تعا تفرج

مَن يرفض دولة المواطنة؟

tag icon ع ع ع

خطيب بدلة

مَن يرفض دولة المواطنة؟ يبدو هذا السؤال ساذجًا، وبديهيًا، إذ هل يوجد إنسان وطني، عاقل، يرفض دولة المواطنة التي تحترمه، وتحافظ عليه، وتؤمّن مستقبل أبنائه؟ الجواب: نعم. يوجد. أعتقد أن شرائح واسعة جدًا، من مجتمعاتنا، ترفض قيام دولة المواطنة، وتحاربها بقوة، ويمكن أن يقف لفيف من هذه الشرائح في وجهك، صفًا واحدًا، ليقولوا لك: لن نسمح بإقامة دولة مواطنة في بلادنا، ولو على جثثنا!

تفسير ذلك، أن هذه البلاد تعيش، منذ أكثر من مئة سنة، على الفوضى، وبها، أي بالفوضى، تتحقق فرص ذهبية لأشخاص لا يمتلكون مؤهلات أو شهادات أو خبرات…، فرص تجعلهم يستولون على مفاصل الدولة، فتصبح مقدرات البلاد وخيراتها بين أيديهم، وخلال ذلك يجري إبعاد أصحاب الشهادات والكفاءات والخبرات، وتهميشهم، أو تلفيق تهم سياسية لهم، وزجهم في المعتقلات، ولكي يتمكن هؤلاء التافهون من متابعة طريقهم في الكسب والنهب والسيطرة على مصائر الناس، فإنهم يقاومون أي محاولة لتأسيس دولة حديثة، فيها عقد اجتماعي، ودستور وطني، وقانون يحمي الجميع، ويشركهم في الحكم، وأجهزة رقابية تسائلهم عما نهبوه، وتصادره، وتعيده إلى خزينة الشعب، فلو حصل هذا، سيبدو لعديمي الكفاءات، وكأنه انقلاب عليهم، وعلى سلطتهم، يؤدي إلى إلقائهم في مكب نفايات التاريخ، والمكب، بلا شك، هو المكان المناسب لأمثالهم.

أرى أن الأفضل، هنا، أن آخذ مثالًا من النقابات المهنية للأدب والصحافة والفن والكتابة التلفزيونية، باعتبار أني أنتمي، بشكل أو بآخر، لهذه النشاطات، وأقول: إن الوضع السوي، أو الطبيعي، أو المنطقي، أن يكون على رأس كل نقابة، واحد من المشاهير الكبار، المبرزين، بينما تأتينا السلطة الحاكمة بشخص قليل الأهمية، وقد لا يكون اسمه معروفًا على الإطلاق، وكلهم، تقريبًا، متأثرون بقول الشاعر الفلسطيني توفيق زياد: هنا، على صدوركم، باقون كالجدار، ولعل من المفارقات اللذيذة، أن الأستاذ علي عقلة عرسان، الذي جاء إلى الاتحاد مع حافظ الأسد، في مطلع السبعينيات، بقي على رأس الاتحاد إلى سنة 2005، بعد وفاة حافظ بخمس سنوات (لا يشبهه في هذه الإقامة الطويلة سوى مصطفى طلاس، وعبد الحليم خدام).

ليس في نيتي، هنا، أن أسيء لشخص الأستاذ عرسان، فأنا أتحدث عن الظاهرة، وعن تفاصيل حدوثها، فبما أن لاتحاد الكتاب قانونًا، والقانون يشترط بالرئيس أن يكون منتخبًا، فإن رئيس الاتحاد، لكي ينتخب في المرات القادمة، يلجأ إلى تصرفات مغايرة تمامًا لما يجري في دول المواطنة، تتلخص في تنسيب أعضاء قليلي الأهمية، ولكن أصواتهم مضمونة للرئيس، واستبعاد الكتاب الحقيقيين، لأن لهم رأيًا مغايرًا.

وعلى كل حال، تصرفات رؤساء النقابات، خلال حكم الأسدين، كانت تصطدم بمبدأ الانتخابات، وأما اليوم، فقد أصبح كل شيء بالتعيين، مع استمرار المبدأ الأسدي، الرئيسي، وهو اختيار الأقل كفاءة وأهمية، وهؤلاء لا يخافون من فقدان مناصبهم، فالحظ حالفهم بأنه لا توجد انتخابات، ولذلك لا تنفتح شهيتهم على تنسيب أعضاء جدد، من أجل أصواتهم، بل على فصل أعضاء من المشاهير، بتهمة غريبة عجيبة، وهي أنهم كانوا مؤيدين للنظام البائد!



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة