سوريا الجديدة.. بين نجاعة السيطرة ومأزق التأسيس
خالد المطلق
يعيد 8 من كانون الأول 2024 صياغة تاريخ الشرق الأوسط، لا لأنه شهد مجرد انهيار خاطف لمنظومة الأسد بعد أكثر من خمسة عقود من السيطرة المطلقة، بل لأنه وضع السوريين فجأة أمام اللحظة الأكثر تعقيدًا في تاريخهم الحديث، ألا وهي كيف تتحول جغرافيا الحرب وفوضى الدولة الأمنية المتفككة إلى مشروع حقيقي للحكم وإعادة التأسيس؟
وفي قلب هذه التحولات المباغتة قفزت “هيئة تحرير الشام” بقيادة أحمد الشرع لتمسك بمقاليد الأمور مؤقتًا متسلحة ببراغماتية عالية وسعي حثيث لانتزاع اعتراف محلي ودولي، غير أن هذا التحول الميداني والسريع يطرح اليوم سؤاله الجوهري والمُلح: هل نعيش ولادة فعلية لدولة مواطنة ومؤسسات خرجت من رحم الركام؟ أم أن البلاد تنزلق تدريجيًا نحو إعادة إنتاج السلطوية بثوب ومصطلحات جديدة؟
من يقرأ تفاصيل المشهد الميداني والسياسي خلال عامي 2025 و2026 يستطيع أن يلمس بوضوح نجاح السلطة الجديدة في اختبار “السيطرة التشغيلية” بخلاف السيناريوهات الكارثية التي شهدتها تجارب عربية سابقة أدت فيها الفوضى واحتكام الثارات إلى انهيار مؤسسات الدولة بالكامل، إذ أظهرت قيادة الشرع قدرة لافتة على فرض الانضباط العاجل فحَمَت المرافق العامة وأمّنت الخدمات الأساسية وجمعت السلاح المنفلت من الشوارع الرئيسة في المدن الكبرى، كما أدارت ملفاتها الخارجية ببراغماتية حذرة فاقتطعت النفوذ الإيراني بالكامل وتخلصت من إرثه الثقيل وفتحت قنوات تواصل استخباراتية وسياسية متزنة مع واشنطن والعواصم العربية بالتوازي مع التنسيق الأمني والعسكري مع أنقرة وتفكيك الكثير من شبكات تهريب المخدرات التي أرهقت الإقليم لسنوات.
غير أن هذا النجاح الإجرائي جرى اقتطاعه بوضوح من رصيد التعددية والشرعية السياسية، حيث اعتمد الفصيل الحاكم على “النجاعة والسيطرة” بديلًا عن الشرعية الانتخابية أو التوافق الوطني العريض، فجاءت الاستعانة بحكومات التكنوقراط والشخصيات المستقلة صوريًا للتغطية على حقيقة أن مفاتيح القرار السيادي والأمني لا تزال تُدار داخل الغرف المغلقة للقيادة العسكرية، وينعكس ذلك بوضوح في القطاع الأمني حيث جرى إحلال جهاز “الأمن العام” التابع لـ”الهيئة” محل الأجهزة القديمة دون إجراء إصلاح هيكلي حقيقي يُخضع المؤسسة العسكرية لسيادة القانون والرقابة القضائية أو يضمن فتح المساحة العامة أمام الصحافة المستقلة ونشاط المجتمع المدني.
ويتكرر المشهد ذاته في ملف العدالة الانتقالية، إذ استُعيض عن المحاسبة المبدئية الشاملة وكشف مصير عشرات آلاف المفقودين بتسويات أمنية ومالية فردية وغير شفافة مع بعض رجال الأعمال ورموز العهد السابق، رافق ذلك واقع معيشي ضاغط وأزمة اقتصادية طاحنة يواجهها المواطن في قوته اليومي حيث تدور البلاد في حلقة مفرغة من العجز، فلا وجود لتعافٍ اقتصادي حقيقي دون رفع كامل للعقوبات الدولية وجذب الاستثمارات وهو مسار يظل مشروطًا بتنازلات سياسية ودستورية وإصلاحات حقوقية لم تبدِ القيادة الجديدة جاهزية كاملة لتقديمها بعد.
كما تكرر المشهد المأساوي قبيل وفي أثناء انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب المنتقى من قبل السلطة، وما حدث في الجلسة الأولى التشريعية أمر خطير يدل وبشكل واضح على محاولات حثيثة من السلطة لتقويض مؤسسات الدولة التشريعية وربطها مباشرة بالسلطة التنفيذية خدمة لمشاريع خاصة بعيدة كل البعد عن مصالح الشعب السوري، ومن هنا تزداد المعادلة حرجًا أمام الضغوط الخارجية المتشابكة والانتهاكات المستمرة للسيادة، فبينما يضع النفوذ التركي المتعاظم استقلالية القرار الوطني أمام اختبار التبعية، تواصل إسرائيل استغلال التغيرات الميدانية لفرض واقع أمني جديد عبر التوغل الميداني والتجريد الاستراتيجي للقدرات الدفاعية السورية في وقت تكتفي فيه السلطة بدبلوماسية البيانات والاحتواء تجنبًا لمواجهة مبكرة وغير متكافئة، وفي المقابل تتعامل القوى الكبرى (واشنطن وموسكو) مع دمشق بأسلوب “إدارة المخاطر المشروطة” معلقة الاندماج الدولي والاعتراف الناجز على ما ستقدمه السلطة من خطوات عملية في ملفات مكافحة الإرهاب وإرساء نظام حكم دستوري وضمان حقوق جميع المكونات المجتمعية بعيدًا عن الخطاب الفوقي لحماية “الرعايا”.
إن تقييم تجربة سوريا بعد سقوط نظام الأسد يكشف عن مفارقة حادة، فقد نجحت السلطة الجديدة في حماية الجسد التنظيمي للدولة من التفكك الشامل وسخرته لمصلحتها وفرضت هيبة أمنية إجرائية لكنها تعثرت حتى الآن في صياغة عقد اجتماعي جامع يعيد الاعتبار للمشروع الوطني الحقيقي، فاستبدال الاستبداد القديم بسلطوية براغماتية مغلّفة برداء التكنوقراط قد يمنح هدوءًا مؤقتًا لكنه لن يبني استقرارًا مستدامًا، ومن دون جرأة حقيقية للتخلي عن احتكار القوة والقرار والانتقال الفعلي نحو دولة المؤسسات وسيادة القانون والمواطنة الدستورية المتساوية ستظل سوريا الجديدة معلقة في المنطقة الرمادية بين وعود التحرير البراقة وإشكالات التأسيس الثقيلة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :




