من سوق الهال إلى الخليج.. عقبات التسويق تلاحق المنتج الزراعي السوري

إجراءات التفتيش على الشاحنات السورية عند الحدود الأردنية ـ 30 من حزيران 2026 (عنب بلدي)

camera iconإجراءات التفتيش على الشاحنات السورية عند الحدود الأردنية ـ 30 من حزيران 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – نورا قاسم

رغم السمعة التي تتمتع بها المنتجات الزراعية السورية في الأسواق المحلية والخارجية، وخصوصًا لدى دول الخليج، لا يزال المزارعون والمصدّرون يواجهون تحديات كبيرة في تسويق محاصيلهم، تبدأ بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، ولا تنتهي عند صعوبات التصدير والمعابر الحدودية.

وتؤكد وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي أنها تعمل على التنسيق مع الجهات المعنية وتوقيع اتفاقيات لتسهيل تسويق المنتجات الزراعية، بينما يرى مزارعون وخبراء ومصدّرون، تحدثوا إلى عنب بلدي، أن الدعم الحكومي لا يزال دون مستوى الحاجة، وأن الفلاح يبقى الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج والتسويق.

الفلاح “الحلقة الأضعف”

ينظر مزارعون إلى أنفسهم بوصفهم الحلقة الأضعف في سلسلة التسويق الزراعي، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتوضيب، وتراجع الإنتاج في بعض المواسم بسبب الظروف المناخية.

المزارع مظلوم عين حور، قال لعنب بلدي، إن إنتاج الكرز والمشمش واللوزيات خلال الموسم الحالي لم يكن مُرضيًا للفلاحين، إذ جاء دون المتوقع بسبب الأحوال الجوية غير المناسبة خلال فترة الإزهار.

وتساءل المزارع عن دور وزارة الزراعة في تعويض المزارعين عند تعرضهم لخسائر ناجمة عن الصقيع أو البرد أو الثلوج، مشيرًا إلى أن الفلاح يتحمل تكاليف مرتفعة للأسمدة والمبيدات، بينما لا يملك ضمانات حقيقية لتعويض خسارته.

ويرى أن الحكومة ليست معنية بالشراء المباشر بالضرورة، لكنها مسؤولة عن توفير الخدمات والتسهيلات، وفي مقدمتها تخفيف الأعباء المرتبطة بالتسويق والنقل.

غياب أدوات التسويق

من جهته، قال خبير الاقتصاد الزراعي عبد الرزاق حبزة لعنب بلدي، إن المزارعين لا يحصلون على مساعدة كافية في تسويق منتجاتهم، سواء من ناحية تأمين وسائل النقل أو العبوات اللازمة لتعبئة المحاصيل.

وأوضح أن الفلاح يضطر غالبًا إلى الاعتماد على سيارات خاصة لنقل إنتاجه، ما يزيد من التكاليف، في حين يتعرض أحيانًا لتخفيض أسعار منتجاته من قبل تجار الجملة، خصوصًا عندما تكون الكميات المعروضة في سوق “الهال” كبيرة.

واعتبر حبزة أن الفلاح لا يحصل غالبًا على ثمرة تعبه كاملة، إذ تذهب النسبة الكبرى من الأرباح إلى المصدّرين أو تجار الجملة ونصف الجملة، في ظل غياب منظومة تسويق حقيقية تحمي المنتَج الزراعي.

وأضاف أن ارتفاع تكاليف الأسمدة والبذار والمبيدات والعمالة، إلى جانب تكاليف التغليف وصناديق التعبئة، جعل هامش الربح محدودًا بالنسبة للفلاحين، بل إن بعضهم لا يتمكن أحيانًا من تغطية أجور النقل عند البيع في سوق “الهال”.

حلول مقترحة

يرى حبزة أن من أبرز الحلول المطروحة إنشاء أسواق “هال” فرعية قريبة من مناطق الإنتاج، بما يخفف تكلفة النقل والمسافات الطويلة على المزارعين.

وأشار إلى وجود وعود بإنشاء مراكز تسويق إضافية إلى جانب السوق المركزي في الزبلطاني، من بينها مراكز في دوما والكسوة، معتبرًا أن تنفيذ هذه الخطوة سيوفر الكثير على الفلاحين، بسبب قربها من مناطق إنتاج الخضار والفواكه.

كما دعا إلى إنشاء مراكز تدخل حكومية تعمل على تجميع المواد وتسويقها، بالاستفادة من أساطيل السيارات التابعة للمؤسسات الحكومية، مثل مديريات “السورية للتجارة” أو وزارة الزراعة.

وشدد حبزة على أهمية تفعيل السكك الحديدية، معتبرًا أنها يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تخفيض تكاليف التسويق الداخلي.

تسهيلات بعد إزالة الحواجز

رغم التحديات القائمة، يقر المزارع مظلوم عين حور بوجود تحسن واضح في حركة نقل المنتجات بعد مرحلة التحرير، مقارنة بما كان عليه الوضع سابقًا.

وقال إن المزارعين كانوا يضطرون في عهد النظام السابق إلى قضاء ساعات طويلة على الطرق للوصول إلى سوق “الهال” قد تصل إلى عشر ساعات، بسبب كثرة الحواجز، إضافة إلى اضطرارهم لدفع رشى.

وأضاف أن الطريق إلى السوق أصبح اليوم أسهل وأقصر، إذ تقلصت مدة الوصول إلى نحو ساعة ونصف فقط، ما انعكس إيجابًا على حركة التسويق الداخلي، رغم استمرار مشكلة ارتفاع التكاليف.

التصدير إلى الخليج.. انفراجات وعقبات

لا تقتصر تحديات التسويق الزراعي على السوق المحلية، إذ يواجه المصدّرون أيضًا عقبات في التصدير إلى دول الخليج، خاصة عبر الأراضي الأردنية.

وقال سائق الشحن جمال القاضي لعنب بلدي، إن الشاحنات السورية كانت تواجه سابقًا صعوبات في العبور، إذ لم يكن يسمح لسائقي الترانزيت السوريين بالدخول إلى الأردن ومتابعة الطريق نحو السعودية، بسبب عدم امتلاكهم تأشيرات دخول إلى المملكة.

وأضاف أن الأمور بدأت تتحسن منذ نحو عشرة أيام، بعد إتاحة حصول سائق الشحن السوري على التأشيرة السعودية، ما يسمح له بالعبور عبر الأردن ومتابعة الطريق إلى السعودية ومنها إلى الكويت أو دول خليجية أخرى.

وبحسب السائق، فإنه لا تزال هنالك عراقيل على الحدود الأردنية تتمثل في إجراءات تفتيش مشددة، ما تسبب بتأخير حركة النقل وإلحاق الأضرار بالبضائع القابلة للتلف، بحيث يخضع التفتيش لمرحلتين، الأولى عبر أجهزة الكشف، والثانية من خلال إنزال الحمولة وتفتيشها بشكل يدوي، بذريعة التحقق من خلوها من أي مواد ممنوعة، ما يعرّض شحنات الفواكه والخضراوات خصوصًا للتلف والخسائر.

وذكر جمال أن الجانب السعودي قدم بعض التسهيلات في منح التأشيرات لسائقي الشاحنات السورية، مشيرًا إلى أن مئات السائقين حصلوا عليها حتى الآن.

في المقابل، يرى المصدّر محمد أحمد الشغري، أن إجراءات التأشيرة لا تزال صعبة، لأنها تحتاج إلى فاتورة وشهادة منشأ، متسائلًا عن جدوى انتظار شاحنة محمّلة بالخضراوات أو الفواكه المبرّدة أيامًا عدة حتى صدور التأشيرة.

وأشار محمد إلى مشكلة أخرى تتمثل في تحميل بضائع جافة على شاحنات التبريد، بهدف تجنب تشغيل البرادات، معتبرًا أن هذا الأمر يجب منعه، كما هو معمول به في دول الخليج، حيث يمنع تحميل البضائع الجافة في سيارات الشحن المبردة.

كما دعا إلى تحسين العلاقة مع دول الجوار، وخصوصًا لبنان، موضحًا أن بعض المنتجات، مثل ورق العنب، تصل بحالة سيئة نتيجة انتظار الحمولة عدة أيام لإجراء التحاليل.

وقال إن أغلبية التجار السوريين تعرضوا للخسارة هذا الموسم، بسبب عدم انسيابية العبور على الحدود، بينما تكبد بعض المصدّرين خسائر وصلت إلى 70%، ما دفع عددًا منهم إلى التوقف عن العمل.

وأضاف محمد أن المصدّرين يعوّلون على شهر تموز الحالي وآب المقبل، لتحسين حركة التصدير وتعويض جزء من الخسائر التي لحقت بهم.

وطالب بإعادة تفعيل اتحاد الصادرات، ليكون جهة تدافع عن المصدّرين وتتابع مشكلاتهم بعد إلغائه بقرار رئاسي عام 2022.

هيئة دعم الصادرات بين الدور الرسمي والانتقادات

حول دور هيئة دعم وتنمية الصادرات، قال المصدّر محمد أحمد الشغري، إن “الهيئة” لا تقدم دعمًا ملموسًا للمصدّرين، مضيفًا أنه راجعها برفقة عدد من المصدّرين دون الوصول إلى نتائج عملية.

في المقابل، أوضح المكتب الصحفي في هيئة دعم وتنمية الصادرات لعنب بلدي، أن دورها يتمثل في دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات، من خلال مهام تشريعية وتنظيمية وتنسيقية.

وأضاف أن مهام الهيئة تشمل تيسير إجراءات المصدّرين مع الجهات والأسواق الخارجية، وإعداد الدراسات والأبحاث، وتنظيم لقاءات الأعمال المباشرة، ودعم المنتج المحلي لتحويله إلى منتج تصديري منافس، إلى جانب بناء علاقات اقتصادية مع الدول المستهدفة، والسعي لإيجاد أدوات تمويل وصناديق استثمارية داعمة للمنتجين والمصدّرين.

الحاجة إلى منظومة تسويق متكاملة

بينما تؤكد وزارة الزراعة أن دورها يتركز على التنسيق وتقديم التسهيلات للمزارعين والمصدّرين، يرى العاملون في القطاع الزراعي أن التحديات لا تزال أكبر من الإجراءات الحالية، سواء في التسويق الداخلي أو التصدير الخارجي.

وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وغياب مراكز تسويق قريبة من مناطق الزراعة، وصعوبات العبور إلى الأسواق الخارجية، تبدو الحاجة ملحة إلى منظومة تسويق متكاملة، تبدأ من دعم الفلاح في أرضه، ولا تنتهي عند تسهيل وصول المنتج السوري إلى الأسواق العربية والخليجية بأسعار عادلة وشروط تنافسية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة