
حصاد القمح في أراضي سهل الروج جنوبي إدلب - 4 حزيران 2023 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

حصاد القمح في أراضي سهل الروج جنوبي إدلب - 4 حزيران 2023 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)
تُعدّ الأسمدة من أبرز مدخلات الإنتاج الزراعي وأكثرها تأثيرًا في تحديد مستوى الإنتاجية وجودة المحاصيل. وفي سوريا، ذات التنوّع البيئي الاستثنائي من السهول الساحلية إلى السهول الداخلية والبادية، تكتسب الأسمدة أهمية بالغة نظرًا لتدهور الخصائص الكيميائية للتربة جراء سنوات الاستنزاف والسياسات الزراعية غير المُستدامة والنزاع المسلح.
منذ خمسينيات القرن الماضي، انتقلت الزراعة السوريّة من الاعتماد شبه الكلي على الأسمدة العضوية التقليدية إلى التوسع في استخدام الأسمدة الكيماوية، وهو ما رافقه ارتفاع ملحوظ في الإنتاج الزراعي في مراحل معينة، غير أنه أفضى في الوقت ذاته إلى تدهور تدريجي في بنية التربة وتراجع الكائنات الدقيقة المفيدة واستنزاف المياه الجوفية والسطحية.
في سياق إعادة إعمار سوريا، يمثّل قطاع الأسمدة ركيزة محورية لا يمكن تجاوزها في أي استراتيجية جادة لتحقيق الأمن الغذائي واستعادة الإنتاجية الزراعية.
تنقل عنب بلدي في هذا التقرير خلاصة دراسة شاملة حول هذا القطاع، عمل عليها المستشار الزراعي المستقل ومهندس التربة والجيوتكنيك مراد قره مصطفى، من تاريخه ومكوناته، مرورًا بواقعه الراهن وتحدياته، وصولًا إلى رؤية مستقبلية تستحضر أدوات التحليل الجيوزراعي.
تتضمن الأسمدة المستخدمة في سوريا وفق ما ذكره المهندس مراد قره مصطفى في دراسته:
1. الأسمدة الكيماوية (المعدنية): تهيمن الأسمدة الكيماوية على المشهد السوري منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتنقسم إلى ثلاث مجموعات رئيسية:
الأسمدة النيتروجينية
تُشكّل هذه الأسمدة الجزء الأكبر من استهلاك سورية، وأبرز أنواعها:
الأسمدة الفوسفاتية
تحتل المرتبة الثانية من حيث الاستهلاك، وأبرز أنواعها:
الأسمدة البوتاسية
2. الأسمدة العضوية: رغم تراجعها النسبي أمام الكيماوية، تحتفظ الأسمدة العضوية بدور لا غنى عنه في صون خصوبة التربة السورية وتحسين بنيتها الفيزيائية:
3. الأسمدة الحيوية (البيولوجية): تمثّل هذه الأسمدة فرصة واعدة في سوريا ما بعد النزاع نظرًا لانخفاض تكلفتها وتأثيرها الإيجابي على النظم البيئية الزراعية:
4. الأسمدة الورقية والمغذيات الدقيقة: تُعاني ترب واسعة من سوريا من نقص العناصر الدقيقة جراء الاستنزاف المديد والري المفرط:
يوضح المستشار الزراعي المستقل مراد قره مصطفى، أن سوريا امتلكت تاريخيًا قدرات إنتاج محلي للأسمدة تمثّلت في:
تعتمد الشركة في إنتاجها على النفط والغاز الطبيعي المحلي مادةً أولية لتصنيع اليوريا ونترات الأمونيوم.
تضررت المنشأة بشكل جوهري بين 2012 و2018 جراء أعمال القتال ونقص الطاقة وتعطّل سلاسل التوريد.
كانت سوريا تُصدّر جزءًا مهمًا من إنتاجها قبل النزاع إلى تركيا وعدد من الدول الأوروبية، فيما يُستخدم الجزء الآخر في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية المحلية.
تعطّل الإنتاج بشكل شبه كامل منذ 2012 بسبب الوضع الأمني في المنطقة الشرقية، مما أفقد البلاد مصدرًا استراتيجيًا للنقد الأجنبي وأدّى إلى شحّ الأسمدة الفوسفاتية في الأسواق الداخلية.
وقد أسهم انهيار قطاع الطاقة في الفترة 2012-2023 في تراجع الإنتاج الوطني إلى ما يقارب الصفر.
أصبحت سوريا تعتمد بشكل شبه كلّي على استيراد الأسمدة في ظل تعطّل الإنتاج المحلي. إذ تضمنت أبرز مصادر الاستيراد: روسيا، إيران، الأردن، تركيا، الصين، المغرب، والجزائر.
اعتمدت سوريا تاريخيًا، بحسب قره مصطفى، سياسة الدعم الشامل للمدخلات الزراعية بما فيها الأسمدة، ضمن منظومة اقتصادية اشتراكية الطابع:
1. نظام الدعم والتسعير الموجَّه: تولّت الحكومة عبر المؤسسة العامة للحبوب توفير اليوريا ونترات الأمونيوم وسوبر الفوسفات بأسعار مدعومة تبلغ أحيانًا 30-50% من أسعار السوق. وقد مكّن هذا الدعم الفلاح السوري الصغير من الوصول إلى الأسمدة بتكلفة معقولة، غير أنه أفضى في الوقت ذاته إلى:
2. إصلاحات 2008-2011: أجرت الحكومة جملة من الإصلاحات الليبرالية بدعم من صندوق النقد الدولي قبيل الحرب، شملت تخفيض الدعم عن المحروقات والمدخلات الزراعية، وهو ما ألقى بأعباء اقتصادية حادة على كاهل الفلاح السوري وشكّل أحد الروافد الاجتماعية- الاقتصادية للأزمة التي انفجرت عام 2011.
3. تأثير “البعث” على التوجهات الزراعية: تميّزت “الحقبة البعثية” باستخدام الزراعة أداةً للسيطرة السياسية والاجتماعية قبل كونها قطاعًا إنتاجيًا.
وفُرضت محاصيل استراتيجية كالقمح والقطن والشوندر السكري على المزارعين في مناطق بعينها بصرف النظر عن ملاءمة التربة، وكان توزيع الأسمدة مرتبطًا بالإذعان لهذه الخطط الإنتاجية، لا بالاحتياج الفعلي المبني على التحليل.
1. انهيار الإنتاج المحلي: تعطّلت المنشآت الصناعية الرئيسية في حمص وريف دمشق، وأُغلقت عمليات استخراج الفوسفات في دير الزور بسبب الأحداث الأمنية.
وتشير التقديرات، وفق قره مصطفى، إلى أن الطاقة الإنتاجية للأسمدة في سوريا انخفضت بنسبة تزيد على 85% خلال الفترة 2012-2020.
2. العقوبات الاقتصادية وانعكاساتها: فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزمة عقوبات شاملة على سوريا أثّرت بشكل مباشر في عمليات الاستيراد.
فحتى الأسمدة التي يُفترض أنها خارج نطاق العقوبات بموجب الاستثناءات الإنسانية، واجه استيرادها عقبات بالغة، وفقًا للمستشار الزراعي، بسبب:
3. الانهيار في الاستخدام الزراعي: تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى انخفاض استخدام الأسمدة في سوريا بنسبة تتراوح بين 70 و85% مقارنةً بمستويات ما قبل 2011. وقد أدى ذلك، بحسب قره مصطفى، إلى:
4. انتشار السوق السوداء للأسمدة: أفرز شحّ الأسمدة المدعومة نشوء سوق سوداء واسعة اتّسمت بـ:
يرى اختصاصي التربة والجيوتكنيك مراد قره مصطفى في حديثه لعنب بلدي أنه من منظور هندسة التربة والاستشارة الزراعية، يمكن تشخيص الواقع الراهن للترب السورية في ضوء أزمة الأسمدة على النحو الآتي:
1. استنزاف العناصر الغذائية الكبرى: اضطر كثير من المزارعين خلال سنوات الأزمة إلى الاستمرار في الزراعة دون أي تعويض لما يُسحب من التربة. وقد أدى ذلك إلى:
2. تدهور الخواص الفيزيائية للتربة: لم تقتصر الأزمة على استنزاف العناصر الغذائية، بل أثّرت سلبًا في بنية التربة الفيزيائية:
3. تلوّث التربة: أضافت الحرب تحديات تلوّث غير مسبوقة تشمل:
يُقدّم الإطار الجيوزراعي (Geo-Agriculture)، بحسب قره مصطفى، رؤية تحليلية تتجاوز حدود الأرقوميات الزراعية (دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع القطاع الزراعي) تربط الأسمدة بسلاسل التوريد العالمية وديناميكيات القوة الإقليمية وملفات الأمن الغذائي.
1. سوريا وخرائط الطاقة الزراعية: تقع سوريا في منطقة تتقاطع فيها ثلاثة متغيرات جيوزراعية حاكمة:
2. المثلث الاستراتيجي (نفط، غذاء، أسمدة): يرتبط قطاع الأسمدة عالميًا ارتباطًا عضويًا بأسعار الطاقة، إذ يُشكّل الغاز الطبيعي نحو 70-80% من تكلفة إنتاج الأمونيا واليوريا. وفي الحالة السورية، يعني ذلك أن:
3. فرصة إعادة الإعمار: تتضافر عدة ملفات جيوسياسية لتفتح نافذةً لإعادة بناء قطاع الأسمدة السوري:
يقدّم الباحث الزراعي المستقل مراد قره مصطفى في حديثه لعنب بلدي خارطة طريق لتعافي قطاع الأسمدة في سوريا:
أولويات الاستجابة العاجلة
على المدى المتوسط (2027-2032)
على المدى البعيد (2032-2040)
ويعتبر قره مصطفى أن إعادة بناء هذا القطاع ليست مسألة فنية صرفة، بل هي مشروع سيادي يستدعي إرادة سياسية مُحرّرة من منطق الهيمنة على الموارد والاستخدام السياسي لها.
إضافة إلى استثمارات إقليمية ودولية مبنية على رؤية بعيدة المدى لا على مغانم قصيرة الأجل، وكوادر بشرية مؤهّلة تجمع بين العلم الزراعي والإدراك الجيوسياسي، في مجتمعات زراعية ممكَّنة تمتلك المعرفة والأدوات للانتقال من الزراعة الاستنزافية إلى الزراعة التجديدية.
من هذا المنظور الجيوزراعي، فإن التربة السورية، تبعًا لقره مصطفى، ليست مجرد حقل منتج، بل هي رصيد استراتيجي وهوية وطنية ومرتكز للسيادة الغذائية، مؤكّدًا على أن الاستثمار في الأسمدة السليمة هو استثمار في المستقبل السوري بامتياز.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى