لنستصلح مستنقعنا بدلًا من الغوص في المستنقع اللبناني

tag icon ع ع ع

غزوان قرنفل

ليس من الحكمة أن تبحث دولة أنهكتها الحرب عن ساحة لمعركة جديدة تخوضها نيابة عن الآخرين، وليس من الحصافة بطبيعة الحال أن تستبدل استحقاقات أزماتها الداخلية بأزمة إقليمية أكثر تعقيدًا، فسوريا التي لم تندمل جراحها بعد، ولم تنهِ آثار 14 عامًا من الصراع، ولا تزال تواجه تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية هائلة، ليست بحاجة قطعًا إلى الانخراط في صراع جديد على الأراضي اللبنانية مهما كانت الضغوط أو الإغراءات التي قد تمارَس عليها.

من الواضح تمامًا أن ضغوطًا أمريكية وإسرائيلية تمارَس على السلطة السورية بهدف دفعها لأداء دور عسكري أو أمني داخل لبنان بهدف مواجهة “حزب الله” ونزع سلاحه، أو إعادة ترتيب المشهد الأمني على الحدود السورية- اللبنانية، وسواء كانت هذه السيناريوهات قابلة للتحقق أم لا، فإن المعيار الذي ينبغي أن يحكم الموقف السوري يجب أن يكون في الإجابة عن السؤال الأساس: أين تكمن المصلحة الوطنية السورية في ذلك؟ والجواب في تقديري واضح تمامًا، فالمصلحة الوطنية السورية لا تكمن في فتح جبهة جديدة، ولا في تحويل سوريا إلى طرف مباشر في صراع لبناني داخلي أو إقليمي، ذلك أن أي انخراط من هذا القبيل لن يكون مجرد عملية عسكرية خاطفة تنتهي خلال أيام أو أسابيع، بل سيولّد صراعًا مفتوحًا تتداخل فيه الاعتبارات الطائفية والسياسية والإقليمية، ويستنزف الموارد والطاقات لعقود مقبلة.

الانزلاق إلى المستنقع اللبناني أسهل بكثير من الخروج منه، فالتوازنات اللبنانية شديدة التعقيد، وأي طرف خارجي يظن أنه قادر على حسمها بالقوة سيكتشف سريعًا أنه أصبح جزءًا من مشكلة أعقد لا جزءًا من حل مفترض، فالحروب هناك لا تنتهي بانتصار عسكري حاسم، بل دائمًا ما تتحول، بفعل وجود أطراف دولية أو إقليمية تغذيها، إلى حلقات متتابعة من العنف وردود الفعل والثأر السياسي، والسوريون الذين دفعوا أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية، ليسوا مجبرين على أداء تلك الجزية السياسية والعسكرية لترامب ولحكومة الاحتلال الإسرائيلي نظير تطويب الشرع رئيسًا أبديًا لسوريا، والسوريون أيضًا ليسوا مستعدين ولا مضطرين لدفع فاتورة حرب جديدة لا علاقة لها بأولوياتهم الوطنية، فالمواطن السوري الذي يعاني من تراجع مستوى المعيشة وانهيار الخدمات وتهالك البنية التحتية، لا ينتظر من دولته أن ترسل أبناءه إلى حرب جديدة، بل ينتظر منها أن تعيد بناء المساكن والمدارس والمستشفيات والاقتصاد، وأن توفر فرص العمل، وأن تعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

إن أخطر ما قد يحدث هو أن تتحول سوريا إلى ساحة لتقديم أوراق اعتماد سياسية لدى القوى الدولية، فلا يجوز أن يكون ثمن تحسين العلاقات مع هذه الدولة أو تلك هو دم السوريين ومستقبلهم، وإذا كان رضا الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو أي قوة أخرى، مشروطًا بانخراط سوريا في حرب استئصال ضد طرف لبناني، وجعل الجيش السوري مجرد فرق وكتائب مرتزقة، فإن هذا ثمن لا ينبغي لأي سلطة وطنية أن تقبل بدفعه، فالدول تُقاس بقدرتها على حماية مصالح شعوبها، وليس بقدرتها على تنفيذ رغبات وسياسات الآخرين، فالسيادة تعني تمامًا القدرة على قول “لا” عندما تتعارض المطالب الخارجية مع المصالح الوطنية.

واقع الحال يقول إن لدينا من الملفات الداخلية ما يملأ سنوات من العمل الدؤوب، فاقتصادنا يحتاج إلى إنعاش، ومؤسساتنا تحتاج إلى إصلاح، وقضاؤنا يحتاج إلى تعزيز استقلاله، وإدارتنا تحتاج إلى مكافحة الفساد، ومجتمعنا يحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية تعالج آثار الانقسامات والجراح التي خلّفتها سنوات الحرب، وتلك التي صنعت جروحًا غائرة في الجسد على يد السلطة الجديدة، وبالتالي فإن استصلاح هذا “المستنقع” الداخلي أولى ألف مرة من الغوص في مستنقع جديد خارج الحدود، فكل ساعة تُصرف في إعادة بناء الداخل السوري هي استثمار في مستقبل البلاد، فيما كل لحظة تُهدر في نزاع خارجي تعني مزيدًا من التأخر ومزيدًا من الاستنزاف بلا طائل.

لقد دفعت المنطقة كلها ثمنًا باهظًا بسبب السياسات التي اعتقدت أن القوة العسكرية قادرة على حل الأزمات السياسية، ولم تنجح تلك المقاربة إلا في إنتاج جولات جديدة من العنف والكراهية والانقسام، وليس من مصلحة سوريا أن تعيد إنتاج التجارب نفسها بينما هي بأمس الحاجة إلى مرحلة من الهدوء والاستقرار وإعادة البناء.

ما يحتاج إليه السوريون اليوم سلطة تنصرف إلى تجفيف واستصلاح مستنقعها وإصلاح بيتها الداخلي، وإلى مشروع وطني يغذي الأمل بالمستقبل، لا إلى مشروع عسكري يفتح أبواب المجهول عليهم، لأن العمل على بناء مجتمع متماسك واقتصاد منتج ومؤسسات تمتثل للقانون وخدمة مصالح المواطن، هو أولوية السوريين جميعًا، وليس دفع جزية التحرير نيابة عن السلطة لترامب ونتنياهو من دماء أبنائهم.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة