
زيارة وفد سوري حكومي مدينة هيروشيما اليابانية للاطلاع على تجربتها في إعادة الإعمار - 3 تموز 2026 (وزارة الأشغال العامة والإسكان السورية)

زيارة وفد سوري حكومي مدينة هيروشيما اليابانية للاطلاع على تجربتها في إعادة الإعمار - 3 تموز 2026 (وزارة الأشغال العامة والإسكان السورية)
بينما تسعى سوريا إلى رسم ملامح مرحلة إعادة الإعمار بعد سنوات الحرب، تتجه الأنظار نحو التجارب الدولية التي نجحت في تحويل الدمار إلى فرصة للنهوض.
وفي هذا السياق، جاءت الزيارة الرسمية التي أجراها وفد حكومي سوري إلى اليابان، والتي اطلع من خلالها على تجربتي مدينتي كوبي وهيروشيما في التعافي وإعادة البناء، والاستفادة من خبراتهما في التخطيط العمراني وإدارة الكوارث والتنمية المستدامة، إضافة إلى التشريعات والمشاريع التي أسهمت في تحويلها إلى نموذج عالمي.
وتفتح هذه الزيارة الباب أمام تساؤلات حول مدى إمكانية الاستفادة من النموذج الياباني في إعادة إعمار سوريا، وما إذا كانت تلك التجربة قابلة للتطبيق في الواقع السوري.
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، عبد الرحمن محمد، أكد لعنب بلدي، أن التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية تبرز بوصفها إحدى أبرز التجارب الإنسانية في إعادة البناء والتنمية، ورغم اتساع الفجوة بين اليابان وسوريا من حيث الظروف التاريخية، والبيئة السياسية، والبنية الاجتماعية، والإمكانات المتاحة، فإن المبادئ التي قادت اليابان في مسيرتها من الدمار إلى التنمية تحمل دروسًا ذات طابع عالمي يمكن الاستفادة منها.
وأشار محمد إلى أن أبرز الدروس العملية المستفادة من التجربة اليابانية فتتمثل فيما يلي:
1. إعطاء الأولوية للبنية التحتية الذكية: لم تكتفِ اليابان بإعادة بناء ما دُمر، إذ استثمرت في إنشاء بنية تحتية حديثة ومرنة، صُممت لتكون قادرة على مواجهة الكوارث الطبيعية وخدمة التنمية الصناعية في آن واحد، ويجسد هذا النهج مفهوم إعادة البناء التطويرية، التي تتجاوز مجرد الترميم.
2. سياسة القطارات القاطرة أو القطاعات الدافعة: اعتمدت اليابان على تركيز مواردها المحدودة في عدد من القطاعات الاستراتيجية القادرة على قيادة النمو الاقتصادي، فبدأت بصناعات الحديد والصلب، ثم انتقلت إلى الإلكترونيات وصناعة السيارات. وأسهم هذا التوجه في خلق تأثيرات إيجابية امتدت إلى بقية قطاعات الاقتصاد.
3. بناء شراكة ثلاثية مشتركة: استندت التجربة اليابانية إلى تناغم مؤسسي بين ثلاثة أطراف رئيسة: جهاز حكومي يتولى التخطيط ووضع السياسات، وقطاع خاص يتكفل بالتنفيذ والإنتاج، ومؤسسات مالية توفر التمويل اللازم للاستثمار. وقد شكّل هذا التكامل بين التخطيط والتنفيذ والتمويل أحد أهم مقومات النجاح.
بحسب محمد، لا يمكن نقل التجربة اليابانية إلى سوريا بصورة حرفية، بل يجب تفكيك النموذج الياباني وإعادة تركيبه بما يتناسب مع الواقع السوري.
في المقابل، تواجه سوريا تحديات مختلفة، تتمثل في تنوعها الاجتماعي والثقافي، وما خلفه الصراع من انقسامات، إضافة إلى اتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، وعدم وجود محرك خارجي ضامن للأمن والاستثمار، وتداخل مصالح عدد من الفاعلين الدوليين.
وبالنسبة للجوانب التي يمكن أن تكون قابلة للتطبيق في سوريا، أشار الخبير الاقتصادي إلى أنه من الممكن الاستفادة من عدد من عناصر التجربة اليابانية في سوريا، شريطة تعديلها وتكييفها بما يتناسب مع الظروف المحلية:
وفي سياق متصل، أفاد محمد بأن هناك العديد من الجوانب التي يصعب تطبيقها في سوريا وهي:
أما في الحالة السورية، فإن التحديات المرتبطة بضعف الكفاءة المؤسسية، وتضخم الجهاز الإداري، ووجود ممارسات فساد تجعل استنساخ هذا النموذج بصورة مباشرة أمرًا غير واقعي، بل قد يؤدي إلى تعقيد الإدارة بدلًا من تحسينها.
ونوه محمد إلى أن أبرز المقومات الاقتصادية التي جعلت تجربة اليابان في إعادة الإعمار ناجحة هي رأس المال البشري الجاهز، حيث خرجت اليابان من الحرب بجيش مهول من المهندسين والفنيين العاطلين عن العمل، تم استيعابهم فورًا في عملية البناء.
وأشار محمد أيضًا إلى وجود الحاضنة المؤسسية وجهاز دولة بيروقراطي قوي، متماسك، وذا كفاءة عالية، إلى جانب سياسة حكومية لتحويل الدخل للاستثمار عوضًا عن الاستهلاك، عبر حزمة من الحوافز المصرفية.
وختم محمد بالقول إن القيمة الحقيقية لتلك التجربة لا تكمن في محاكاة مصانع تويوتا أو قطارات الشينكانسن، بل في استيعاب قدرة أمة على تحويل الإذلال العسكري إلى مجد اقتصادي عبر منظومة قيم ركزت على العلم، والإتقان، والثقة بالمؤسسة العامة.
وأضاف أن التحدي السوري يتمركز في إعادة بناء رأس المال الاجتماعي المفتت، وإرساء عقد سياسي-اقتصادي جديد يضمن ألا يكون الإعمار مجرد إعادة إنتاج لدورة الصراع والعنف، بل مشروعًا وطنيًا يحول طاقة التدمير إلى طاقة بناء مستدام.
ورغم أن التجربة اليابانية لا يمكن اعتمادها كنموذج جاهز للتطبيق، فإنها تقدم مجموعة من الدروس التي يمكن أن تسهم في رسم ملامح إعادة الإعمار في سوريا.
كما تشير التجربة اليابانية أن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية لإعادة بناء ما دمر، بل مشروع اقتصادي متكامل يقوم على بناء مؤسسات فاعلة، وتنمية رأس المال البشري، وتحفيز الاستثمار، وتوجيه الموارد والإمكانيات نحو مشاريع طويلة الأمد.
ورغم التشابه في حجم الدمار والحاجة إلى إعادة البناء، تختلف نقطة الانطلاق بين التجربتين اليابانية والسورية؛ فقد بدأت اليابان مرحلة الإعمار ضمن دولة مستقرة مؤسسيًا تمتلك رأس مال بشري مؤهل، في حين تواجه سوريا تحدي إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والثقة المجتمعية بالتوازي مع إعادة بناء المدن والبنية التحتية.
وبينما تمثل زيارة الوفد السوري إلى اليابان خطوة للاطلاع عن قرب على هذه التجربة والاستفادة من خبراتها، فإن نجاح أي مسار لإعادة الإعمار سيظل مرهونًا بقدرة سوريا على تكييف هذه الدروس مع خصوصية واقعها المحلي، وتحويلها إلى سياسات تنموية تستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها سنوات الحرب.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى