في “قاع القاع”.. كيف يتم تفكيك سوريا من الداخل
خالد المطلق
لا تبدأ أزمات الدول دائمًا من انهيار الجيوش أو سقوط الحكومات أو تصدع المؤسسات الكبرى، بل كثيرًا ما تسري عدوى السقوط من مساحات أكثر هدوءًا وأقل وضوحًا في عين العامة، حيث تبدأ الأزمة من ركاكة اللغة التي يتحدث بها المجتمع، ومن ضبابية الطريقة التي تُنقل بها الحقيقة، ومن تشويه مواصفات وأوزان من يمنحهم الناس حق التأثير والحديث باسمهم.
وما نعيشه اليوم في الحالة السورية من تردٍّ إعلامي وانحدار في الوعي النخبوي والثقافي ليس مجرد تراجع عابر في قطاع مهني، بل هو الانعكاس الأدق والأعمق لأزمة أصابت مفهوم الدولة نفسها، وضربت في طريقها المعايير الأخلاقية والأكاديمية والمعرفية التي كانت تحكم الحياة العامة وتمنحها توازنها.
وثمة مفارقة وجودية شديدة القسوة والتعقيد يعيشها السوري اليوم، وتحديدًا ذلك الذي اضطرته ظروف العقد ونصف العقد الماضي إلى مغادرة البلاد والعيش في مغتربات متطورة، ففي الوقت الذي منحت فيه الغربة هذا السوري فرصة لتأمل تاريخ بلاده وإعادة اكتشاف هويته والارتباط بجذوره الثقافية العريقة، يجد نفسه في مواجهة واقع محلي يتجه بخطى متسارعة نحو القاع، إنه “الوعي الشقي” في أوج تجلياته حيث يعاني المغترب عبء المعرفة الممزوجة بالعجز، بينما تجرف تفاصيل البقاء والركض خلف لقمة العيش من بقوا داخل البلاد، البلد الذي يراه المغترب في كتب التاريخ لم يعد يشبه سوريا التي تُعاش اليوم في شيء، وهنا تصبح المعرفة واكتشاف الحقائق مصدرًا للبؤس والقنوط، إذ يدرك المرء أن المعضلة السورية لم تعد مجرد غياب للحريات السياسية بل هي غياب كامل للمعايير التي تجعل من الحوار والفضاء العام مكانًا لإنتاج الوعي لا لطمسه.
وقد تبدّت هذه المرارة بوضوح مؤخرًا في تلك السجالات المستعرة على منصات التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي بين أطراف ينصبون أنفسهم “إعلاميين ثوريين” في معارك حامية وطاحنة تفتقر لأدنى مقومات المهنية والأدب العام، وتتمحور حول تقييمات طفولية من قبيل “من حضر ومن غاب” و”من ركب موجة الثورة أولًا”، وفي هذه الساحات البديلة اختلطت الرسالة بالأداة، فبينما لعب الإعلام في بداية الصراع دورًا مهمًا في نقل الأحداث وكسر احتكار المعلومات في ظروف بالغة الصعوبة، تحول مع الوقت من مهنة بحث وتقصٍّ إلى اصطفاف فصائلي وأيديولوجي ضيق، حيث تلاشت المسافة بين الموقف الشخصي والدور المهني، وظهر صحفيون يمارسون الفجور اللفظي والوقاحة والاغتيال المعنوي لكل من يختلف معهم، مما جعل الإعلام يفقد استقلاليته ويتحول من جهة رقابية تبحث عن الحقيقة إلى مجرد بوق يدافع عن رواية فصيل عسكري أو جهة سياسية ممولة.
إن هذا الابتذال يجعل كل من واكب تاريخ الصحافة السورية منذ نشأتها في منتصف القرن الـ19 يبكي على أطلال الوعي المهني، فشتان بين زمن المتصدرين اليوم وبين تاريخ قامات فكرية من وزن محمد كرد علي مؤسس صحيفتي “المقتبس” و”القبس” ورئيس المجمع العلمي العربي بدمشق، أو منير الريس وعبد الغني العطري ونصوح بابيل وعبد الحميد الزهراوي، هؤلاء لم تكن قيمتهم تُقاس بعدد المتابعين، ولم يكن الجمهور ليقبلهم لو لم يكونوا روادًا للمجتمع وباحثين حقيقيين اعتبروا الإعلام جزءًا من مشروع بناء المجتمع وتطوير وعيه، وحتى في أحلك حقب التضييق السياسي والقيود الحزبية الصارمة في العقود الأخيرة، كان هناك حد أدنى من احترام الكفاءة والأكاديمية والوقار المعرفي لدى مسؤولي الإعلام ورؤساء التحرير، وكان الراحل مروان صواف وأقرانه يمثلون عمقًا إنسانيًا يحترم عقل المشاهد، أما اليوم وفي عصر الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي حدثت المفارقة الكبرى، فالتكنولوجيا التي منحت الجميع فرصة التعبير أسهمت أيضًا في إضعاف مكانة الخبرة وتحولت الشاشات والمنصات السورية إلى مسرح لـ”الكركوزات” ومصارعة الديكة وصناعة المحتوى التافه لجمع المشاهدات، وصار الانتشار الرقمي والتصفيق الجماهيري بديلًا عن المعرفة والدقة، وبتنا نرى مسؤولين محليين يروجون لإنجازات وهمية وسخيفة كإضاءة شارع أو ترميم رصيف بعد سنوات من الخراب، ويحتفي بها جمهور مغيب ومستقطَب وكأنها فتح مبين، بينما تعيش البلاد ظلامًا شاملًا وفراغًا مؤسساتيًا سمح بصعود شخصيات لم تكن قادرة على الوصول إلى مواقع التأثير في ظروف أكثر استقرارًا.
هذا التراجع ليس معزولًا في قطاع الإعلام وحده، بل هو خط بياني تراجعي شامل ينسحب على التعليم والإدارة والسياسة والدراما السورية التي باتت تختنق وتموت في عصر المنصات العالمية بعد أن كانت يومًا ما رائدة ومواكبة لعصرها، فالحروب لا تدمر المدن والمباني فقط، بل تدمر الطبقات المهنية والثقافية التي تحتاج إليها الدول كي تستمر، وحين نتصفح مذكرات النخب والمسؤولين السوريين من بداية القرن الـ20 حتى سبعينياته، نكتشف كم كان أولئك الرجال نتاج جهاز دولة وبيروقراطية متعوب عليها يمتلكون أدوات الإدارة ويعرفون بدقة معنى المؤسسات والدولة الوطنية بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع سياساتهم وتوجهاتهم، وهنا يكمن الكابوس الحقيقي والسؤال الأكثر إيلامًا الذي يطارد الأجيال القادمة وهو: “من سينشر مذكراته من مسؤولي وقادة اليوم بعد عشر سنوات؟”، هل سنقرأ مذكرات أمراء الحرب وقادة الفصائل وأشخاص فرضتهم ظروف الصراع عبر القوة العسكرية أو المال أو القدرة على الحشد؟ وما الذي سنتركه للمستقبل سوى ذاكرة الحرب والعفن الفكري والفيروسات السياسية التي طفت على السطح؟
إن الخطر الحقيقي ليس في صعود هؤلاء كحالة طارئة، بل في تحول صعودهم إلى نموذج اجتماعي يُحتذى بحيث تصبح القوة العسكرية والمالية مصدرًا وحيدًا للشرعية، ويصبح الولاء أهم من الكفاءة والضجيج أهم من الحقيقة.
يزداد هذا التحدي الوجودي تعقيدًا وعمقًا مع صعود وتمدد تيارات فكرية وسلفية جهادية لا تؤمن أساسًا بفكرة الدولة الوطنية الحديثة، ولا ترى في الدستور والقانون والمواطنة والبرلمانات قواعد لتنظيم المجتمع، بل تتردد في خطابات قادتها (كتنظيم القاعدة وجبهة النصرة سابقًا) أدبيات ترى في العمل السياسي والسلمي والمظاهرات الشعبية “انحرافًا”، لقد تلاقى تعاظم هذا المد المتطرف والمشروع العابر للحدود مع انهيار الأنظمة الدكتاتورية الهشة في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية ليوفر بيئة خصبة مكنت هذه القوى من السيطرة على مناطق وشعوب جديدة وتفكيك بنيتها الثقافية وهدم هندستها البشرية والاجتماعية، والأخطر من ذلك كله هو السعي الممنهج لأدلجة وغسل أدمغة أجيال من الأطفال في معسكرات ومدارس خاصة لترسيخ عقيدة الحرب المستمرة كمنهج حياة مما يهدد بمحو الخلايا الحية المتبقية للمجتمع السوري.
إن تشخيص هذا الواقع المرير والاعتراف الصادق بأن سوريا وصلت إلى “قاع القاع” ليس دعوة لليأس والاستسلام، بل هو البداية الحقيقية والخطوة الأولى نحو أي إصلاح أو خلاص مستقبلي، فمهما كانت الصورة قاتمة، فإن امتلاك الجرأة على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية ورفض المكابرة والتزوير المدفوع بالمظلوميات الطائفية أو الحزبية أو الفصائلية هو الأمل المتبقي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن إعادة بناء سوريا لن تتحقق فقط بتغيير الوجوه أو الحكومات أو بالشعارات العاطفية، ولا تقوم كذلك على الحنين الأعمى للماضي، بل تبدأ بإعادة الاعتبار للمهنية والاختصاص وإرساء القواعد العلمية التي تنتج الكفاءة داخل المؤسسات، فسوريا المستقبل بحاجة ماسة إلى جيل جديد يجمع بين الحرية والمسؤولية، وإلى إعلام مستقل ومهني لا يكون تابعًا لأجهزة السلطة ولا أسيرًا لغرائز الشارع وتصفيق الجمهور بل شريكًا حقيقيًا في بناء الوعي العام وتفسير الواقع، فأزمة سوريا في عمقها وجوهرها هي أزمة معايير وقيم معرفية وأخلاقية، وعندما يستعيد المجتمع السوري عافيته وقدرته على التمييز بين الحقيقة والضجيج واحترام العقل والكفاءة تبدأ حينها فقط رحلة استعادة الدولة نفسها.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





