بعد احتجاجات “العودة والكرامة”.. وفد حكومي يستمع لمطالب عشائر الحسكة

camera iconعدد من المحتجين في خيمة الميلبية جنوب الحسكة – 24 تموز 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

انتقلت محافظة الحسكة في الأيام الأخيرة إلى مرحلة جديدة من الحراك المحلي، بعد حالة احتقان تحولت إلى تحركات عشائرية ميدانية رفعت مطالب سياسية وخدمية وأمنية.

وتزامنت هذه التحركات مع استمرار مسار تنفيذ اتفاق 29 من كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وما يرافقه من بطء في دمج المؤسسات وإعادة ترتيب الإدارة المحلية.

ومع نصب خيم حملت اسم “العودة والكرامة” في أكثر من منطقة بريف الحسكة، سارعت الحكومة السورية إلى إرسال وفد رسمي أجرى سلسلة لقاءات مع شيوخ العشائر ووجهاء المحافظة، في محاولة لاحتواء التوتر والاستماع إلى مطالب المحتجين.

في وقت يرى فيه أبناء المحافظة أن الأزمة لا ترتبط بجانب سياسي واحد، وإنما هي حصيلة سنوات من تراجع الخدمات وتعقيدات الإدارة والانقسام الأمني.

حراك عشائري يرفع سقف المطالب

بدأت التحركات العشائرية، في 22 من تموز الحالي، عبر نصب خيم اعتصام في مناطق الميلبية وتل حميس وتل براك واليعربية، تحت عنوان “العودة والكرامة”، بمشاركة أبناء عشائر عربية من مناطق مختلفة في المحافظة.

ورفع المشاركون جملة مطالب، كان أبرزها بسط سيطرة الحكومة السورية على كامل محافظة الحسكة، وحل “قسد” و”الإدارة الذاتية” و”الشبيبة الثورية”، وتسهيل عودة النازحين إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة “قسد”، إلى جانب إعادة النظر في ما وصفوه بالامتيازات الممنوحة لـ”قسد” داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية.

كما شملت المطالب تخفيف شروط الانتساب إلى الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي، وإيجاد حلول عاجلة لتدهور الخدمات في الأرياف، ولا سيما ما يتعلق بالمحروقات والطحين ودعم القطاع الزراعي، إضافة إلى إعادة افتتاح المؤسسات الحكومية الخدمية، مثل دوائر النفوس والمصارف والقصور العدلية، بما يسمح للسكان بالحصول على الخدمات داخل المحافظة بدل اضطرارهم إلى مراجعة محافظات أخرى.

تحرك حكومي سريع لاحتواء الاحتجاجات

أعقب انطلاق الاعتصامات وصول وفد حكومي ضم رئيس الهيئة السياسية في الحسكة عباس الحسين، ونائب المحافظ أحمد الهلالي، ومدير الأمن الداخلي، حيث زار الخيم والتقى ممثلي المحتجين واستمع إلى مطالبهم.

وبحسب المعطيات التي حصلت عليها عنب بلدي، انتهت اللقاءات بإغلاق الخيم الثلاث، بعد تلقي المعتصمين وعودًا بمتابعة مطالبهم والعمل على معالجتها، كما واصل الوفد لقاءاته مع شيوخ العشائر والوجهاء في عدد من المناطق.

ولم تقتصر التحركات الحكومية على زيارة مواقع الاعتصام، بل امتدت إلى سلسلة جولات ميدانية في تل براك وريف القامشلي، حيث عقد الوفد لقاءات في مضافات عشائرية عدة، من بينها مضافة قبيلة الجبور في تل براك، ومضافة قبيلة طي في جرمز، ومضافة بني سبعة في شرموخ، إضافة إلى لقاءات مع وجهاء عشائر وشخصيات اجتماعية وذوي ضحايا “مجزرتي الحاجية وتل خليل”، الذين طالبوا بإدراج قضيتهم ضمن مسار العدالة الانتقالية.

كما أعلن القائمون على الحراك نيتهم تشكيل وفد أهلي للتوجه إلى رئاسة الجمهورية، بهدف عرض مطالب أبناء المنطقة بصورة مباشرة، في خطوة تعكس سعي المحتجين إلى نقل مطالبهم إلى المستوى المركزي.

مطالب معيشية تتجاوز الشعارات السياسية

ورغم أن بعض الشعارات التي رفعتها خيم الاعتصام اتصلت بمستقبل “قسد” و”الإدارة الذاتية”، فإن الجانب الخدمي بقي حاضرًا بقوة في معظم اللقاءات التي أجراها الوفد الحكومي مع الأهالي.

ويبرز ملف المياه في مقدمة القضايا التي تشغل سكان الحسكة، بعد سنوات من الانقطاعات المتكررة، إلى جانب أزمة الكهرباء وضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وارتفاع أسعار الوقود، وتراجع الدعم المقدم للقطاع الزراعي، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مستوى المعيشة في المحافظة.

كما يطالب السكان بإعادة تفعيل المؤسسات الحكومية الخدمية داخل المحافظة، بما يخفف الأعباء عن المواطنين ويعيد جزءًا من الحياة الإدارية الطبيعية التي تعطلت خلال سنوات الانقسام.

خلفية من التوترات المتراكمة

لا يمكن فصل الحراك الأخير عن التطورات التي شهدتها الحسكة خلال الأيام التي سبقته.

وشهدت مدينة رأس العين احتجاجات تزامنت مع زيارة محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، للمشاركة في افتتاح محطة مياه علوك، فيما سبقتها حالة انتشار أمني لـ”قسد” داخل مدينة الحسكة، مع تسيير دوريات وتعزيزات في عدد من الأحياء، قبل أن تنفي قيادة الأمن الداخلي التابعة للحكومة وجود أي استنفار أمني أو استهداف للحواجز.

وفي الوقت نفسه، أثارت حادثة إخلاء منزل لعائلة عربية في حي الطلائع بمدينة الحسكة جدلًا واسعًا بين السكان، بعد تداول معلومات عن تنفيذ القرار من قبل “أسايش” التابعة لـ”قسد”، الأمر الذي زاد من حالة الاحتقان، خاصة مع انتشار بيانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى تشكيل “خيمة الكرامة والعودة” ثم “خيمة الحرب”.

وترافقت هذه التطورات مع تصاعد حالة الاستقطاب على مواقع التواصل الاجتماعي، وظهور بيانات متبادلة بين أطراف مختلفة، ما انعكس على المزاج العام داخل المحافظة.

اتفاق الاندماج لا يزال يلقي بظلاله

ويأتي الحراك الحالي في وقت لا تزال فيه المحافظة تعيش تداعيات اتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قسد”، الذي نص على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ورغم بدء تنفيذ الاتفاق بصورة تدريجية منذ شباط الماضي، فإن مساره واجه تحديات تتعلق بآليات الدمج، وتوزيع الصلاحيات، ومستقبل مؤسسات الإدارة الذاتية، إلى جانب الجدل الذي أثارته التعيينات الإدارية الأخيرة في المحافظة، والتي رأى بعض أبناء الحسكة أنها لم تحقق التمثيل المطلوب لمختلف المكونات الاجتماعية.

تضامن من خارج المحافظة

وامتدت أصداء التحركات إلى خارج الحسكة، إذ شهدت مدينة تل أبيض وقفة تضامنية دعمًا للمعتصمين، كما أصدرت قبائل وعشائر المنطقة بيانًا أعلنت فيه تأييدها للمطالب المطروحة، ودعت إلى الاستجابة لها.

وفي السياق ذاته، نظم مهجرو الحسكة وأهالٍ من مدينة رأس العين وقفة احتجاجية طالبوا خلالها بفرض سيطرة الدولة على كامل المحافظة، وتأمين عودة المهجرين، وضمان حقوق جميع أبناء المنطقة، مع إبداء اعتراضهم على تعيين محافظ الحسكة الحالي.

الأهالي: المحافظة تحتاج حلولًا لا مزيدًا من الانقسام

ويرى أحمد العلي، من مدينة الحسكة، أن أبناء المحافظة يعيشون منذ سنوات تحت ضغط الأزمات المتلاحقة، موضحًا أن المواطنين لا يطالبون بأكثر من إدارة قادرة على تحسين الخدمات وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية.

وقا أحمد المشارك في الحراك الأخير، لعنب بلدي، إن التعبير عن المطالب حق طبيعي، لكن المحافظة تحتاج في هذه المرحلة إلى خطاب يبتعد عن التخوين والاستقطاب، لأن أي تصعيد جديد ستكون كلفته على جميع السكان، بغض النظر عن انتماءاتهم، داعيًا إلى إعطاء الأولوية لمعالجة قضايا المياه والكهرباء والتعليم وفرص العمل.

أما سلمان المحمد، من ريف الحسكة الجنوبي، فيرى أن الريف كان الأكثر تضررًا خلال السنوات الماضية، سواء بسبب ضعف الخدمات أو تراجع الزراعة وارتفاع تكاليف الإنتاج، الأمر الذي دفع كثيرًا من الشباب إلى الهجرة أو ترك العمل الزراعي.

وأضاف أن مطالب المحتجين تعكس جانبًا من معاناة الريف، حيث لا تزال قرى كثيرة تعاني نقص الوقود والطحين، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الحكومية، مشيرًا إلى أن أي استقرار حقيقي يجب أن يبدأ بتحسين حياة الناس قبل أي شيء آخر.

من جانبه، قال جاسم الجبوري، من مدينة الشدادي، إن الحسكة تضم مكونات اجتماعية متعددة اعتادت العيش معًا، ولذلك فإن المحافظة بحاجة إلى حلول توافقية تعيد الثقة بين السكان والمؤسسات، وتضمن مشاركة الجميع في المرحلة المقبلة.

وأضاف أن معالجة الاحتقان لا تكون فقط عبر اللقاءات والوعود، بل من خلال تنفيذ خطوات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، سواء في الخدمات أو الإدارة أو فرص العمل، معتبرًا أن نجاح أي تفاهم سياسي سيظل مرتبطًا بقدرته على تحسين الواقع المعيشي للسكان.

وبين التحركات العشائرية، والجولات الحكومية، واستمرار مسار تنفيذ تفاهمات الاندماج، تبقى الحسكة أمام مرحلة دقيقة تتطلب معالجة متوازنة للملفات السياسية والخدمية في آن واحد، في ظل مطالب محلية تركز بصورة متزايدة على تحسين الواقع المعيشي واستعادة الخدمات، إلى جانب السعي إلى تهدئة الاحتقان الذي شهدته المحافظة خلال الأيام الماضية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة