صناعيون في حلب: تحسن نسبي لكن الإصلاحات لم تكتمل

اجتماع لصناعيي حلب في غرفة صناعة المدينة- 2 شباط 2026 (سانا)

camera iconاجتماع لصناعيي حلب في غرفة صناعة المدينة- 2 شباط 2026 (سانا)

tag icon ع ع ع

بعد أكثر من عام ونصف على التغيرات السياسية والإدارية التي شهدتها سوريا، لا يزال القطاع الصناعي في حلب يحاول استعادة توازنه وسط واقع اقتصادي معقد، يجمع بين بعض المؤشرات الإيجابية واستمرار تحديات قديمة لم تجد طريقها إلى الحل.

وشهدت الفترة الماضية جملة من الإجراءات الحكومية التي استهدفت إعادة تنشيط القطاع الصناعي، شملت تسهيل بعض الإجراءات الإدارية، وإعادة تشغيل عدد من المنشآت، إلى جانب محاولات لجذب الاستثمارات وتحريك عجلة الإنتاج.

واقع الصناعة

في المقابل، لا يزال صناعيون في المدينة يشيرون إلى ملفات يعتبرونها أساسية لاستعادة النشاط الصناعي بصورة أوسع، في مقدمتها كلف الإنتاج وتأمين الطاقة والتمويل، إضافة إلى المنافسة مع المنتجات المستوردة وتحديات التصدير.

ورغم أن جزءًا من المعوقات التي كانت تواجه الصناعيين قبل سنوات تراجع أو تبدل، فإن تحديات جديدة برزت مع تغير الظروف الاقتصادية، الأمر الذي جعل عملية التعافي تسير بوتيرة متفاوتة بين القطاعات والمناطق الصناعية.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مدى نجاح الإجراءات المتخذة حتى الآن في تحسين بيئة الإنتاج، وما إذا كانت كافية لإعادة الصناعة في حلب إلى دورها السابق، أم أن القطاع ما يزال بحاجة إلى إصلاحات أوسع وسياسات اقتصادية أكثر استقرارًا تمكنه من تجاوز مرحلة التعافي الأولية والانتقال إلى مرحلة النمو والتوسع.

يرى صناعيون أن المشهد الصناعي اليوم يختلف عن بدايات المرحلة الانتقالية، إلا أن تقييم هذا الواقع لا يقتصر على قياس عدد المنشآت العائدة إلى العمل أو حجم الإنتاج، بل يشمل قدرة بيئة الأعمال على تشجيع الاستثمار، وتحقيق الاستقرار، وتأمين مقومات استمرار العملية الإنتاجية.

وتتباين آراء العاملين في القطاع حول الملفات التي شهدت تحسنًا، مقابل قضايا لا تزال، بحسب وصفهم، بحاجة إلى معالجات حكومية، بما ينعكس على تنافسية المنتج السوري وقدرته على استعادة مكانته في الأسواق المحلية والخارجية.

تحسن نسبي… التعافي بطيء

يرى رئيس لجنة العرقوب الصناعية، تيسير دركلت، أن الصناعيين استقبلوا مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق بوصفها “لحظة خلاص” من الضغوط والقوانين التي كانت تثقل عملهم، ما رفع سقف التوقعات تجاه الحكومة الجديدة.

وقال دركلت، لعنب بلدي، إن الحكومة ورثت مؤسسات دولة متهالكة، وهو ما جعل أدواتها غير مكتملة لإحداث تغيير سريع.

الصناعيون مارسوا ضغوطًا كبيرة أملًا في تسريع الإصلاحات، إلا أن محاولات الحكومة، رغم جديتها، لم تحقق النتائج المأمولة حتى الآن.

وأوضح أن بيئة العمل الصناعية شهدت تحسنًا في عدد من الجوانب، من بينها زيادة ساعات التغذية الكهربائية، وتحسن واقع الشوارع والنظافة، إلى جانب ارتفاع مستوى الاستقرار الأمني، معتبرًا أن هذه العوامل انعكست إيجابًا على النشاط الصناعي.

في المقابل، أشار إلى أن القرارات الحكومية المتعلقة بالقطاع الصناعي لا تزال تسير بوتيرة بطيئة، مرجعًا ذلك إلى تبني الحكومة سياسة السوق المفتوح، وهي تجربة جديدة بالنسبة للصناعيين الذين ما يزالون في مرحلة التأقلم معها، إلى جانب الحاجة إلى مواءمة القرارات مع آليات تنفيذها بما يحقق نتائج عملية على أرض الواقع.

القطاع لا يزال يواجه معوقات أساسية، في مقدمتها ارتفاع تكاليف حوامل الطاقة، سواء الكهرباء أو المازوت أو البنزين، فضلًا عن وجود خلل في عمليات التوريد والتوزيع، وهو ما ينعكس، بحسب قوله، على كلفة الإنتاج واستقرار العملية الصناعية، داعيًا إلى وضع حلول استراتيجية.

ولفت دركلت إلى أن جانبًا آخر من التحديات يتعلق باستمرار العمل بقوانين قديمة، وفي مقدمتها قوانين المالية والتأمينات الاجتماعية.

واعتبر أنها لم تعد تتناسب مع الواقع الحالي، وأن بعض الضرائب المفروضة على الصناعيين “غير مبررة”، داعيًا إلى إصدار تشريعات حديثة تحقق العدالة الضريبية وتواكب المرحلة الجديدة.

كما أشار إلى استمرار الصعوبات المرتبطة بتدفق السيولة المالية وسلاسل توريد المواد الأولية.

القطاع الصناعي يتطلع إلى تحسين الربط مع البنوك الخارجية، لما لذلك من أهمية في تسهيل عمليات تحويل الأموال، وتسديد المستحقات، وتمويل الشحنات التجارية، بما يسهم في تنشيط الإنتاج الصناعي.

طموح بخفض تكاليف الإنتاج

من جانبه، قال الصناعي عبد المنعم ريحاوي، لعنب بلدي، إن القطاع الصناعي لا يزال يطمح إلى اتخاذ إجراءات إضافية تسهم في تخفيض كلف الإنتاج، ولا سيما فيما يتعلق بأسعار حوامل الطاقة.

خفض أسعار الفيول إلى أقل من 300 دولار من شأنه أن يعزز قدرة الصناعات السورية على المنافسة في الأسواق.

وأوضح أن ارتفاع تكاليف الكهرباء والفيول، إلى جانب كلفة النقل المحلي الناتجة عن أسعار المحروقات، ما يزال يشكل عبئًا كبيرًا على الصناعيين، وينعكس بصورة مباشرة على تكلفة المنتج المحلي وقدرته على منافسة المنتجات الأخرى.

وأضاف أن القطاع يتطلع أيضًا إلى فتح أسواق جديدة لتسويق المنتجات السورية، مشيرًا إلى أن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى وقت وإلى إجراءات متدرجة تسهم في تعزيز حضور الصناعة السورية خارجيًا.

وزارة الاقتصاد بدأت، بحسب وصفه، باتخاذ خطوات لمعالجة عدد من الملفات، من بينها إعادة النظر في بعض البنود الجمركية وتصحيح عدد من الأخطاء.

الصناعيون، وفقًا لريحاوي، يتابعون هذه الملفات مع الوزارة، وسط وعود بمعالجة عدد منها خلال الفترة المقبلة.

ولفت إلى أن من أبرز الملفات التي ما تزال تحتاج إلى حلول، واقع التبادل التجاري مع الأردن، إذ ما تزال الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات السورية مرتفعة.

ودعا إلى تعزيز التنسيق بين الحكومتين السورية والأردنية للوصول إلى تفاهمات تسهم في تخفيف هذه الرسوم وتسهيل حركة التجارة بين البلدين.

موازنة السوق المفتوح والمنتج الوطني

قال الصناعي عبد المنعم بودقة، إن القطاع الصناعي شهد خلال الفترة الماضية تحسنًا في بعض الجوانب المتعلقة ببيئة العمل، إلا أن ذلك لم ينعكس حتى الآن على تعافي الصناعة بالشكل الذي كان يأمله الصناعيون.

وأوضح خلال حديثه لعنب بلدي أن التحدي الأبرز ما يزال يتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج، ولا سيما أسعار الطاقة والنقل، إلى جانب صعوبة تأمين التمويل اللازم لتوسيع النشاط الصناعي، ما يدفع كثيرًا من المنشآت إلى العمل بأقل من طاقتها الإنتاجية.

المنافسة مع المنتجات المستوردة لا تزال تشكل تحديًا آخر، ما يستدعي إيجاد توازن بين سياسة السوق المفتوح وحماية المنتج الوطني، عبر إجراءات تضمن قدرة الصناعات المحلية على المنافسة دون الإضرار بالمستهلك.

تحسن واقع الصناعة، وفقًا لوصفه، لا يرتبط بالقرارات الاقتصادية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى تطوير البنية التحتية في المناطق الصناعية، وتحسين الخدمات، وتبسيط الإجراءات الإدارية، بما يشجع الصناعيين على التوسع وإعادة تشغيل المنشآت المتوقفة.

ولفت إلى أن الصناعيين يعولون على المرحلة المقبلة لإقرار تشريعات اقتصادية أكثر مرونة، وتوسيع العلاقات التجارية مع الأسواق الخارجية.

زيادة الصادرات تبقى أحد أهم العوامل التي يمكن أن تدفع عجلة الإنتاج وتنعكس إيجابًا على الاقتصاد السوري، بحسب بودقة.

مطالب سابقة

وتركزت مطالب صناعيين في مدينة حلب خلال الفترة التي أعقبت سقوط نظام الأسد بزيادة ساعات وصل التيار الكهربائي، واشتكوا من ارتفاع تعرفة الاشتراكات الخاصة، إلى جانب الرسوم الجمركية التي اعتبروها عبئًا عليهم.

ودعا الصناعيون الحكومة باتخاذ خطوات “عاجلة” لحماية المنشآت الإنتاجية من التوقف.

كما شددوا على ضرورة إعادة النظر بالسياسات الجمركية بما يحد من دخول البضائع المنافسة ذات الجودة المتدنية.

وطالبوا بدعم المنتجات المحلية لتأمين فرص العمل والحفاظ على استمرارية المصانع.

هموم صناعيي حلب الثقيلة على طاولة “الغرفة”

 



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة