ملف المحروقات يحرّك الحكومة.. “الطاقة” تشكل لجنة لتحديد الأسعار

سيارات مصطفة لتعبئة الوقود دمشق 8 آذار 2026(سانا)

camera iconسيارات مصطفة لتعبئة الوقود دمشق 8 آذار 2026(سانا)

tag icon ع ع ع

أصدرت وزارة الطاقة السورية، اليوم الثلاثاء 22 حزيران، قرارًا بتشكيل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، وذلك في إطار تعزيز الحوكمة والشفافية في آليات التسعير، ومواكبة المتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية ذات الصلة بقطاع الطاقة والثروات المعدنية. 

وتضم اللجنة ممثلين عن عدد من الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية، برئاسة معاون وزير الطاقة لشؤون النفط غياث دياب، وعضوية ممثلين عن وزارات المالية والاقتصاد والصناعة، ومصرف سورية المركزي، إضافة إلى الجهات المختصة في قطاع النفط والثروة المعدنية.
وبحسب القرار القرار الذي حمل الرقم /844/، تتولى اللجنة دراسة أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية في ضوء المعطيات والعوامل المؤثرة في أسعارها محلياً ودولياً، بما في ذلك الأسعار العالمية والتكاليف وسعر صرف الليرة السورية وآليات الدعم وغيرها من المؤشرات ذات الصلة، وتعمل أيضاً على وضع الأسس والمعايير اللازمة لتحديد الأسعار وتحديثها بشكل دوري.
إضافة لذلك تتولى اللجنة رفع التوصيات والمقترحات اللازمة إلى وزير الطاقة، وإعداد مشروع لائحتها التنظيمية، بما يضمن حسن سير أعمالها، وتحقيق الأهداف المرجوة منها.

التسعير وفق “معايير ‏دقيقة”

أوضح معاون وزير الطاقة لشؤون النفط ،غياث دياب، ‏لوكالة الانباء السورية الرسمية “سانا”، أن تحديد الأسعار سيتم وفق معايير فنية واقتصادية ‏دقيقة، وأي قرار سيخضع للدراسة والتقييم، بعيداً عن التكهنات أو المعلومات غير الموثقة ‏المتداولة عبر بعض المنصات.‏

وأشار إلى أن اللجنة تعزز التنسيق بين مختلف الجهات المعنية، وتوحّد المرجعية الفنية ‏المختصة بملف التسعير، بما يسهم في رفع مستوى الشفافية والوضوح، وضمان اتخاذ ‏القرارات على أسس علمية واقتصادية سليمة تخدم استدامة قطاع الطاقة والثروات ‏المعدنية.‏

وأضاف دياب أن اللجنة ستضع الأسس والمعايير اللازمة لتحديد أسعار المواد البترولية ‏والثروات المعدنية وتحديثها بشكل دوري، مشيرًا إلى أن التوصيات والمقترحات اللازمة ستُرفع إلى وزير الطاقة بما ينسجم مع متطلبات الواقع الاقتصادي الحقيقي المعاش.

ارتفاعات متكررة في أسعار المحروقات

سجّلت أسعار المشتقات النفطية في سوريا قفزة ملحوظة منذ مطلع العام الحالي، بنسب قاربت 30%، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، ولا سيما الغذائية منها، باعتبار المحروقات أحد أبرز مدخلات الإنتاج، إضافة إلى دورها الأساسي في النقل وتشغيل المنشآت الصناعية.

وأدى هذا الارتفاع إلى زيادة الأعباء المعيشية على السوريين، حتى بعد إقرار الزيادة الأخيرة في الرواتب، في ظل تراجع القدرة الشرائية، ووسط مطالبات شعبية واقتصادية بإعادة النظر في ملف دعم المحروقات، ولو بشكل جزئي أو موجّه، لتخفيف أثر الارتفاعات المتكررة.

وكان آخر رفع لأسعار المحروقات في سوريا في 7 من أيار الماضي، حين رفعت الشركة السورية للبترول أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 17% و30%.

وارتفع سعر ليتر المازوت “أول” إلى 0.88 دولار، أي ما يعادل 117.05 ليرة سورية جديدة، بدلًا من 0.75 دولار، بنسبة زيادة بلغت نحو 17.3%.

كما ارتفع سعر ليتر بنزين “90” إلى 1.10 دولار، أي ما يعادل 146.3 ليرة سورية، بدلًا من 0.85 دولار، بنسبة زيادة بلغت نحو 29.4%. وارتفع سعر ليتر بنزين “95” إلى 1.15 دولار، أي ما يعادل 152.95 ليرة سورية، بدلًا من 0.91 دولار، بنسبة زيادة بلغت نحو 26.4%.

وشمل الارتفاع أسطوانات الغاز، إذ ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 12.5 دولارًا، أي ما يعادل 1662.5 ليرة سورية، بدلًا من 10.5 دولار، بنسبة زيادة بلغت نحو 19%. كما ارتفع سعر أسطوانة الغاز الصناعي إلى 20 دولارًا، أي ما يعادل 2660 ليرة سورية، بدلًا من 16.8 دولار، بنسبة زيادة بلغت نحو 19%.

وبررت الشركة السورية للبترول، آنذاك، في تصريح لوكالة “سانا”، تعديل أسعار المشتقات النفطية بجملة من العوامل الاقتصادية والفنية، المرتبطة بارتفاع تكاليف التوريد والنقل والإنتاج، إضافة إلى التغيرات المستمرة في أسعار النفط العالمية وأسعار الشحن والتأمين.

وأضافت الشركة أن الأعباء التشغيلية المتعلقة بالنقل والتخزين والصيانة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة والتجهيزات الفنية، انعكست بشكل مباشر على التكلفة النهائية للمادة.

سعر الصرف يفاقم الأزمة

إلى جانب تكاليف الاستيراد والتوريد، يسهم التذبذب المستمر في سعر الصرف المحلي في رفع أسعار الوقود، إذ تتجه الحكومة إلى تعديل أسعار المواد غير المدعومة مع كل تحرك في سعر العملة الأجنبية، ما يترك تبعات اقتصادية مباشرة على معيشة السكان.

ومن أبرز انعكاسات رفع أسعار المحروقات مؤخرًا، على سبيل المثال لا الحصر، قرار وزارة الاقتصاد والصناعة تخفيض عدد الأرغفة في ربطة الخبز من عشرة إلى ثمانية أرغفة.

وأوضح مدير دائرة الإعلام في الوزارة أن سبب هذا الإجراء يعود إلى الارتفاع الملحوظ في تكاليف الإنتاج، ولا سيما أسعار المحروقات والطاقة المشغّلة للمخابز.

وأضاف أن الوزارة، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج، كانت أمام خيارين: إما زيادة سعر الخبز، أو تخفيض وزن الربطة. وأشار إلى أن إدارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لجأت إلى تخفيض عدد الأرغفة في الربطة الواحدة من عشرة إلى ثمانية، مع الإبقاء على السعر الحالي دون تغيير.

الطاقة صلب الدورة الاقتصادية

قال الخبير المالي خلدون الطباع، في حديث إلى عنب بلدي، إن ملف المحروقات يشكّل عصب الاقتصاد المحلي وعنصرًا محوريًا فيه، نظرا لدخوله في مدخلات إنتاج العديد من السلع، خاصة في ظل عجز الإنتاج المحلي واضطرار البلاد إلى استيراد احتياجاتها من الخارج لتأمين تشغيل الآليات والمعامل.

وأشار الطباع إلى أن تمويل هذا الطلب المتزايد بالقطع الأجنبي يفرض ضغطًا تلقائيًا ومباشرًا على سعر صرف الليرة السورية.

من جانبه، اتفق أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد الرزاق حبزة، في حديث إلى عنب بلدي، مع هذا الطرح، مبينًا أنه مع كل قفزة في سعر الدولار، تسارع الحكومة إلى رفع أسعار المواد غير المدعومة، وفي مقدمتها حوامل الطاقة.

ولفت حبزة إلى أن هذه المواد لا تمس معيشة المواطن اليومية فحسب، بل تدخل في صلب الدورة الاقتصادية للصناعيين والتجار، وفي حركة نقل البضائع والركاب، ما يولّد انعكاسات سلبية حادة، يقع عبؤها الأكبر على المستهلك.

تراجع النفط عالميًا

لا يمكن فصل أسعار النفط عن التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، إذ شهدت الأسواق العالمية خلال الأيام الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في الأسعار، وسط الإعلان عن مذكرة لوقف الحرب بين واشنطن وطهران، بعد صراع تسبب باضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية.

وانعكس ذلك سريعًا على الأسواق، إذ انخفض سعر خام برنت بما يصل إلى 3.1%، إلى ما دون 78 دولارًا للبرميل، مسجلًا أدنى مستوى له منذ بداية آذار. كما تراجعت أسعار البنزين في بعض الأسواق العالمية إلى مستويات أدنى من السابق.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، انخفض سعر البنزين إلى أقل من أربعة دولارات للغالون، لأول مرة منذ آذار الماضي.

إلا أن هذا التراجع العالمي لم ينعكس على أسعار المحروقات في سوريا، إذ بقيت الأسعار المحلية عند مستوياتها، رغم أن جزءًا من مبررات رفعها سابقًا ارتبط بتغيرات السوق العالمية.

وقال الخبير الاقتصادي غازي المهايني، في حديث إلى عنب بلدي، إن التراجع النسبي في الأسعار العالمية، بعد الإعلان عن اتفاقات تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز وعودة تدفقات النفط إلى الأسواق، ما عزز توقعات زيادة المعروض النفطي عالميًا، لا يعني بالضرورة انخفاضًا فوريًا في أسعار المحروقات داخل سوريا.

وأوضح المهايني أن هناك عوامل أخرى تؤثر في السعر المحلي، أبرزها تكاليف النقل والتأمين، وسعر الصرف، وآلية الاستيراد والتوزيع، والضرائب والرسوم، إضافة إلى الفجوة الزمنية بين شراء الشحنات ووصولها إلى السوق.

دعم موجه

خلال استطلاع رأي ميداني أجرته عنب بلدي، تبين وجود شبه إجماع في الشارع السوري على ضرورة دعم المحروقات، ولا سيما مادة المازوت، على أقل تقدير، نظرًا لدورها في تشغيل المعامل الغذائية والنسيجية، وتأثيرها المباشر في أجور النقل.

ويرى المهايني أن الدعم الشامل للمحروقات قد يخفف الأعباء عن المواطنين، لكنه غالبًا ما يستفيد منه الأغنياء والفقراء معًا، ما يجعله عبئًا كبيرًا على الموازنة العامة.

وأشار إلى أن التحرير الكامل للأسعار قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والمعيشة، بما يزيد الضغط على أصحاب الدخل المحدود.

ومن هذا المنطلق، يعتبر المهايني أن الخيار الأكثر توازنًا يتمثل في الدعم الذكي أو الموجّه، بحيث يتركز على الفئات والقطاعات الأكثر حاجة، مثل النقل العام والإنتاج الزراعي والصناعي، بدلًا من دعم استهلاك الجميع بالطريقة نفسها.

وبحسب المهايني، فإن دعم المحروقات يبقى ضروريًا، ولو بشكل جزئي ومؤقت، في هذه المرحلة، لأن ارتفاع أسعار الوقود لا ينعكس فقط على مالكي السيارات، بل يمتد إلى أسعار الغذاء والنقل والكهرباء وكلفة الإنتاج عمومًا، ما يجعله عاملًا مباشرًا في تدهور معيشة السوريين.

هل من حلول؟

في المقابل، تبدو الدولة السورية غير قادرة على تحمل كلفة الدعم، ما دفعها إلى تحرير الأسعار ورفع أسعار المحروقات محليًا كلما تراجعت الليرة أمام الدولار أو ارتفعت أسعار النفط عالميًا. لكن هل يعني ذلك غياب الحلول؟.

يرى المهايني أن الدولة غير قادرة، في الوقت الحالي، على إعادة دراسة ملف دعم المحروقات، بسبب ضعف الإمكانات المالية ونقص إنتاج النفط المحلي.

أما الخبير المالي خلدون الطباع، فيرى أنه كان من الأجدى وجود خطة مستقبلية واضحة لدى الدولة لتحقيق نوع من الدعم، سواء عبر القروض أو الإعانات، لدعم الوقود بوصفه عنصرًا أساسيًا في تسعير معظم المنتجات.

وختم الطباع حديثه بالقول: “أضعف الإيمان أن يتم دعم المحروقات المرتبطة بتشغيل المصانع”.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة