد عنيف وقوي يؤدي إلى تثبيت أو اقتطاع أراضٍ من الجنوب بصفتها مكسب حرب.
بالمقابل، أشار جلو إلى أن احتمالية تطور المظاهرات إلى مقاومة شعبية يبقى خيارًا واردًا في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية التي قد تولد انفجارًا شعبيًا، بالإضافة إلى احتمالية استغلال أطراف أخرى تسعى لزعزعة الاستقرار في سوريا للظروف الحالية وخلط الأوراق، من قبيل إيران و”حزب الله” اللذين يسعيان إلى استغلال الأوضاع القائمة وإحداث تغييرات ميدانية على الأرض خدمة لمصلحتهما.
من جانبه، رجح الباحث سمير العبد الله أن تمنح هذه التحركات الشعبية الحكومة السورية ورقة إضافية لتعزيز موقفها التفاوضي، ورفع مستوى الضغط الدبلوماسي على إسرائيل، دون أن تدفع دمشق بالضرورة إلى تغيير مقاربتها القائمة على تجنب المواجهة العسكرية المباشرة.
وبخصوص الموقف الإسرائيلي، استبعد العبد الله أن تؤدي المظاهرات وحدها إلى تغيير استراتيجيتها، لكنها قد ترفع التكلفة السياسية لاستمرار التوغلات، خصوصًا إذا اتسعت واستمرت.
وفيما يتعلق باحتمال تطورها إلى مقاومة مسلحة، فإن ذلك يبقى مرتبطًا، وفق العبد الله، بمستوى التصعيد الإسرائيلي واستمرار الاعتداءات وانسداد الأفق السياسي، وسياسة الحكومة السورية تجاه إسرائيل، متوقعًا أن تستمر الاحتجاجات في الوقت الحالي، مع احتمال حدوث احتكاكات محلية محدودة.
وأوضح العبد الله أن إسرائيل تستطيع فرض وقائع عسكرية بقوة السلاح، لكنها لن تستطيع بالضرورة فرض قبول السوريين بها، مبيّنًا أن استمرار التوغلات والاعتداءات سيزيد احتمالات تحول الرفض الشعبي إلى حالة وطنية أكثر تنظيمًا واستمرارية، بما يضع دمشق وإسرائيل أمام تحديات سياسية وأمنية متزايدة.
وثّق مركز “سجل” 395 انتهاكًا إسرائيليًا في سوريا خلال تشرين الأول الماضي، ليسجل الحصيلة الأعلى شهريًا خلال عام 2026، متجاوزًا حصيلة آذار التي بلغت 321 انتهاكًا.
وبلغ معدّل الانتهاكات في تشرين الأول، بحسب التقرير الصادر في 2 من تشرين الثاني الحالي، ما يقارب 12.74 انتهاك يوميًا، يليه شهر آذار الماضي بمعدل 10.35 انتهاك يوميًا.
وبإضافة حصيلة تشرين الأول إلى الأرقام المسجلة منذ بداية العام، ارتفع العدد التراكمي للانتهاكات إلى 2427 انتهاكًا.
وتوزعت الانتهاكات الإسرائيلية خلال الشهر، بحسب مركز “سجل”، على 126 توغلًا، و122 حادثة تحليق طيران، و44 نقطة تفتيش، و36 حادثة مداهمة، و41 حالة احتجاز، بالإضافة إلى حالتي قتل.
وتصدّرت محافظة القنيطرة قائمة المناطق الأكثر تعرضًا للانتهاكات، بواقع 285 انتهاكًا، تلتها محافظة درعا بـ74، ثم ريف دمشق بـ29، ودمشق بسبعة انتهاكات.
وثّق مركز “سجل” حادثتي قتل لمدنيين سوريين اثنين على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي في تشرين الأول، لافتًا إلى أنهما أول حادثتين من هذا النوع منذ نيسان الماضي، كما أنها المرة الأولى التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي بقتل أكثر من مدني سوري في شهر واحد منذ حادثة بيت جن في 28 من تشرين الثاني 2025.
وأشار المركز إلى ارتفاع حالات القتلى السوريين على يد الجيش الإسرائيلي إلى ما لا يقل عن 38 مدنيًا منذ 8 من كانون الأول 2024.
وبخصوص حالات الاحتجاز، سجل المركز 30 حالة احتجاز في تشرين الأول، منها 29 في القنيطرة وحالة واحدة في درعا، تضمنت احتجاز أشخاص خلال المداهمات أو على الحواجز، إضافة إلى استهداف رعاة أغنام في أثناء وجودهم في الأراضي الزراعية والمراعي، ولا سيما في محيط جباثا الخشب بريف القنيطرة الشمالي وصيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي.
وتراوحت مدد الاحتجاز بين ساعات قليلة ونحو 48 ساعة، قبل الإفراج عن عدد من المحتجزين، باستثناء محتجزين اثنين ما زالا مغيّبين حتى الآن.
وتضمنت الحالات، بحسب التقرير، احتجاز امرأة واستجوابها لمدة ساعتين قبل الإفراج عنها، في أول حادثة من نوعها يوثقها المركز.
ووفقًا لتوثيق “سجل”، بلغ عدد المحتجزين منذ 8 من كانون الأول 2024، 287 شخصًا، لا يزال 36 منهم قيد الاحتجاز، يُضاف إليهم خمسة سوريين احتجزتهم القوات الإسرائيلية قبل سقوط نظام الأسد، ليبلغ مجموع السوريين المغيّبين في السجون الإسرائيلية 41 سوريًا حتى نهاية الشهر الماضي.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى