اعتصام البرلمان.. أخيرا بدأ الواقع يعود إلى الكلام
أحمد عسيلي
شهد محيط البرلمان بدمشق، في 6 من حزيران الحالي، اعتصامًا دعت إليه مجموعة “17 نيسان”، رفع المشاركون فيه مطالب متنوعة، بعضها معيشي يتعلق بالأسعار ومستوى الخدمات، وبعضها سياسي يتعلق بقضايا مطروحة حاليًا في البلاد، مثل شكل البرلمان والعلاقة بين الدولة وبعض المناطق السورية، وشهد الاعتصام أيضًا حضور أشخاص عبّروا عن معارضتهم لهذه الوقفة الاحتجاجية، ما أفسح المجال أمام نقاشات وحوارات مباشرة بين أطراف تحمل رؤى مختلفة حول الواقع السوري ومستقبل البلاد.
ما لفت انتباهي في كل هذا ليس الاعتصام بحد ذاته، بل طبيعة اللغة التي استُخدمت خلاله، فالسوريون لم يكونوا صامتين خلال العقود الماضية، بل ربما عاشوا في ظل فائض من الكلام والشعارات والخطابات، المشكلة لم تكن في غياب اللغة، بل في ابتعادها التدريجي عن الواقع، كانت الكلمات تُستخدم كثيرًا لتصنيف الأشخاص أكثر مما تُستخدم لفهم المشكلات، فنسمع أوصافًا مثل “خائن” و”عميل” و”مندس” و”وطني” و”شريف”، من دون أن تساعد هذه الكلمات فعلًا على فهم ما يجري على أرض الواقع.
لهذا لم يكن المشهد الأهم هو وجود معتصمين ومعارضين لهم في المكان نفسه، بل الحوارات التي جرت بينهم، مشاهد لسيدتين تختلفان وتتبادلان الرأي والفكاهة في الوقت نفسه، ورجل أمن يتدخل للفصل بين شخصين مسنين اختلفا حول بعض القضايا المعيشية والسياسية، وأشخاص يحاولون شرح وجهات نظرهم المختلفة من خلال تجاربهم اليومية، في كل هذه المشاهد بدا وكأن اللغة تستعيد وظيفتها الأصلية: أن تكون أداة لاكتشاف الواقع لا وسيلة للهروب منه.
ولعل أحد أكثر المشاهد دلالة كان طريقة فض الاعتصام، فبعد نحو 50 دقيقة من التجمع، طلب أحد المسؤولين الأمنيين من المشاركين إنهاءه، مبررًا ذلك بأنه غير مرخص، قد يبدو هذا المشهد عاديًا في كثير من الدول، لكنه يحمل في السياق السوري دلالات أعمق، فالمسؤول لم يلجأ إلى لغة التخوين، بل استخدم حجة قانونية واضحة: الاعتصام غير مرخص، ولديكم عشر دقائق للمغادرة، لترد عليه لاحقًا في تسجيل مصور إحدى الناشطات بالقول، إن الحديث عن الترخيص يفقد معناه في ظل غياب قانون واضح ينظم حق التظاهر. سواء اتفق المرء مع هذا الرأي أم ذاك، فإن ما يلفت الانتباه هو طبيعة النقاش نفسه، حجة في مواجهة حجة، وكلام في مواجهة كلام، ممثل للدولة يقدم تبريرًا يستند إلى القانون، ومواطنة ترد عليه بمنطق قانوني آخر، ربما تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها تمثل تحولًا مهمًا في الحياة السياسية السورية، لأن العلاقة بين السلطة والمجتمع لم تعد تُختصر في أوامر من جهة وصمت من جهة أخرى، بل أصبحت تسمح بوجود مساحة للنقاش والاعتراض والرد.
لا يعني ذلك بالطبع أننا أمام قطيعة كاملة مع الماضي، أو أن اللغة السياسية السورية تحولت فجأة إلى لغة عقلانية وواقعية بالكامل، فمثل هذه التحولات لا تحدث بين ليلة وضحاها، وما زالت مفردات كثيرة من المرحلة السابقة حاضرة في المجال العام، وما زال بعضهم يستخدم كلمات مثل “الفلول” أو “التشبيح” أو غيرها من التوصيفات التي تهدف إلى تصنيف الأشخاص أكثر مما تهدف إلى فهم ما يقولونه، وما زالت المزاودة والاتهامات المتبادلة حاضرة وأحيانًا بقوة، لكن أهمية ما جرى تكمن في أن هذه اللغة لم تعد اللغة الوحيدة المتاحة، فإلى جانبها بدأت تظهر لغة أخرى، أكثر ارتباطًا بالواقع وأكثر انشغالًا بالمشكلات الفعلية التي يعيشها الناس.
ما زال الخطاب المعارض السوري يواجه صعوبة في التكيف مع هذا التغير، إذ ما زلنا نسمع بشكل متكرر عبارات من قبيل “لم يتغير شيء” أو “انتقلنا من دكتاتورية إلى دكتاتورية”، وبعيدًا عن تقييم هذه المواقف سياسيًا، فإن المشكلة تكمن في علاقتها بالواقع نفسه، فقد تحدثت مع بعض الأشخاص الذين يرددون هذه العبارات، فكان جواب معظمهم أنها نوع من الضغط على السلطة الجديدة أو محاولة لمنع التراجع عن المكاسب التي تحققت منذ سقوط النظام، وقد يكون هذا الهدف مفهومًا، لكن المشكلة أن اللغة السياسية لا تُقاس بالنيات فقط، بل بقدرتها على وصف ما يراه الناس ويعيشونه.
فحين يلاحظ السوري تغيرات ملموسة في الحياة العامة، سواء اتفق مع حجمها أو اختلف حولها، ثم يسمع في الوقت نفسه أن “لا شيء تغير”، فإن الفجوة لا تنشأ بينه وبين السلطة، بل بينه وبين المتحدث نفسه، فالجمهور قد يختلف معك، لكنه يصعب أن يثق بك إذا شعر أنك تنكر ما يراه بعينيه، وهذه واحدة من أبجديات استعمال اللغة في السياسة: يمكن المبالغة في النقد، ويمكن المطالبة بالمزيد، لكن إنكار الوقائع الواضحة غالبًا ما يؤدي إلى نتيجة معاكسة، لأنه يفقد الخطاب قدرته على الإقناع.
المجتمعات لا تتعلم الحرية من خلال الدساتير والقوانين وحدها، بل من خلال الطريقة التي تتكلم بها أيضًا، وحين تبدأ اللغة بالاقتراب من الواقع، وحين يصبح الخلاف يُدار بالكلام والحجة بدل التصنيف والشعار، نكون أمام خطوة متواضعة لكنها أساسية في تعلم أبجدية الحرية، إنها عملية طويلة ومليئة بالتعثرات، لكن ما شهدناه أمام البرلمان السوري يشير إلى تحول يستحق الانتباه: عودة الواقع إلى اللغة السياسية السورية، بعد سنوات طويلة كانت اللغة فيها تتكلم كثيرًا، لكنها نادرًا ما كانت تصف ما يعيشه الناس فعلًا.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





