قطاع الدواجن.. عشوائية وقرارات استيراد متبدلة تضرب السوق السورية

مدجنة في قرية رويشد بريف دير الزور - 29 آذار 2026 (عنب بلدي)

camera iconمدجنة في قرية رويشد بريف دير الزور - 29 آذار 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – نورا قاسم

مربون خارج سجلات الإحصاء، وقرارات استيراد تتبدل وفق تقديرات غير دقيقة، وسوق يتأثر سريعًا بأي خلل في العرض والطلب، وسط هذه الظروف، يقف قطاع الدواجن في سوريا أمام تحديات متراكمة تهدد استقراره، وتنعكس مباشرة على المنتجين والمستهلكين.

وتتوزع أبرز التحديات التي تواجه القطاع، بحسب عاملين فيه، بين استمرار التربية العشوائية وغير المرخصة، وغياب البيانات الدقيقة حول حجم الإنتاج، إضافة إلى قرارات فتح الاستيراد التي يرى مربون أنها تلحق خسائر بالمنتج المحلي، حتى إن كانت لفترات قصيرة.

تربية عشوائية

يعاني قطاع الدواجن في سوريا من العشوائية في التربية وعدم تنظيمها، في ظل وجود مربين غير مرخصين يعملون إلى جانب المربين المرخصين، ما يصعّب الوصول إلى إحصاءات دقيقة حول حجم الإنتاج الفعلي وحاجة السوق، لا سيما أن الإحصائيات الدقيقة لها الأثر الأكبر على صوابية القرارات الحكومية، سواء للتصدير أو الاستيراد.

وقال مدير شركة دواجن، محمد سماقية، لعنب بلدي، إن عدد مربي الدواجن غير المرخصين “كبير جدًا”، الأمر الذي يؤدي إلى عشوائية في الإحصاء، وينعكس على السوق إما بارتفاع مفاجئ في أسعار الفروج وإما بانخفاضها، تبعًا لحجم الكميات المطروحة.

وأضاف سماقية أن قطاع الدواجن يعاني من عدة مشكلات، أبرزها عشوائية التربية، إلى جانب فتح باب الاستيراد في بعض الفترات، ما يربك السوق ويؤثر في قدرة المربين على التخطيط للإنتاج.

بحسب سماقية، تظهر آثار هذه العشوائية في غياب القدرة على تقدير حجم الإنتاج بدقة، إذ يمكن أن تدخل كميات كبيرة إلى السوق في فترة قصيرة، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار وخسارة المربين، أو أن يتراجع العرض بشكل مفاجئ، فيرتفع السعر على المستهلك.

مربي الدواجن مازن مارديني، قال لعنب بلدي، إن الاختلاف بين الشركات الكبيرة والمداجن الصغيرة يظهر بشكل أساسي في آلية التسويق التي لا تزال غير مضبوطة حتى الآن.

وأضاف أن قطاع الدواجن يتفرع إلى أربعة أنواع رئيسة من التربية، هي الجدات والأمات والفروج والدجاج البيّاض، وجميعها تخضع في النهاية لمعادلة العرض والطلب، وتتأثر بأي خلل في التنظيم أو التسويق.

ويرى مازن أن الاستثمار الخاطئ في القطاع، وآليات التربية غير المنظمة، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بالتكاليف والتسويق، كلها تخلق العشوائية في تربية الدواجن بطريقة غير مباشرة.

وبحسب مازن، فإن اتساع الشريحة العاملة في هذا المجال، سواء من الشركات الكبيرة أو من أصحاب المشاريع الصغيرة، يجعل ضبط القطاع أكثر صعوبة، خصوصًا في ظل غياب قاعدة بيانات دقيقة تشمل جميع العاملين فيه.

من جانبه، أكد مدير عام المؤسسة العامة للدواجن، فاضل حاج هاشم، في حديث إلى عنب بلدي، وجود إشكالية مرتبطة بالتربية الفردية للدواجن، مشيرًا إلى أن عشوائيتها تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وبالتالي وصول المنتج إلى المستهلك بأسعار مرتفعة، إلى جانب وقوع خسائر على المربين.

وقال حاج هاشم، إن هناك تجاوبًا حكوميًا فيما يتعلق بإعفاء وسائل الإنتاج من الضرائب الجمركية، بهدف تشجيع المربين على تحديث وسائل الإنتاج، والانتقال من التربية الفردية والعشوائية إلى نماذج إنتاج تضم مجموعات كبيرة تحت إدارة واحدة.

ويرى حاج هاشم أن هذا التحول يمكن أن يساعد في الحد من أخطار الأوبئة والجوائح، والحصول على منتج بمواصفات جيدة قابلة للتصدير، وبتكاليف إنتاج منخفضة، ما ينعكس إيجابًا على السوق المحلية وعلى قدرة المنتج السوري على المنافسة خارجيًا.

كيف يمكن تنظيم القطاع؟

في ظل هذه القضية المتشابكة، يطرح عاملون في قطاع الدواجن عدة حلول للحد من العشوائية.

ويرى أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، في حديث إلى عنب بلدي، أن السوق المحلية كانت تعتمد سابقًا على المداجن الصغيرة، إلى جانب مساهمة حكومية بجزء من الإنتاج، بينما دخلت الشركات الكبيرة إلى الأسواق خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت لاعبًا مؤثرًا فيها.

وأشار حبزة إلى أن الشركات الكبيرة تتمتع بملاءة مالية مرتفعة، ما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في السوق، مقارنة بالمداجن الصغيرة التي تعد الحلقة الأضعف في القطاع.

وأضاف أن تنظيم قطاع الدواجن يحتاج إلى إشراف وسيطرة حكومية أكبر، من خلال اجتماعات دورية في وزارة الزراعة تجمع بين الشركات الكبيرة وأصحاب المداجن الصغيرة الخاصة، بما يسمح بتنسيق الإنتاج والتسويق وتخفيف التقلبات الحادة في الأسعار.

ومن وجهة نظر حبزة، لا توجد سيطرة حكومية كافية على قطاع الدواجن، وهو ما يخلق حالة من العشوائية تظهر تبعاتها في الأسواق المحلية، سواء عبر ارتفاع الأسعار أو انخفاضها بشكل غير متوقع.

ويرى أن الحل الأمثل لتنظيم الأسواق يكمن في عدم طرح جميع الشركات والمداجن منتجاتها في الأسواق دفعة واحدة، بل بتوزيع الكميات على مراحل، فيسوّق جزء من المنتجين بضاعتهم في بداية الشهر، وآخرون في منتصفه، وآخرون في نهايته.

وأشار حبزة إلى أن هذه الطريقة قد تكون أكثر جدوى لتنظيم القطاع، لأنها تمنع تكدس المعروض في فترات محددة، وتخفف في الوقت نفسه من نقص المادة في فترات أخرى.

كما شدد على ضرورة جمع المداجن الصغيرة تحت إدارة واحدة أو ضمن تجمعات إنتاجية منظمة، بما يمكّنها من التنافس مع الشركات الكبيرة، وبالتالي حمايتها من الخسائر عند حدوث أي اضطراب في الأسواق، خاصة أن الشركات الكبيرة، بحسب تعبيره، قادرة على التحكم بالأسعار بالتعاون مع بعض المسالخ، ما يجعل المداجن الصغيرة في موقع أضعف.

غياب الإحصاءات يربك قرارات الاستيراد

إلى جانب العشوائية في التربية، يعاني مربو الدواجن في سوريا من قرارات السماح باستيراد الفروج، حتى إن كانت لفترات قصيرة، إذ يرى عاملون في القطاع أنها تتسبب بأضرار وخسائر للمنتجين المحليين، خصوصًا عندما تصدر في توقيت غير مناسب لحجم الإنتاج المحلي.

وكان آخر قرار بوقف الاستيراد قد صدر قبل نحو شهر، في وقت ترتبط فيه قرارات الاستيراد والتصدير عادة بوجود إحصاءات دقيقة حول حجم الإنتاج وحاجة السوق، وهي بيانات لا تزال غير مكتملة بحسب عاملين في القطاع.

ويؤدي غياب الإحصاءات الدقيقة إلى إشكاليات في تقدير الحاجة الفعلية للسوق، ما ينعكس على المنتجين والمستهلكين معًا، فعند تقدير الحاجة بأكثر من الواقع، قد يُفتح باب الاستيراد، في وقت يكون فيه الإنتاج المحلي قادرًا على تلبية الطلب، ما يضغط على الأسعار ويكبّد المربين خسائر. أما عند تقدير الإنتاج بأكثر من حجمه الحقيقي، فقد تتراجع الكميات المعروضة وترتفع الأسعار على المستهلك.

وفي هذا السياق، قال مدير عام المؤسسة العامة للدواجن، فاضل حاج هاشم، إن تطبيقًا يحمل اسم “سراج” أُعدّ لهذا الغرض، وسيكون استخدامه إلزاميًا لدى جميع المربين، بهدف الوصول إلى أرقام دقيقة تساعد في تعزيز القرار الحكومي، سواء في الاستيراد أو التصدير.

وأشار حاج هاشم إلى أن حاجة السوق السورية من مادة الفروج تتراوح بين 400 و500 طن يوميًا، مؤكدًا أن المنتج المحلي قادر على تغطيتها، في حال جرى تنظيم الإنتاج وضبط عمليات التسويق والاستفادة من البيانات المتاحة بشكل صحيح.

في المقابل، يرى مربي الدواجن مازن مارديني أن تطبيق “سراج” مهني وعملي، لكنه لا يمثل الحل الأمثل وحده، عازيًا ذلك إلى ابتعاد عدد كبير من مربي الدواجن عن الشؤون التقنية، إلى درجة أن بعضهم لا يجيد القراءة أو الكتابة.

ووصف مازن أغلبية من يعتمدون على العمل في مجال التربية بأنهم “يعيشون على البركة”، في إشارة إلى اعتمادهم على الخبرة اليومية والأساليب التقليدية، أكثر من اعتمادهم على أنظمة إدارية أو تقنية حديثة.

وأضاف أن البلاد خرجت من حرب استمرت لأكثر من عقد، وهو ما يفسر ابتعاد المربين الصغار عن نظام الشركات المتطورة، وضعف قدرتهم على مواكبة التطبيقات الإلكترونية أو متطلبات الإدارة الحديثة.

ويرى مازن أن الأكثر جدوى من الاعتماد على التطبيقات في الوقت الحالي، هو العمل على تطوير مربي الدواجن أنفسهم، من خلال دعمهم وتقديم التسهيلات لهم، ولا سيما أن هذا القطاع حيوي، ودورة المال فيه كبيرة، ويمكن أن ينعكس تنظيمه إيجابًا على الاقتصاد الوطني.

بيض المائدة أكثر وضوحًا

فيما يتعلق بالإحصاءات المتوفرة في قطاع الدواجن، أوضح حاج هاشم أنها تبدو أكثر وضوحًا في مادة بيض المائدة، إذ ارتفع الإنتاج إلى الضعف خلال عام، متزايدًا من عشرة ملايين إلى عشرين مليون بيضة.

وأضاف أن بيض المائدة يُصدَّر إلى دول الخليج، وخاصة قطر، كما أنه متوفر في السوق المحلية بأسعار مقبولة للمستهلك، ما يجعله أقل اضطرابًا مقارنة بسوق الفروج.

وفي السياق ذاته، أعلن المستشار الفني في اتحاد الغرف الزراعية السورية، عبد الرحمن قرنفلة، تصدير مليون و80 ألف بيضة إلى الأسواق العراقية خلال الأسبوع الأول من تموز الحالي، في مؤشر على قدرة بعض حلقات قطاع الدواجن على تحقيق فائض قابل للتصدير عندما تتوفر بيانات أوضح وتنظيم أفضل.

وبين عشوائية التربية، وضعف الإحصاءات، وتبدل قرارات الاستيراد، يبقى قطاع الدواجن في سوريا بحاجة إلى قاعدة بيانات دقيقة، وآلية تسويق منظمة، ودعم حقيقي للمربين الصغار، بما يضمن استقرار السوق ويحمي المنتج المحلي، من دون أن يتحمل المستهلك تكلفة الخلل في الإنتاج أو القرار.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة