المحروقات في السويداء.. إمدادات متقطعة وسوق سوداء تتمدد

"بسطة" لبيع المحروقات في السويداء - 12 آب 2026 (عنب بلدي)

camera icon"بسطة" لبيع المحروقات في السويداء - 12 آب 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – السويداء

لم تبدأ أزمة المحروقات في محافظة السويداء مع سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، كما لم تكن أحداث تموز 2025 وحدها سببًا في تفاقمها، إذ عانت المحافظة خلال السنوات السابقة من نقص متكرر في البنزين والمازوت وعدم انتظام التوريدات.

لكن أحداث تموز عمّقت الأزمة، بعدما تعطلت طرق الإمداد وتوقفت توريدات البنزين لفترات، قبل أن تعود بكميات متقطعة وغير كافية، ما عزز اعتماد السكان على السوق الموازية، التي تحولت فيها المحروقات إلى سلعة مرتفعة الثمن يصعب الحصول عليها عبر المحطات الرسمية.

تحسن نسبي بعد سقوط النظام

منذ سقوط النظام حتى أحداث تموز 2025، شهد واقع المحروقات في السويداء تحسنًا نسبيًا مقارنة بالسنوات السابقة، إذ لم تسجل المحافظة خلال تلك الفترة أزمة وقود شاملة أو انقطاعًا مزمنًا للمشتقات النفطية، مع تحسن حركة التجارة وتدفق البضائع بين المحافظات.

لكن هذا التحسن لم ينهِ مشكلة الإمداد، إذ بقيت السويداء تعتمد بشكل أساسي على خطوط توريد قادمة من خارجها، ما جعل توفر المحروقات عرضة لأي اضطراب أمني أو لوجستي على الطرق.

توقف الإمدادات بعد أحداث تموز

عقب أحداث تموز 2025، توقفت توريدات البنزين إلى السويداء نتيجة القيود المرتبطة بحركة الطرق والظروف الأمنية، بينما استمر دخول كميات من المازوت المخصصة للمؤسسات الخدمية، كالمستشفيات والأفران والمياه والكهرباء، وعادت أولى توريدات البنزين إلى المحافظة في 30 من تموز من العام نفسه، لكن بكميات محدودة.

وبحلول أيلول 2025، كانت السويداء تعيش واحدة من أشد أزمات الوقود، إذ لم تتجاوز التوريدات، بحسب تقديرات محلية، 30% من الحاجة الفعلية للمحافظة، بينما وصل سعر ليتر البنزين في السوق السوداء إلى نحو 750 ليرة جديدة، مقابل نحو 130 ليرة بالسعر الرسمي.

ومع اتساع الفجوة بين العرض والطلب، توسعت تجارة الوقود في السوق الموازية، وانتشرت “البسطات” وعمليات التهريب من المحافظات المجاورة، وسط اتهامات بوجود شبكات تستفيد من شح المادة وتعيد بيعها بأسعار مرتفعة.

رفع أجور النقل

كل ذلك انعكس على قطاع النقل، إذ قال “ياسر الحلبي” (اسم مستعار)، وهو سائق سيارة أجرة في مدينة السويداء، إن ارتفاع أسعار المحروقات رفع أجور النقل، ودفع كثيرين إلى تقليل استخدام سيارات الأجرة، “لأن الناس تحاول العيش بأدنى المستويات، وأصبح طلب التاكسي عند كثير من الناس نوعًا من الرفاهية”.

وأشار إلى أن الحصول على البنزين من المحطات الرسمية كان يتطلب ساعات من الانتظار، حيث ينتظر أمام محطة الوقود لأربع ساعات لتعبئة عشرة ليترات، في حين أن البنزين يتوفر في “البسطات” التي توجد في كل 20 مترًا.

مرحلة “أزمة الترصيد”

في أواخر أيلول 2025، دخلت الأزمة مرحلة جديدة مع تغيير آلية “ترصيد” طلبات الوقود، إذ طُلب تنفيذ “الترصيد” في المصرف الزراعي ببلدة المزرعة بدلًا من القنوات المعتادة في دمشق، وهو ما رفضه أصحاب المحطات باعتباره يزيد أعباءهم المالية والأمنية.

وترافق ذلك مع توقف توريدات البنزين والمازوت لأسابيع، وانقطاع المادة شبه الكامل عن المحطات مقابل استمرار توفرها في السوق السوداء بأسعار مرتفعة.

وفي منتصف تشرين الأول 2025، استؤنفت التوريدات بعد إعادة السماح بـ”الترصيد” عبر المصرف المركزي في دمشق، ما أدى إلى دخول بعض الطلبات إلى المحافظة وانخفاض سعر البنزين في السوق السوداء من نحو 700 ليرة إلى أقل من 300 ليرة لليتر.

وفي منتصف شباط الماضي، استؤنفت توريدات المحروقات إلى السويداء بعد توقف استمر نحو ثلاثة أسابيع على خلفية حادثة أمنية في قرية المتونة قرب طريق دمشق- السويداء، أسفرت عن مقتل عدد من المدنيين العاملين في قطف الزيتون، بينما تراوح سعر البنزين في السوق السوداء بين 400 و600 ليرة.

وتوقفت الإمدادات مجددًا عقب قطع مجموعة من أهالي المفقودين والمغيبين قسرًا طريق شهبا المؤدي إلى دمشق، على خلفية حادثة تهريب الأسرى، ما رفع الأسعار مرة أخرى.

وفي أواخر حزيران الماضي، أعلنت وزارة الطاقة خفض أسعار المشتقات النفطية، ليصبح سعر ليتر البنزين “أوكتان 90″ نحو 125 ليرة، و”أوكتان 95” نحو 130 ليرة، لكن خفض السعر لم يحل مشكلة توفر المادة، التي بقيت مرتبطة بانتظام التوريدات وحجم الكميات الداخلة إلى المحافظة.

الوضع الحالي: بنزين أقل من الحاجة وسوق موازية تتوسع

رغم الإجراءات المتخذة من قبل الأمن الداخلي الذي يشرف عليه الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في السويداء، حكمت الهجري، أواخر تموز الماضي، لتنظيم توزيع البنزين والحد من انتشار السيارات المتنقلة، لا تزال أزمة تأمين المادة مستمرة في السويداء، مع انخفاض الكميات الواردة وارتفاع أسعار البنزين في السوق السوداء، المعروفة محليًا باسم “الحُر”.

وبعد أن وصل سعر الليتر خلال ذروة الأزمة إلى نحو 300 ليرة سورية، انخفض لاحقًا إلى ما بين 230 و250 ليرة، لكنه بقي أعلى من السعر النظامي بنحو 90%.

وتأتي الأزمة في سياق اضطراب إمدادات المحروقات في سوريا مطلع تموز، بينما لا تزال أسباب استمرار النقص في السويداء موضع خلاف بين الأطراف المعنية، وسط روايات واتهامات متبادلة حول آلية التوريد والتوزيع ومصادر البنزين المباع خارج المحطات الرسمية.

وكانت الشركة السورية للبترول أعلنت إلزامها بعدد الطلبات المخصصة يوميًا لكل محافظة بدءًا من 5 من تموز الماضي، محددة حصة السويداء بطلبين من البنزين يوميًا.

وبحسب مصادر محلية، تعادل هذه الكمية نحو 48 ألف ليتر توزع على أربع محطات، بواقع 12 ألف ليتر لكل محطة، بينها محطتان في المدينة واثنتان في الريف.

وقال مصدر في قطاع المحروقات، إن هذه الكميات لا تكفي حاجة المحافظة.

أحد أبناء السويداء، فضل عدم نشر اسمه لأسباب خاصة، وهو يعمل في المهن اليدوية ويعتمد على دراجة نارية، قال لعنب بلدي، “سعر الليتر ارتفع إلى نحو 400 ليرة، وأجرتي اليومية لا تكفيني للأكل والدخان، ومع ذلك أضطر لتعبئة البنزين يوميًا كي أستطيع الذهاب إلى عملي”.

أما الشاب حيدر، ويعمل “كومجي” (إصلاح إطارات السيارات) وتسلم مؤخرًا إدارة محل يستخدم ضاغط هواء يعمل على البنزين، فقال إن ارتفاع أسعار الوقود حوّل العمل إلى مشروع خاسر أحيانًا، إذ يذهب جزء كبير من دخله لتأمين الوقود اللازم لتشغيل المعدات.

وباتت السيارات المتنقلة و”البسطات” جزءًا ثابتًا من المحافظة، إذ يتجاوز عددها الـ200 موزعة في مناطق مختلفة.

وتبيع هذه السيارات البنزين بأسعار تختلف من منطقة إلى أخرى تبعًا لمصدر المادة وتكلفتها، ما أدى إلى تفاوت الأسعار.

روايات التهريب

خلال اجتماع عقد في 29 من تموز الماضي، بين القاضي شادي مرشد، رئيس “مجلس الإدارة في جبل باشان” الذي تشكل بعد حل “اللجنة القانونية العليا”، وأصحاب السيارات المتنقلة، صرح مرشد أمام عدد من الحاضرين أن “المحطات المرخصة ليست المصدر الرئيس للبنزين الذي يحصلون عليه، وأنهم يعتمدون بشكل أساسي على كميات تدخل إلى المحافظة بطرق غير رسمية”.

وبحسب ما نُقل عن أصحاب السيارات، فإن سعر الليتر الذي يصل إليهم يبلغ نحو 200 ليرة، ما يضطرهم إلى بيعه للمستهلك بسعر أعلى لتحقيق هامش ربح يغطي تكاليف النقل والمخاطر.

كما يتم تداول روايات تشير إلى عمليات تهريب البنزين عبر خزانات إضافية مخفية زودت بها بعض حافلات النقل وقد تصل سعتها إلى ألف ليتر، وكذلك في السيارات الخاصة لكن بسعة أقل.

وتتحدث مصادر محلية عن وجود أشخاص يملكون علاقات مع جهات مختلفة على الطرق والحواجز، ما يسمح لهم، وفق هذه الروايات، بإدخال كميات أكبر من المحروقات مقارنة بالمواطنين العاديين.

لكن حجم هذه العمليات ومساراتها الفعلية يبقى بحاجة إلى بيانات موثقة حول عمليات الضبط والمصادرة والكميات الداخلة إلى المحافظة خارج القنوات الرسمية، وهو ما لا تتوفر بشأنه أرقام دقيقة معلنة حتى الآن.

إلى جانب الحديث عن التهريب، تتداول أوساط محلية اتهامات بشأن آلية توزيع مخصصات المحطات، تتعلق ببيع جزء من الكميات بالسعر النظامي وتصريف جزء آخر في السوق الموازية للاستفادة من فارق السعر.

ولا تتوفر بيانات رسمية تؤكد هذه الروايات أو تنفيها، إلا أن استمرار توفر البنزين في السوق الحرة رغم النقص في المحطات أبقاها حاضرة في النقاش المحلي.

ويرى أحد السكان في حديث إلى عنب بلدي أن “غياب الرقابة الواضحة على حركة المادة داخل المحافظة، عزز الشعور بأن بعض الأطراف تستفيد من استمرار الأزمة”.

ومع اتساع نشاط السيارات المتنقلة، حاولت الإدارة المحلية أواخر تموز الماضي وقف بيع المحروقات خارج المحطات الرسمية، لكن الاعتراضات دفعتها إلى تنظيم عمل هذه السيارات بدل إغلاقها.

وفي 30 من تموز الماضي، أعلنت “قوى الأمن الداخلي” (غير الحكومية) إجراءات لتنظيم التوزيع، شملت تحديد ساعات العمل والكميات المخصصة للمركبات والدراجات، وإشراف الجهات المعنية على التوزيع واستقبال الشكاوى وضبط المخالفات.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة