متلازمة "العش الفارغ"

كيف يتعامل الوالدان مع استقلال الأبناء؟

camera iconذروة النجاح التربوي تتجلّى في استقلال الأبناء إذ يعد محطة فارقة تفتح للزوجين آفاقًا جديدة لتجديد شراكتهما وبناء حياة أكثر نضجًا وعمقًا (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – شعبان شاميه

لا تقتصر مغادرة الأبناء للمنزل بهدف الزواج أو السفر والاستقلال على كونها مجرد مرحلة انتقالية عابرة في حياة الوالدين، بل تفرض نفسها كمنعطف نفسي واجتماعي يؤثر مباشرة على استقرار هويتهما الشخصية.

هذه المرحلة، المعروفة في علم النفس بـ”متلازمة العش الفارغ”، تتخطى مشاعر الاشتياق الطبيعية لتضع الآباء والأمهات أمام فراغ مفاجئ يغير من طبيعة الدور المحوري الذي شكل تفاصيل حياتهم لعقود، الأمر الذي يفرض عليهم إعادة تعريف ذواتهم، والبحث عن اهتمامات وغايات بديلة تملأ هذا الفراغ المستجد.

وفي هذا السياق، تشخص استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، واقع الآباء والأمهات، موضحة أن كثيرًا منهم يرهنون تفاصيل حياتهم اليومية باحتياجات الأبناء، إذ تتمحور مواعيد النوم والاستيقاظ والقرارات والإجازات والأولويات وحتى شبكة العلاقات الاجتماعية حول عملية التربية.

وقالت الاستشارية، إن دور الأبوة أو الأمومة يتجذر مع مرور الوقت ليتجاوز مجرد المسؤولية الروتينية، ويصبح المعرّف الأساسي للذات، مشيرة إلى أن مغادرة الأبناء للمنزل تضع الوالدين أمام منعطف نفسي يُعرف بـ”إعادة تنظيم الهوية”، إذ يصطدم الإنسان مجددًا بأسئلة وجودية غابت لسنوات، مثل: “كيف أقضي وقتي الآن؟”، “ما الذي يمنح حياتي معناها؟”، و”من أنا خارج إطار دوري الأبوي؟”.

الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس،

بين المرونة واختزال الهوية

في محاولة لتفسير التباين في استجابة العائلات لهذه المرحلة، تعزو العرنوس اختلاف مواقف الأسر، بين عبور هادئ وأزمة نفسية حادة، إلى طبيعة الحياة الأسرية السابقة، بدلاً من واقعة الانفصال ذاتها.

وترى الاستشارية أن الأسر التي تمتاز بالمرونة تعبر هذه المرحلة بهدوء بفضل الحفاظ على توازن صحي واهتمامات شخصية ومهنية واجتماعية مستقلة للزوجين، بينما تواجه العائلات التي اختزلت هويتها كاملة داخل الدور الوظيفي للتربية أزمة هوية وفراغًا عميقًا.

تداعيات الفراغ الأسري

في تفصيل لأبرز المظاهر النفسية المصاحبة لهذه المرحلة، أكدت العرنوس أن الحزن يمثل الشعور الأكثر وضوحًا، لكنه ليس الوحيد، إذ يواجه الوالدان حزمة من التحديات النفسية والسلوكية التي تشمل تراجع الشغف، واضطرابات النوم، وشعورًا حادًا بالوحدة رغم وجود الشريك، بالإضافة إلى حالة من الهدوء المؤلم داخل المنزل، حيث يتحول الصمت الذي كان أمنية في الماضي إلى مذكّر دائم بغياب الأبناء.

ولفتت الاستشارية إلى أن القلق الأكبر يكمن في تسلل شعور انعدام الأهمية إلى نفوس الآباء والأمهات، فعندما ترتبط قيمة الفرد بالكامل بدوره في رعاية الآخرين، يهدد انتهاء هذا الدور تقديره لذاته بشكل مباشر، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى التدخل المفرط في حياة الأبناء، كركيزة لاستعادة الإحساس بالجدوى والضرورة.

المواجهة الزوجية الصادمة

أشارت العرنوس إلى أن غياب الأبناء واستقلالهم يرفع الغطاء عن أزمات زوجية متراكمة خلف جدار مسؤوليات التربية، إذ يواجه الزوجان واقعًا مفاجئًا بعد سنوات من “الزواج الوظيفي” الذي استمر لتأمين الالتزامات المشتركة على حساب العاطفة.

وأوضحت الاستشارية أن رحيل الأبناء، الذين شكلوا جسرًا للتواصل، يضع الطرفين أمام تساؤلات مصيرية، ليصطدم بعضهم بحقيقة العيش مع شريك غريب توقف منذ زمن طويل عن مشاركته الأحلام والمخاوف والاهتمامات.

من الوصاية إلى الشراكة

تعتبر العرنوس أن تدخل الآباء المفرط في حياة أبنائهم بعد الاستقلال يعود لآلية دفاعية نفسية تقاوم فقدان الأدوار الأساسية، إذ يحاولون استعادتها عبر الاتصالات المتكررة، والأسئلة اليومية، وإبداء الرأي في كل صغيرة وكبيرة، والشعور بالضيق المفرط إذا لم يؤخذ بتلك التوجيهات.

وغالبًا لا ينبع هذا السلوك من حب السيطرة، بحسب الاستشارية، بل من الخوف اللاشعوري من فقدان المكانة، إذ يصعب على الأم تقبل انتقال مركز القرار لزوجة الابن، كما يواجه الأب تحدي التحول من قائد وموجه إلى مستشار.

وقالت العرنوس، إن النضج النفسي في هذه المرحلة يتطلب تحويل العلاقة من وصاية كاملة إلى شراكة قائمة على الثقة والاحترام، فالأبناء هنا يحتاجون إلى والدين أكثر قدرة على استيعاب استقلاليتهم، ويدعمونهم عند الحاجة فقط.

إعادة بناء الهوية الفردية

فيما يتعلق بكيفية إعادة اكتشاف الزوجين لحياتهما بعد انتهاء مرحلة التربية، تنصح استشارية علم النفس الأسري بالتوقف تمامًا عن النظر إلى هذه المحطة باعتبارها نهاية المطاف، بل التعامل معها كبداية متجددة، مشيرة إلى وجود فارق جوهري بين “الفراغ” و”المساحة”، فبينما يولّد الفراغ الإحباط، تفتح المساحة آفاقًا واسعة للإمكانات والفرص.

وتعد تلك المحطة أول فرصة حقيقية منذ عقود ليستعيد الزوجان علاقتهما كشريكين لا كمجرد والدين، مما يتطلب منهما إعادة التعارف مجددًا لاستيعاب التغيرات التي طرأت على الشخصية، والاهتمامات، والأحلام التي نضجت وتبدلت مع مرور الزمن.

وشجعت العرنوس في الوقت ذاته على إعادة بناء الهوية الفردية لكل من الزوجين بمعزل عن أدوارهما الأسرية السابقة، وذلك من خلال الانخراط في تعلم مهارات جديدة، أو ممارسة الأنشطة التطوعية، أو العودة إلى هوايات قديمة، بالإضافة إلى الاهتمام بالصحة وتوسيع الدائرة الاجتماعية.

سلوكيات طمأنة الآباء نفسيًا

حول الدور المنوط بالأبناء لتخفيف وطأة هذه المرحلة الانتقالية، أكدت الاستشارية أهمية أن يستوعب الأبناء أن استقلالهم وبناء حياتهم الخاصة لا يعني القطيعة بأي حال، لافتة إلى أن الوالدين في هذه المرحلة لا ينتظران بقاء الأبناء جسديًا داخل المنزل بقدر ما يتطلعان إلى الاطمئنان أن مكانتهما العاطفية والروحية ما زالت محفوظة.

ويُلمس هذا الدعم النفسي عبر سلوكيات بسيطة تترك أثرًا عميقًا، كالمحافظة على الاتصال المنتظم، والزيارات المستمرة، والمشاركة الفاعلة في المناسبات، فضلًا عن استشارتهم والأخذ برأيهم، وهي كلها رسائل نفسية تؤكد للوالدين أن دورهما لم ينتهِ، وإنما تغير شكله.

في المقابل، دعت العرنوس الأبناء إلى تجاوز أي شعور بالذنب تجاه ممارستهم لحقهم الطبيعي في التأسيس لحياة مستقلة، معتبرة أن هذا الاستقلال يمثل في جوهره الثمرة الناضجة للتربية السليمة التي قدمها الآباء أنفسهم، وليس خيانة أو تنكرًا لتلك الجهود الطويلة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة