
وزير المالية السوري محمد يسر برنية يبحث مع وزير الاقتصاد والمالية الإيطالي جيانكارلو جيورجيتي سبل معالجة الديون القائمة بذمة سوريا تجاه إيطاليا في العاصمة التايلندية بانكوك - 16 تشرين الأول 2026 (وزارة المالية السورية)

وزير المالية السوري محمد يسر برنية يبحث مع وزير الاقتصاد والمالية الإيطالي جيانكارلو جيورجيتي سبل معالجة الديون القائمة بذمة سوريا تجاه إيطاليا في العاصمة التايلندية بانكوك - 16 تشرين الأول 2026 (وزارة المالية السورية)
كشف وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في 17 من تشرين الأول الحالي، عن “تحقيق تقدم في ملف تسوية الديون والمتأخرات القائمة على سوريا مع الدول الدائنة والمؤسسات متعددة الأطراف”، وذلك في مسعى لتهيئة المجال أمام المؤسسات التنموية لاستئناف تمويل المشاريع في سوريا.
وفي تصريحات صحفية أدلى بها الوزير السوري خلال مشاركته بالاجتماعات السنوية للبنك وصندوق النقد الدوليين في العاصمة التايلندية بانكوك، قال برنية إن دمشق تجري بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تحليلًا لاستدامة الدَّين، فيما تعتزم الحكومة السورية إعلان تفاصيل الديون القائمة والمتأخرات في وقت لاحق.
وأضاف: “الأمر لا يقلقنا، ما نعمل عليه أن ملف المتأخرات السورية في طريقه إلى الحل”، وأن الحكومة تسعى إلى تحويل الديون القائمة إلى استثمارات داخل سوريا قدر الإمكان، مع مراعاة قدرة المالية العامة على تحمل الالتزامات الجديدة.
“نحن لا نريد أن نكبل الجيل القادم بالديون”، أكد برنية، فالاقتراض الجديد سيقتصر على القروض الميسرة الموجهة إلى مشاريع استراتيجية، وليس “الاقتراض لأغراض الاقتراض”.
واستنادًا إلى محادثات وزير المالية السورية خلال اللقاءات التي أجراها على هامش اجتماعات بانكوك، يتكشف تباعًا عدد الديون والمتأخرات المترتبة على سوريا منذ زمن النظام السابق (الذي كان يؤكد باستمرار على لسان مسؤوليه عدم وجود ديون خارجية على سوريا).
ومن أبرز الجهات الدائنة لسوريا :
وكان البنك الدولي أعلن، في أيار 2025، عن سداد السعودية وقطر لكامل المتأخرات المستحقة على سوريا والبالغة 15.5 مليون دولار لصالح البنك، وهو ما فتح الباب منذ ذلك الوقت أمام دمشق للحصول على قروض جديدة (في حال تقدمت بطلب لذلك).
ولا توجد حتى اليوم أرقام رسمية منشورة توضح المبلغ الذي تدين به سوريا لكل مؤسسة على حدة، ولا توجد أرقام رسمية لفوائد التأخير المتراكمة عليها.
وبهذا الشأن، قال الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم، لعنب بلدي، إن فهم الأرقام المتاحة يستدعي التمييز بين ثلاثة مفاهيم:
وبحسب بيانات مصرف سوريا المركزي حتى نهاية 2024 (التي صدرت بعد تحرير سوريا)، بلغ الدَّين الخارجي نحو 22.3 مليار دولار، وبما أن الناتج المحلي الإجمالي، أي قيمة كل ما ينتجه الاقتصاد في سنة، قُدّر في العام ذاته بنحو 21.4 مليار دولار، فإن الدَّين يعادل 104% من الناتج.
وأوضح الخبير عبد الكريم أن سوريا تحتاج نظريًا إلى كل إنتاج اقتصادها لسنة كاملة وأكثر لتسدد ديونها الخارجية، والأخطر أن 20.9 مليار دولار من هذا الدَّين متأخرات، أي نحو 94% منه، فمشكلة سوريا ليست ديونًا تُستحق مستقبلًا، بل ديون مستحقة الآن ومتوقفة عن السداد منذ 2011 بسبب الحرب والعقوبات.
لكن الجزء الأكبر من هذا الرقم لا يعود إلى المؤسسات الدولية والإقليمية، فنحو 17 مليار دولار من المتأخرات، أي 81% منها، تعود لإيران وحدها، بحسب عبد الكريم، وتراكمت بعد 2011 عبر خطوط ائتمان لتمويل شحنات النفط، بينما تتحدث تصريحات إيرانية عن 30 إلى 50 مليارًا.
وإذا استبعدنا إيران وروسيا، يتبقى دَين قديم يقدّره المصرف المركزي بنحو 4.2 مليار دولار ويقدّره البنك الدولي بنحو خمسة مليارات، ومعظمه يعود إلى ما قبل 2011، وفيه تقع (ديون ومتأخرات وفوائد التأخير) لصالح المؤسسات متعددة الأطراف ومؤسسات التنمية والصناديق العربية والخليجية، التي نتحدث عنها.
بنك الاستثمار الأوروبي هو الحالة الوحيدة التي تتوفر عنها تفاصيل، وبحسب ما أكده الخبير ذاته لعنب بلدي في السابق، نقلًا عن مصادر أوروبية، فإن ديونه تقارب 1.4 مليار يورو، لكن هذا مجموع ما موّله في سوريا منذ 1978، لا المستحق اليوم، لأن جزءًا منه سُدد قبل الحرب.
وكانت الحصة الأكبر للكهرباء بنحو 676 مليون يورو، منها محطتا دير علي الأولى والثانية بـ475 مليونًا.
والمؤكد من المبالغ المستحقة هي حصيلة أحكام أصدرتها المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي بين 2019 و2023 في قرضين من قروض الكهرباء فقط، بمجموع نحو 143 مليون يورو و5.4 ملايين فرنك سويسري.
وتنص هذه الأحكام على استمرار احتساب فوائد التأخير حتى السداد، أي أن المستحق اليوم أكبر من ذلك، أما فوائد التأخير فلا رقم معلن لها، لكن عبد الكريم يقدّر حجمها بمثال افتراضي: لو توقف سداد أقساط بقيمة 100 مليون دولار منذ 2012 بفائدة تأخير 2% سنويًا، لبلغت الفوائد بعد 14 عامًا نحو 28 إلى 32 مليون دولار، ولو كانت النسبة 4% لاقتربت من 60 إلى 70 مليونًا، أي أن فوائد التأخير قد تضيف ما بين ربع الدَّين ونصفه، ولذلك يُعد إلغاؤها أو تخفيضها من أهم أهداف أي تسوية.
وحول سبب صعوبة تحديد الأرقام، يبين عبد الكريم أن سوريا توقفت عن إبلاغ البنك الدولي ببيانات ديونها منذ 2010، وهذه الديون مقومة بعملات مختلفة كاليورو والدينار الكويتي والريال السعودي والين الياباني، فتتغير قيمتها بالدولار مع أسعار الصرف، فضلًا عن أن كل دائن يحسب فوائد التأخير وفق عقده الخاص.
تمتلك سوريا هامشًا حقيقيًا للتفاوض، لكنه يختلف من دائن إلى آخر، لذلك لن يكون الحل صفقة واحدة شاملة مع الجميع، بل اتفاقات منفصلة تراعي طبيعة كل دائن وقواعده.
وقال الخبير عبد الكريم، إن السيناريو المطروح رسميًا حتى الآن هو إعادة الجدولة، أي تأجيل مواعيد السداد وتوزيعها على سنوات أطول بشروط أسهل، مع بقاء أصل الدَّين كما هو، وهذا ما سيجري بحثه مع الصندوق العربي خلال الأسابيع المقبلة، ومع البنك الإسلامي للتنمية الذي يجري الاتفاق معه حاليًا على عناصر تسوية، وكذلك الأمر مع الصندوق الكويتي.
وهناك سيناريو ثانٍ هو تحويل جزء من الديون إلى استثمارات داخل سوريا، وقد طُرح ذلك مع الاتحاد الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي ومع إيطاليا، أما السيناريو الثالث، أي شطب جزء من الدَّين نفسه، فهو الأصعب، بحسب ما يرى الخبير السوري.
وقال عبد الكريم، إن الجدولة يبدو أنها لا تخفف شيئًا لأن المبلغ يبقى نفسه، لكن الواقع مختلف، خذ مثالًا افتراضيًا: دين بقيمة 100 مليون دولار يُقسّط على 20 عامًا بفائدة 1%، فيصبح القسط السنوي نحو 5.5 مليون دولار، وعلى الورق يبقى الدَّين 100 مليون، لكن المال الذي يُدفع بعد سنوات أقل قيمة من المال الذي يُدفع اليوم، لأن الدولة تستطيع خلال هذه السنوات استخدامه في مشاريع تدر عائدًا.
أما الشطب فحدوده واضحة، ومؤسسات التنمية الدولية، كالبنك الإسلامي وبنك الاستثمار الأوروبي وإيفاد، نادرًا ما تقبل شطب أصل الدَّين، لأن ذلك يُسجل خسارة في حساباتها ويضر بتصنيفها الائتماني، وهو ما يرفع تكلفة اقتراضها هي من الأسواق.
ولذلك يتركز التفاوض معها على إلغاء فوائد التأخير والغرامات وتمديد المهل، لا على تخفيض الأصل.
وأوضح الخبير السوري أن الصناديق الخليجية والعربية أكثر مرونة نسبيًا، لأن قرارها مرتبط بحكومات تدعم تعافي سوريا سياسيًا، فهي الأقرب إلى قبول إعفاء جزئي من الفوائد المتراكمة، ويبقى هناك قيد مشترك لدى جميع الدائنين: أنهم ينتظرون نتائج دراسة قدرة سوريا على السداد قبل تقديم أي تنازل، لأنها ستحدد حجم الدين الذي تستطيع سوريا تحمله فعلًا.
بعد قيام وزارة المالية السورية و”مصرف سورية المركزي” بـ”تحليل استدامة الدين العام في سوريا” مع البنك وصندوق النقد الدولي، ثارت تساؤلات جديدة حول ما إذا كانت المالية السورية تخطط للحصول على قرض أممي عبر الصندوق أو البنك، لا سيما إذا علمنا أن هناك شبه إحجام من الدول التي استدانت سوريا من مؤسساتها، ولا سيما الخليجية منها، عن إقراض سوريا، بحسب ما كشفه خبير مصرفي عربي لعنب بلدي (تحفظ على نشر اسمه).
وفيما يراه أحد المؤشرات على الإحجام الخليجي عن إقراض سوريا، قال المصرفي، إن صفقات توريد النفط السعودية الأخيرة إلى سوريا لم تكن هبة أو منحة مجانية، بل جاءت عبر تسهيلات ائتمانية وعقود آجل السداد وُقّعت بشرط التسديد التجاري وفق أسعار السوق الدولية، وهو ما اعتبره المصرفي مؤشرًا على وجود اشتراطات للتمويل من الجانب السعودي.
وكان وزير المالية السوري أكد، في حزيران 2025، لعنب بلدي، أن سوريا ليست بوارد الاقتراض من صندوق النقد والبنك الدوليين في المرحلة الحالية (آنذاك)، وقال “في حال قررنا أن نقترض يومًا فسوف نصارح شعبنا ونكون شفافين في شرح الأسباب، وأن التمويل المقدم يذهب لأغراض مشروعات استراتيجية لا يمكن تمويلها بشكل كامل من استثمارات خاصة”.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى