من يمثلنا كسوريين ومن يرسم صورتنا؟
أحمد عسيلي
انشغل السوريون خلال الأيام الماضية بقضية الصحفية الأمريكية التي اتهمت القائم بالأعمال في السفارة السورية بواشنطن بالمشاركة في اختطافها عام 2016.
سأقول لكم منذ البداية، إنني لن أناقش صحة هذه الاتهامات أو بطلانها، رغم أن لدي الكثير لأقوله حول هذا الأمر، لكن ما استوقفني صراحة في هذه القضية سؤال آخر تمامًا: لماذا تعرّف كثير من السوريين إلى مسار حياة وتاريخ ممثل بلادهم في إحدى أهم عواصم العالم من خلال اتهام، لا من خلال تعريف رسمي به وبسيرته ومسيرته؟ بل إننا حتى الآن لا نعرفه هو أو بقية السفراء بشكل جيد، وما بين أيدينا من معلومات عنه لا ترقى أبدًا لمسؤول بهذا المستوى.
في مقال الأسبوع الماضي، طالبتُ السلطة بأن تخبرنا بما يحدث، وأن تتحدث أكثر عن القرارات التي تتخذها والمؤسسات التي تبنيها، لكن يبدو أن بعض الأسئلة لا تنتهي عند إجابة واحدة، بل تفتح أبوابًا لأسئلة أخرى أكثر إلحاحًا، فإذا كان سؤال المادة السابقة لماذا لا تخبروننا بما يحدث؟ فإن السؤال الجديد الذي ربما يفرض نفسه هو: هل لديكم فعلًا شيئًا لتقولوه؟
نحن لا نسأل عن هؤلاء الأشخاص بدافع الفضول، ولا نريد معرفة المسؤولين لأننا مولعون بتتبع سيرهم الذاتية، نريد أن نعرفهم لأنهم أصبحوا جزءًا من صورتنا، السفير والوزير والمحافظ ونقيب الفنانين ورئيس اتحاد الكتّاب ورئيس الجامعة والمتحدث الرسمي… هؤلاء ليسوا مجرد موظفين، بل الوجوه التي اختارتها الدولة لتعبر عنها، إنهم، بمعنى ما، نحن، والطريقة التي يُختارون بها، والطريقة التي يُقدَّمون بها للمجتمع، هي جزء من الصورة التي نبنيها عن أنفسنا.
في التحليل النفسي، يذكّرنا جاك لاكان بأن الإنسان لا يكتشف نفسه مباشرة، بل يبني صورته من خلال اللغة والرموز والصور التي تحيط به، والدول أيضًا تحتاج إلى صورة، ليست صورة دعائية، بل صورة تجعل المواطن يشعر أن هناك مشروعًا متماسكًا يجمع كل هذه العناصر، فالعملة والعلم والخطاب والوجوه التي تمثل الدولة، ليست تفاصيل منفصلة، بل أجزاء من لوحة واحدة.
من هذه الزاوية، كان تغيير العملة وإزالة صور حافظ وابنه المخلوع خطوة رمزية ذات معنى، فالصورة البصرية للدولة تغيّرت، وهذا طبيعي بعد سقوط نظام حكم البلاد لعقود، لكن الصورة لا تكتمل بالرموز وحدها، فالهوية البصرية للدولة لا تصنعها الأوراق النقدية فقط، بل أيضًا الأشخاص الذين يتحدثون باسمها، والمعايير التي أوصلتهم إلى مواقعهم، والقصة التي تفسر وجودهم هناك (نعم، لماذا هم هناك؟).
قد يكون لدى السلطة منطق واضح في اختياراتها، وربما ترى أن المرحلة الانتقالية تفرض الاعتماد على أشخاص كانوا جزءًا من القوى التي أسقطت النظام، باعتبارهم الأكثر معرفة بالمرحلة والأكثر قدرة على إدارتها، إذا كان هذا هو المنطق، فلا بأس، دعونا نناقشه، قد يتفق معه بعضهم ويختلف معه آخرون، لكن ليكن معلنًا، هل هذه معايير مؤقتة؟ ومتى ستتغير؟ وما الخطة؟ هذه أسئلة طبيعية في أي مرحلة انتقالية.
في مصر، على سبيل المثال، يعرف الجميع أن المؤسسة العسكرية تشغل موقعًا محوريًا في بنية الدولة، ولذلك يتولى ضباط حاليون أو سابقون عددًا من أهم المناصب المدنية، خاصة منصب المحافظ، قد يختلف الناس مع هذا النموذج أو يتفقون معه، لكنه نموذج واضح، وفي عدد من الملكيات، تلعب الأسر الحاكمة دورًا أساسيًا في شغل المناصب العليا ضمن تقاليد سياسية معروفة، ويكون تاريخ الشخص ومساره العام متاحين للنقاش، قد نؤيد هذه النماذج أو نعارضها، لكنها تمتلك منطقًا معلنًا يمكن فهمه.
أما في سوريا، فما زال كثير من المواطنين يحاولون فهم القاعدة التي تُبنى عليها الدولة الجديدة، ما المعيار؟ ما الفكرة؟ لنعرف على الأقل إذا كنا سنؤيدها فندافع عنها، أم نعارضها فنبدأ ببناء جبهة معارضة.
في عملي بالطب النفسي، لا يقلقني كثيرًا في أثناء تقييم المريض وجود الحزن أو القلق أو حتى الغضب، فهذه كلها مشاعر يمكن فهمها والعمل عليها لاحقًا، ما يقلقني وبشكل جدي أحيانًا هو الإحساس بالفراغ، لأن الفراغ يجعل الإنسان عاجزًا عن الإمساك بخيط يبدأ منه، وبالتالي سأعجز عن رسم خطة علاجية، ولهذا السبب، يقلقني في المجال العام أن يطول غياب الخطاب الواضح، ليس لأنني أفترض غياب مشروع، بل لأن غياب تقديم هذا المشروع للمواطنين يترك فراغًا تملؤه الشائعات والتخبطات السلوكية.
كان لاكان يقول إن الخطاب لا يذهب إلى الآخر فقط، بل يعود أيضًا إلى صاحبه، والدولة ليست استثناء، فهي عندما تتحدث عن نفسها، أو تختار ممثليها، أو تعلن معاييرها، فإن أول من يسمع هذه الرسالة ليس العالم، بل مواطنوها (أي نحن) لذلك، قبل أن نسأل كيف ينظر إلينا الخارج، ربما علينا أن نسأل: ماذا نقول نحن لأنفسنا؟
سوريا الجديدة لن تُبنى بالاعتراف الدولي وحده، ولا بالزيارات الدبلوماسية وحدها، ولا حتى بالرموز الجديدة وحدها، ستُبنى عندما يستطيع السوري أن يجيب بثقة عن سؤال بسيط: من يمثلني؟ ولماذا اختير؟ وما الفكرة التي تجمع هؤلاء جميعًا؟ فالدول لا تُرى بأعلامها وعملاتها فقط، بل أيضًا بالوجوه التي تختارها لتكون وجهها، ومن حق السوريين أن يعرفوا كل ما يلزم عن هذه الوجوه.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





