
طلاب داخل قاعة محاضرات في جامعة دمشق - 12 حزيران 2026 (جامعة دمشق)

طلاب داخل قاعة محاضرات في جامعة دمشق - 12 حزيران 2026 (جامعة دمشق)
يعاني الموفدون السوريون إلى جامعات خارج البلاد من أزمة مستمرة تتمثل في انقطاع رواتبهم منذ نحو عامين، ما انعكس بشكل مباشر على أوضاعهم المعيشية والأكاديمية في دول الإيفاد.
ويؤكد موفدون أن التزاماتهم التعاقدية تمنعهم من العمل خلال فترة الدراسة، في وقت يواجهون فيه صعوبات متزايدة لتأمين احتياجاتهم الأساسية وتكاليف البحث والدراسة، وسط وعود متكررة من الجهات المعنية بحل الملف دون إجراءات عملية حتى الآن.
وتزداد صعوبة أوضاع الموفدين في بعض الدول التي تفرض قوانين صارمة على عمل الأجانب، بسبب ارتفاع نسب البطالة فيها وإعطاء الأولوية في فرص العمل لمواطنيها، كما هو الحال في الهند وكوبا، بحسب شهادات موفدين تحدثوا إلى عنب بلدي.
وتكررت تصريحات مسؤولين خلال العام الماضي بشأن قرب حل هذه المشكلة وصرف مستحقات الموفدين، مع الإشارة إلى انتظار الموافقات الأمنية اللازمة للصرف.
وكان أحدث هذه التصريحات منشورًا لوزير التعليم العالي والبحث العلمي عبر “فيسبوك”، في 12 من حزيران الحالي، أكد فيه أن الوزارة تضع ملف الموفدين في مقدمة أولوياتها، وتتابعه لضمان تأمين مستحقاتهم في أسرع وقت، مشيرًا إلى استكمال الإجراءات ورصد الاعتمادات المالية الخاصة بالمستحقات، بانتظار الموافقات الأمنية المطلوبة لتفعيلها.
لكن، بحسب الموفدين، لم تُترجم هذه التصريحات إلى حلول عملية حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.
ويرى موفدون أن تصريح الوزير الأخير “لم يحمل جديدًا”، بل جاء، وفق تعبيرهم، تكرارًا للتصريحات السابقة، دون نتائج ملموسة على أرض الواقع أو إجراءات واضحة تنهي أزمة تطال مئات الباحثين السوريين وعائلاتهم في الخارج.
وناشد الموفدون، عبر عنب بلدي، الرئيس السوري، أحمد الشرع، النظر في أوضاعهم كباحثين تحتاج إليهم البلاد في الداخل، والعمل على صرف مستحقاتهم في أسرع وقت.
تلقت عنب بلدي شكاوى من ثلاثة موفدين وزوجة موفد (فضّلوا عدم نشر أسمائهم)، شرحوا فيها انعكاسات انقطاع المستحقات على أوضاعهم المعيشية والأكاديمية في بلدان الإيفاد، في كل من الهند والصين وروسيا وكوبا، وقالوا إن معاناتهم تمثل نموذجًا لأزمة أوسع يعيشها موفدون سوريون آخرون في الخارج.
قال معيد موفد إلى روسيا لمصلحة جامعة “حلب” (كلية التربية، قسم تربية الطفل)، لعنب بلدي، “نحن كموفدين نتعرض دائمًا لهجوم من بعض الناس عندما تُنشر مشكلتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، ويصفوننا بأننا موفدو النظام أو أوفدنا بالواسطة”.
وأضاف أنه يجب التمييز بين الموفدين لمصلحة القطاعات الحكومية، كالوزارات والمديريات العامة، وبين الخريجين الذين أوفدوا لكونهم من الأوائل في دفعاتهم، واختيروا لإكمال دراستهم في الخارج بسبب عدم توفر اختصاصاتهم محليًا، للاستفادة منهم لاحقًا في تدريس هذه الاختصاصات في الجامعات السورية.
وتوافقه الرأي معيدة موفدة من كلية العلوم الصحية، قسم العلاج الفيزيائي، إلى كوبا، موضحة أن اختصاصها غير موجود في سوريا، ما يجعل الجامعة والكلية بحاجة إلى هذا التخصص.
وأشارت إلى أن مشكلة تأخر الرواتب “ليست جديدة”، بل قديمة ومتجددة، إذ عانت خلال فترة إيفادها من تأخر وصول راتبها مرتين، امتدت إحداهما إلى عام كامل، بينما استمر التأخير في المرة الثانية ثمانية أشهر.
وأضافت أن التأخير الحالي، الممتد منذ عامين، “كارثي بالنسبة للجميع”، موضحة أن آخر مرة تقاضى فيها الموفدون مستحقاتهم كانت في نيسان 2024.
كما أكد معيد موفد إلى الهند أن جميع الطلاب الذين أوفدوا إلى الخارج حصلوا على الإيفاد لاستحقاقهم، “وليس بالمحسوبيات”، بحسب تعبيره، إذ كانوا من الخريجين الأوائل على دفعاتهم، وحققوا شروطًا محددة، إضافة إلى ندرة تخصصاتهم في سوريا، لذلك جرى تعيينهم بقرارات رسمية للتدريس في الجامعات التي تخرجوا فيها.
وأشار إلى أن عدم حصوله على مستحقاته منذ عامين زاد أوضاعه سوءًا، خصوصًا أنه يعيش في بلد الاغتراب برفقة زوجته.
تمنع القوانين الناظمة للإيفاد الموفدين من العمل في الدول التي أوفدوا إليها، بهدف التفرغ للدراسة، على اعتبار أن الدولة تُرسل إليهم رواتبهم ومستحقاتهم الدورية. وفي حال عمل الموفد، يعد ذلك مخالفة للقوانين الناظمة للإيفاد وقد يترتب عليه مساءلة وفقا للموفدين.
وقالت الموفدة إلى كوبا، إنها لا تستطيع العمل في بلد الإيفاد لسببين، أولهما أن قانون الإيفاد يمنع الموفد من العمل، وثانيهما أن كوبا لا تسمح لحاملي إقامة الطالب الأجنبي بالعمل على أراضيها.
وأضافت أن القوانين في كوبا صارمة في هذا الشأن، موضحة أنه “في حال وشى أحدهم بطالب مقيم يعمل هناك، تُسحب منه المنحة مباشرة ويُعاد إلى بلده”، مشيرة إلى أن هذا واقع أغلب الدول المانحة.
وأكد الموفد إلى الهند الأمر نفسه، موضحًا أنه وجميع الموفدين إلى هذا البلد ممنوعون من العمل، كما تُفرض قيود على عمل الأجانب عمومًا، بسبب ارتفاع نسب البطالة.
وأضاف أن الموفدين لا يستطيعون الاعتماد على ذويهم في سوريا، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية.
وأوضح أنهم لا يحتاجون إلى رواتبهم المتوقفة لتغطية مصاريف الطعام والشراب والمستلزمات الشخصية فقط، بل أيضًا لتسديد تكاليف أكاديمية مطلوبة منهم، مثل الاختبارات وسحب العينات اللازمة للدراسة، إضافة إلى تراكم الأقساط الجامعية منذ عام.
وأشار إلى أنه لم يتمكن من تسديد الأقساط المطلوبة منه لفصلين دراسيين، وينتظر صرف المستحقات من الحكومة السورية ليتمكن من ذلك.
ويتفق معه معيد موفد إلى روسيا، قال لعنب بلدي، “القوانين الناظمة للإيفاد لا تسمح لي بالعمل، وحتى لو عملت، فالأمر صعب جدًا في روسيا، خصوصًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية داخل روسيا بسبب الحرب مع أوكرانيا، علمًا أنني أعيش مع زوجتي وطفلَيّ”.
في ظل هذه الظروف، وجد موفدون سوريون أنفسهم مضطرين إلى الاستدانة لتأمين معيشتهم ومواصلة دراستهم في بلاد الإيفاد، ما تسبب لهم بضغط نفسي كبير، نتيجة تراكم الديون وعدم وجود أفق واضح للحل.
وقال الموفد إلى الهند، إنه بسبب عدم قدرته على العمل في الهند نتيجة القوانين الصارمة التي تمنع عمل الأجانب، اضطر إلى الاستدانة من عدة مصادر، ما انعكس سلبًا على حالته النفسية والجسدية.
أما المعيدة الموفدة إلى كوبا، فقالت لعنب بلدي، “أُجبرت على استئجار منزل لأتمكن من الحصول على حريتي في السكن، بسبب تعرض الفتاة المحجبة في السكن الجامعي هناك لتعامل سيئ”.
وأضافت أن اضطرارها إلى الاستئجار خارج السكن الجامعي أدى إلى تراكم ديون عليها تُقدر بآلاف الدولارات، وفق تعبيرها.
وتساءلت، “ما بعرف إمتى ممكن رد الديون لأصحابها؟”.
من جهتها، قالت زوجة موفد في الهند لعنب بلدي، “من كثرة ما تسكرت الأبواب بوجهنا، فكرت أرجع على سوريا لأشتغل وساعد زوجي حتى ما يضيع مستقبله، بس اكتشفنا إنه ما معنا حق تذكرة الطيران”.
وأشارت إلى كثرة الديون التي تراكمت عليهم نتيجة تأخر الجهات المعنية في صرف المستحقات، موضحة أن الأشخاص الذين يقرضونهم المال “غير مضطرين لذلك”، لأن لديهم أيضًا مصاريفهم وعائلاتهم التي يعيلونها.
وأضافت، “وصلنا إلى مرحلة نشعر فيها أننا قد نضطر لطلب المساعدة من أي جهة”.
تنص القوانين الناظمة للإيفاد الخارجي بقصد الدراسة على أن كل معيد أو باحث سوري لا يعود بعد إنجاز دراسته ضمن المدة المحددة، يمكن أن تُحرَّك بحقه إجراءات قانونية عبر وزارة العدل السورية.
ويشرح موفد إلى روسيا لعنب بلدي، أن من لا يلتزم بالعقد المبرم قبل الإيفاد مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ولا يعود في الوقت المطلوب، يُحال ملفه إلى وزارة العدل، ويصبح مطالبًا برد ضعفي المبالغ التي صُرفت عليه خلال فترة الإيفاد.
وأضاف أن هناك موفدين، بسبب عدم التزامهم، أصبحوا مطالبين بتسديد مبالغ تتجاوز 210 آلاف دولار للدولة السورية، لأنهم لم يعودوا لخدمة بلدهم.
وبيّن أنه يتبقى له عام واحد للعودة إلى سوريا، وفي حال لم يتمكن من الحصول على الشهادة من الخارج، فسيُطالب بتسديد ما صُرف عليه خلال سنوات الدراسة.
وأشار إلى أنه منذ سفره صُرف عليه نحو 40 ألف دولار، وفي حال تعذر عودته بالشهادة المطلوبة، فسيُطالب برد ضعفي المبلغ، وفق ما تنص عليه القوانين الناظمة للإيفاد.
في المقابل، قال إنه لا يستطيع تسديد النفقات المطلوبة لنشر أبحاثه العلمية في المجلات العلمية الروسية، وهو شرط من شروط التقدم للدفاع عن رسالة الدكتوراه.
وأوضح أن كلفة نشر الأبحاث تبلغ نحو 200 دولار، بينما يعيش مع زوجته وطفليه، ما يزيد الأعباء والمسؤوليات عليه، ويجعله عاجزًا عن استكمال متطلبات الدفاع عن رسالته، بحسب تعبيره.
وأضاف، “لذلك نطالب حكومتنا بالإسراع في صرف مستحقاتنا، كي نتمكن من تغطية النفقات المطلوبة من الجامعات في الخارج”.
وفي هذا السياق، يتساءل موفدون، عبر عنب بلدي، بعد مضي عامين على انقطاع رواتب الموفدين خارجيًا، ووصول بعضهم إلى مرحلة عدم القدرة على استكمال متطلبات الحصول على المؤهل العلمي المطلوب: هل ستتحمل وزارة التعليم العالي مسؤولياتها تجاه هؤلاء الطلاب، أم ستتخذ الإجراءات القانونية المترتبة على عدم عودتهم بالمؤهل العلمي المطلوب؟
تواصلت عنب بلدي مع وزارة التعليم العالي للاستفسار بشأن توقيت صرف مستحقات الموفدين، ومعرفة ما إذا كان هناك موعد محدد لذلك، إلا أن الإجابة جاءت مشابهة للتصريحات السابقة، دون تحديد موعد نهائي للصرف.
وقال مصدر مسؤول في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لعنب بلدي، إن رواتب الموفدين “جاهزة ومخصصة في حسابات المصارف”، لكنها تنتظر الموافقات الأمنية من الجهات المعنية، ليجري إرسالها إلى الموفدين تباعًا وعلى دفعات.
وبيّن المصدر أن انتظار الموافقات مستمر منذ أكثر من شهر، موضحًا أن الحصول عليها جاء بناء على طلب من مصرف سوريا المركزي، لأن الحسابات كانت مجمدة، ويُفترض أن تُحرر بعد الموافقة الأمنية، بما يسمح بصرف المستحقات.
وأشار المصدر إلى أن الوزارة تتابع الملف مع وزارة الداخلية أسبوعيًا.
واستغربت الموفدة إلى كوبا طلب الموافقات الأمنية الخاصة بالموفدين، متسائلة: “لماذا الموافقات الأمنية طالما أننا طلاب مجتهدون ومن الأوائل، وأوفدنا بعد تحقيق شروط التعليم المطلوبة؟”.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى